من التجربة إلى الأدب: كيف تصنع الرواية عالمها


أصبح من المألوف أن نجد روائيا يصدر ثلاث روايات في عام واحد، وكأنّ الرواية لم تعد ذلك الفن الذي يحتاج إلى التأمل والتجريب وإعادة البناء، بل أصبحت منتجا ثقافيا يخضع لمنطق الإنتاج المتواصل. والسؤال الذي ينبغي أن يسبق كل سؤال آخر هو: هل نحن أمام غزارة في الإبداع، أم غزارة في النشر؟ الفرق بين الاثنين ليس لغويا، بل جوهري. فالكاتب قد يكتب كل يوم، وقد ينجز مئات الصفحات في أشهر قليلة، لكنه لا يعدها أعمالا مكتملة. يحتفظ بها، ويعود إليها، ويحذف منها، ويعيد ترتيبها، وربما يهجرها سنوات قبل أن يقرر أنها أصبحت جديرة بأن تخرج إلى القارئ. أما الكاتب الذي يتعامل مع كل مسودة بوصفها كتابا جاهزا، فإنه يختصر واحدة من أهم مراحل الإبداع، وهي مرحلة مراجعة الذات.

مفهومان للكتابة

من هنا يبدأ الفرق بين مفهومين للكتابة. هناك من يرى أن الكتاب هو نهاية عملية طويلة من الشك والمراجعة والتجريب، وهناك من يراه النتيجة الطبيعية لأي نص طويل ينجح في الوصول إلى الصفحة الأخيرة. وبين هذين التصورين تتحدد قيمة العمل الأدبي. لقد علمتنا تجارب كبار الروائيين أن الرواية لا تبدأ حين يضع الكاتب الجملة الأولى، وإنما تبدأ قبل ذلك بسنوات، حين تتكون رؤيته للعالم، وتتراكم خبراته، وتتفاعل قراءاته، ويجد الفكرة التي تستحق أن تتحول إلى عمل فني. أما الكتابة نفسها، فهي ليست سوى المرحلة المرئية من عملية بدأت في مكان آخر، وفي زمن آخر. ولهذا تبدو المقارنة بين زمن الكتابة وزمن النشر مقارنة مضللة.

ماذا كان يفعل الكتاب الكبار؟

غابرييل غارسيا ماركيز، عندما قضى ثمانية عشر شهرا في كتابة «مئة عام من العزلة» لم تكن هذه الفترة الزمنية سوى المرحلة الأخيرة من رحلة بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة. كان العالم الروائي قد نما في ذاكرته، واكتملت شخصياته، واستقرت نبرته، حتى جاءت لحظة الكتابة لتمنحه شكله النهائي. ولم يكن ماركيز حالة استثنائية. غوستاف فلوبير كان يعد المراجعة جزءا من الإبداع، لا عملا لاحقا له. وكان يؤمن بأن الجملة الأدبية لا يجوز أن تستقر في مكانها إلا بعد أن تثبت أنها لا تقبل بديلا أفضل منها. لذلك لم يكن يقيس الزمن بعدد الصفحات التي يكتبها، بل بعدد الصفحات التي ينجح في إنقاذها من الترهل والإنشاء والاستسهال. أما مارسيل بروست فقد ظل يعيد كتابة مشروعه الروائي الضخم حتى السنوات الأخيرة من حياته. لم يكن ذلك لأنه عاجز عن إنهائه، وإنما لأنه كان يرى أن الرواية كائن حي، يتغير كلما اتسعت رؤية صاحبه، وأن النص الذي يتوقف عن النمو قبل أوانه يفقد شيئا من حياته. ولم يختلف أومبرتو إيكو عن هؤلاء كثيرا. فقد كان يكرر أن البحث الذي يسبق كتابة الرواية قد يستغرق زمنا أطول من كتابتها نفسها. فالكاتب، في رأيه، لا يختلق عالما من فراغ، بل يبنيه حجرا فوق حجر، مستندا إلى المعرفة، والخيال، والدقة، والصبر.
هذه الأمثلة لا يراد منها تمجيد البطء، كما قد يتوهم البعض، ولا الدعوة إلى تأجيل النشر بوصفه فضيلة في ذاته. فليس هناك قانون يحدد عدد السنوات اللازمة لكتابة رواية عظيمة، كما أنه ليس كل نص استغرق عشر سنوات نصا عظيما بالضرورة. لأن الزمن، في حد ذاته، لا يصنع الأدب، لكن الزمن يصبح ذا قيمة حين يكون زمنا للعمل، لا زمنا للانتظار، وحين يكون زمنا لإعادة التفكير، لا زمنا للتردد. إن الرواية لا تنضج لأن الساعة تدور، وإنما لأنها تمر بسلسلة من الاختبارات القاسية التي يفرضها الكاتب على نفسه قبل أن يفرضها على قارئه.

الحذف ليس خسارة

الكاتب الحقيقي لا يخشى حذف خمسين صفحة إذا شعر بأنها لا تخدم الرواية، بينما يخشى الكاتب المستعجل حذف فقرة واحدة، لأنه ينظر إلى النص بوصفه كمية ينبغي الحفاظ عليها، لا بوصفه بنية ينبغي تنقيتها. إن الحذف، في الأدب، ليس خسارة، بل ربح. وكثيرا ما تكون الصفحة التي لم تنشر أكثر أهمية من الصفحة التي نشرت، لأنها هي التي منحت النص توازنه، وأنقذته من الثرثرة، وأبقت على ضرورته الفنية. من هنا لا يعود السؤال: كم كتب الروائي؟ بل يصبح السؤال: كم حذف؟ وكم أعاد كتابة ما كتبه؟ وكم مرة تراجع عن حل سردي لأنه لم يكن مقنعا بما يكفي؟ هذه الأسئلة هي التي تميز الكاتب الذي يحترم الرواية عن الكاتب الذي يكتفي بإنتاجها.
من الرواية إلى خبر صدور الرواية
في المشهد الروائي العربي، المشكلة اليوم ليست في وجود كتاب يكتبون بسرعة، بل في أن الثقافة نفسها أصبحت تكافئ السرعة أكثر مما تكافئ النضج. فدور النشر تبحث عن العنوان الجديد، ومعارض الكتب تحتاج إلى إصدارات متلاحقة، ووسائل التواصل الاجتماعي تمنح حضورها الأكبر لمن يظل اسمه متداولا على نحو دائم. وفي ظل هذه الآلية يصبح تأجيل النشر خسارة إعلامية، حتى لو كان ربحا فنيا. وهنا يحدث التحول الأخطر: ينتقل مركز الثقل من الرواية إلى خبر صدور الرواية. فالعمل الأدبي الذي كان يفترض أن يفرض نفسه عبر القراءة والنقد والتراكم، يصبح حدثا إعلانيا قصير العمر. يكفي أن تظهر صورة الغلاف، وأن تنشر عبارات التهنئة، وأن يعلن عن حفل توقيع، حتى يبدو الكتاب وكأنه أنجز مهمته قبل أن يبدأ امتحانه الحقيقي، أي امتحان القراءة. ومن نتائج هذا الاستعجال أن الحدود بين الأجناس الأدبية أخذت تذوب بطريقة مربكة. فالمذكرات الشخصية، واليوميات، والاعترافات، والسرد المباشر لتجارب الحياة، كلها يمكن أن تتحول بسهولة إلى «رواية» ما دام النص طويلا بما يكفي. لكن طول النص لا يصنع رواية، تماما كما أن امتلاك الألوان لا يصنع لوحة.
الرواية ــ تحويل الذات إلى مادة فنية
الرواية ليست مجرد حكاية عن الذات، بل تحويل هذه الذات إلى مادة فنية. الكاتب الروائي لا يكتفي بأن يروي ما حدث له، وإنما يعيد بناء التجربة، ويمنحها شكلا، ويخلق إيقاعا، ويصنع علاقات بين الشخصيات، ويختبر الزمن السردي، ويختار زاوية الرؤية، ويعيد توزيع الضوء والظل داخل العالم المتخيل. أما حين يبقى النص أسيرا للتسجيل المباشر، فإنه يظل أقرب إلى المذكرات مهما حمل على غلافه من تسميات. وليس في المذكرات ما يعيبها. فالمذكرات جنس أدبي له تقاليده وقيمته. لكن المشكلة تبدأ حين يجري التعامل مع كلمة «رواية» بوصفها شهادة تفوق تمنح لأي سرد طويل، وكأن تغيير الاسم يكفي لتغيير طبيعة النص. إزاء ذلك يطرح النقد أسئلة شديدة الحساسية: ما الذي يفعله الخيال هنا؟ ما الذي أضافه البناء الفني؟ أين التحويل الجمالي للتجربة؟ لأن الأدب، في النهاية، لا يقاس بصدق الوقائع وحده، بل بطريقة إعادة خلقه، لعل هذا ما يفسر لماذا تبقى بعض الروايات في الذاكرة، بينما تختفي أخرى بعد أشهر من صدورها.
الرواية التي تعيش ليست بالضرورة الأكثر إثارة عند النشر، بل الأكثر قدرة على أن تكشف شيئا جديدا عن الإنسان كلما أعيدت قراءتها. إنها لا تعتمد على حداثة الحدث، بل على عمق الرؤية. أما الرواية التي تقوم على التسجيل السريع للانفعالات والذكريات، فإنها تستهلك غالبا في اللحظة التي كتبت من أجلها. تكون قريبة من صاحبها، لكنها لا تصبح بالضرورة قريبة من القارئ. والفرق بين الحالتين هو الفرق بين التعبير عن التجربة وتحويل التجربة إلى أدب.

نص مكتوب ونص منجز

كثير من الروايات الكبيرة وصلت إلى القارئ، بعد أن مرت بعشرات المسودات، وبعضها تغيرت بنيتها كاملة قبل النشر. هذه المرحلة غير المرئية هي التي تصنع الفرق بين نص مكتوب ونص منجز. لهذا يبدو لي أن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الكاتب على نفسه ليس: متى أنشر؟ بل هل انتهيت حقا من الكتابة؟ وهل بذلت في هذا النص كل ما أستطيع بذله؟ وهل يمكن أن أعود إليه بعد عام فأشعر بأنني ما زلت مقتنعا به؟ هذه الأسئلة قد تؤخر الكتاب، لكنها تحميه. والكاتب الذي يحترم قارئه لا يخشى التأخير بقدر ما يخشى أن يقدم عملا يعرف في داخله أنه لم يكتمل بعد.
الرواية ليست سباقا في عدد الإصدارات، ولا وسيلة لإضافة عنوان جديد إلى السيرة الذاتية. إنها فن يقوم على الاختيار والحذف وإعادة النظر بقدر ما يقوم على الكتابة نفسها. ومن لا يمنح نصه حقه من المراجعة قد ينجح في نشر كتب كثيرة، لكنه لن يضمن أن يبقى منها شيء بعد أن يهدأ ضجيج الإعلان. والتاريخ لا يسأل الكاتب: كم رواية نشرت؟ بل يسأله سؤالا أكثر صعوبة: أي رواية منها استطاعت أن تبقى؟ هنا يبدأ الأدب الحقيقي. وهنا تنتهي سلطة الأرقام.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *