تقرير المفتشية العامة للدولة يعيد قضية الفساد إلى الواجهة والمعارضة تواجهه بعاصفة انتقاد



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: لم يحتج الجدل حول الفساد في موريتانيا إلى ملف جديد كي يعود إلى صدارة النقاش العام، لكن التقرير السنوي للمفتشية العامة للدولة عن عامي 2024 و2025 أعطاه هذه المرة أرقاماً رسمية، وأعاد طرح السؤال القديم بصيغة أكثر إلحاحاً: هل تعكس الاختلالات المكتشفة اتساع الرقابة الحكومية وبدء انتقالها من التشخيص إلى العقاب، أم تكشف، كما تقول المعارضة، أن ما يصل إليه التفتيش ليس سوى جزء محدود من ظاهرة أوسع؟
وحسب التقرير التي ينشغل الموريتانيون حاليا بأرقامه واستخلاصاته، بلغ الأثر المالي للاختلالات التي رصدتها المفتشية 23.75 مليار أوقية قديمة، أي 2.375 مليار أوقية جديدة، بما يعادل نحو 59.2 مليون دولار، على أساس سعر صرف 40.11 أوقية جديدة للدولار. وتمثل هذه الاختلالات 7% من نحو 328.62 مليار أوقية قديمة خضعت للرقابة، أي ما يعادل قرابة 819 مليون دولار.
وبدأت المفتشية 39 مهمة رقابية خلال الفترة، اكتملت منها 28، وظلت سبع في طور الإنهاء، وأربع معلقة حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر 2025.
وتوزعت المبالغ المدققة خصوصاً بين الإسكان والعمران، بنحو 271 مليون دولار، والصحة بنحو 195 مليوناً، والمعادن والصناعة بنحو 122 مليون دولار، فضلاً عن التنمية الحيوانية والصيد والموانئ والمياه وقطاعات أخرى.
لكن التقرير لم يسمِّ المؤسسات والمشاريع المعنية في عدد من المهام، بما فيها أربع عمليات رقابة في قطاع الصحة، كما لم ينشر أسماء المسؤولين المرتبطين بالاختلالات، وهو ما تحول سريعاً إلى إحدى نقاط الاعتراض الرئيسية لدى منتقديه.
وأظهرت تفاصيل التقرير أن الخلل الأكبر ارتبط بالطلبية العمومية وتنفيذ المشاريع؛ فقد بلغت قيمة المبالغ المصروفة مقابل أشغال جزئية أو غير منفذة أو غير مطابقة للمواصفات نحو 15.9 مليون دولار، مشكلة قرابة 27% من إجمالي الأثر المالي.
وجاء عدم تحصيل غرامات التأخير بنحو 11.9 مليون دولار، ثم زيادة الفوترة بنحو 4.2 ملايين دولار، إلى جانب ضعف تحصيل مستحقات الدولة والضرائب والنفقات دون مقابل أو دون وثائق إثبات كافية.
وفي المقابل، أكدت المفتشية أن عملها لم يقتصر على رصد المخالفات؛ إذ بلغت قيمة الإجراءات الوقائية نحو 32.4 مليون دولار بين ترشيد للنفقات وتعليق دفعات اعتُبرت غير مبررة.
كما استعادت الخزينة مباشرة نحو 1.14 مليون دولار، وجُبرت أضرار بتنفيذ خدمات ومطابقتها للمواصفات بقيمة نحو 3.53 ملايين دولار، واستُرجع ما يقارب 3.48 ملايين دولار عبر الاقتطاع من مستحقات أطراف أخلت بالتزاماتها، بينما تستهدف إجراءات جارية استعادة نحو 4.92 ملايين دولار إضافية.
وعلى المستوى التأديبي، أُقيل 20 موظفاً، وحُوّل ثلاثة تلقائياً، ووجهت إنذارات إلى 11 موظفاً، فيما أحيلت أربعة ملفات إلى القضاء ومحكمة الحسابات بأثر مالي يبلغ نحو 30.3 مليون دولار.
وإذا كانت هذه الأرقام قد أظهرت جديدة السلطات في رقابة التسيير العام فإن المعارضة الموريتانية من زاوية مختلفة؛ فرئيس حزب «موريتانيا إلى الأمام» نور الدين ولد محمدو وصف التقرير بأنه أقرب إلى «العبث» منه إلى محاربة الفساد، محتجاً بأن 28 مهمة مكتملة خلال سنتين لم تشمل، بحسب حساباته، سوى جزء محدود من الإنفاق العام، وبالتالي لا يمكن اعتبار نسبة الـ 7% مؤشراً على الحجم الحقيقي للفساد.
أما النائب أحمدو امباله، القيادي في حزب «تواصل»، فرأى أن نشر التقرير خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه اعتبر أن ضعف الاسترداد النقدي المباشر للأموال، وقلة الإحالات القضائية، وعدم نشر أسماء الجهات والمسؤولين، تحد من الأثر الردعي للرقابة.
وانضم النائبان محمد الأمين ولد سيدي مولود ومحمد بوي الشيخ محمد فاضل إلى منتقدي التقرير، مركزين بصورة خاصة على محدودية نطاق التفتيش وغياب أسماء المؤسسات والمسؤولين عن الاختلالات.
وقال ولد سيدي مولود إن الحكومة «قتلت التقرير قبل أن يصدر» بحجب أسماء الضالعين والمؤسسات المعنية، معتبراً أن ذلك انتزع منه أهم عناصر الشفافية والمساءلة، كما لفت إلى المفارقة، من وجهة نظره، بين ضخامة الاختلالات المرصودة، التي قاربت 25 مليار أوقية قديمة، ومحدودية الأموال المستردة والإحالات القضائية، محذراً من أن عدم إعلان أسماء المسؤولين المعاقبين يترك الباب مفتوحاً أمام عودتهم إلى وظائف عمومية مستقبلاً.
أما النائب محمد بوي الشيخ محمد فاضل، فوصف التقرير بأنه «ضعيف ومنفصل عن الواقع»، معتبراً أن عمليات التفتيش غطت جزءاً محدوداً من المؤسسات والقطاعات والأموال العمومية.
وانتقد النائب بدوره عدم الكشف عن أسماء المسؤولين، وقلة الملفات المحالة إلى القضاء، فضلاً عن الفاصل الزمني بين وقوع بعض الاختلالات ونشر نتائج الرقابة.
وتلتقي انتقادات النائبين مع المواقف المعارضة الأخرى في ثلاث نقاط رئيسية: ضيق نطاق الرقابة مقارنة بحجم الإنفاق العام، وعدم كشف هوية الجهات والمسؤولين المرتبطين بالاختلالات، والفجوة بين الأموال محل المخالفات وبين ما استُرد منها أو وصل بشأنه ملف إلى القضاء. وهي انتقادات تقابلها رؤية حكومية تعتبر نشر التقرير والإجراءات التصحيحية والإقالات والإحالات القضائية دليلاً على تفعيل أجهزة الرقابة وتعزيز سياسة مكافحة الفساد.
وتأتي هذه المواقف امتداداً لحملة سياسية أوسع؛ فقد نظم «تواصل» العام الماضي احتجاجات ضد ما وصفه بتفاقم الفساد، فيما طالبت مؤسسة المعارضة الديمقراطية، عقب تقرير محكمة الحسابات، بتحقيقات قضائية واستعادة الأموال ومحاسبة المسؤولين.
وفي تموز/يوليو الماضي، أجاز مكتب البرلمان الموريتاني توصية تقدمت بها فرق معارضة لتشكيل لجنة تحقيق في ملفات تشمل وكالة «تآزر» الحكومية المتخصصة في دعم الأسر الفقيرة، والأمن الغذائي، والمحروقات، وعائدات الغاز، والمياه، والمعادن والأشغال العامة، في مؤشر على أن ملف الفساد تحول إلى أحد محاور الاشتباك السياسي بين الحكومة ومعارضيها.
الحكومة: حرب مؤسسية ومجتمعية
وفي المقابل، جعل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مكافحة الفساد محوراً متكرراً في خطابه السياسي؛ ففي خطاب الاستقلال في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، شدد على أن التنمية مرتبطة برشد الحكامة ومحاربة الفساد المالي والإداري والسياسي والاجتماعي، مؤكداً أن الحرب عليه ينبغي أن تكون «مجتمعية بقدر ما هي مؤسسية»، مع رفض الانتقائية وتصفية الحسابات تحت عنوان مكافحة الفساد. وعقب الضجة التي أحدثها تقرير محكمة الحسابات العام الماضي، أُقيل مسؤولون وشددت الحكومة على إحالة من تثبت مسؤوليته إلى القضاء.
وقدم الوزير الأول المختار ولد اجاي بدوره، أمام البرلمان مطلع 2026 مقاربة حكومية تقوم على تحديث قوانين مكافحة الفساد والتصريح بالممتلكات، وإنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد، ودعم أجهزة التفتيش، وإصلاح منظومة الصفقات العمومية والحد من التهرب الضريبي والتسيب الإداري. وقال حينها إن عمليات تفتيش 2025 كشفت اختلالات بنحو 900 مليون أوقية قديمة واسترجعت قرابة 700 مليون منها.
ومع ذلك، تظل الصورة الدولية ضاغطة؛ فقد حصلت موريتانيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 لمنظمة الشفافية الدولية على 30 نقطة من مائة، وجاءت في المرتبة 130 عالمياً.
وهكذا، يضيف تقرير المفتشية وثيقة جديدة إلى ملف لم يعد الخلاف فيه يدور حول وجود الاختلالات بقدر ما يدور حول حجمها الحقيقي وفعالية اكتشافها وسرعة استعادة الأموال ومحاسبة المسؤولين عنها.
وبين حكومة تقول إنها تبني منظومة رقابة وردع تدريجية، ومعارضة ترى أن أجهزة التفتيش ما تزال تصل إلى مساحة محدودة من الإنفاق العام، سيبقى الاختبار الحاسم خارج صفحات التقارير: كم من الأموال سيعود فعلياً إلى الخزينة، وكم من الملفات سينتهي إلى مساءلة قضائية واضحة، وهل ستتحول الشفافية المنشورة إلى آلية تمنع الاختلال قبل وقوعه؟



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *