شبح نقص المياه يخيم على الخرطوم… تراجع مؤقت في منسوب النيل


الخرطوم ـ «القدس العربي»: أكدت السلطات السودانية، الجمعة، أن الانخفاض الذي شهده منسوب نهر النيل، خلال الأيام الماضية يعد تراجعا مؤقتا، مرجعة ذلك إلى انخفاض تصريف المياه من سد النهضة الإثيوبي خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو/ تموز الجاري، في وقت طمأنت فيه المواطنين والمزارعين باستقرار الموقف المائي، وعدم وجود تهديد لإمدادات مياه الشرب أو الموسم الزراعي.
وجاءت هذه التطمينات بالتزامن مع استمرار تأثر بعض مرافق إمداد المياه في العاصمة الخرطوم، حيث أفاد إعلام ولاية الخرطوم بأن نهر النيل واصل الانحسار عن «مأخذ» محطة مياه في محلية بحري، رغم أعمال المعالجة التي نفذت قبل يومين لإزالة الطمي وتحسين وصول المياه إلى المحطة.
وقالت حكومة الخرطوم إن والي العاصمة أحمد عثمان حمزة اطلع على تقرير مفصل بشأن التحديات التي تواجه قطاع مياه الشرب نتيجة انخفاض المناسيب، والإجراءات الفنية التي اتخذتها الجهات المختصة لمعالجة الموقف، وعلى رأسها إزالة الترسبات والطمي
وأوضح مدير المعمل في محطة المياه أن أعمال المعالجة تسير بصورة جيدة، متوقعا استئناف ضخ المياه بعد اكتمال التدخلات الفنية اللازمة لإعادة وصول المياه بصورة مستقرة.
وفي السياق ذاته، أعلنت الإدارة العامة للخزانات في وزارة الزراعة والري، الجمعة، أن بحيرة خزان الروصيرص سجلت انخفاضًا مؤقتا في الوارد اليومي خلال الفترة بين 7 و9 يوليو/ تموز الجاري، حيث تراجع من نحو 207 ملايين متر مكعب إلى 129 مليون متر مكعب يوميا، وهو ما انعكس على كميات التصريف من خزاني الروصيرص وسنار، وأدى إلى انخفاض مؤقت في مناسيب النيل عند عدد من محطات القياس.
وأوضحت أن محطات الروصيرص وود العيس وود مدني والخرطوم والحلفايا وشندي سجلت تراجعا متفاوتا في المناسيب، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن المناطق الواقعة شمال الخرطوم لا تزال تسجل مناسيب أعلى مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأرجعت هذا التراجع إلى انخفاض تصريف سد النهضة الإثيوبي، موضحة أن النيل يشهد بطبيعته دورات من الارتفاع والانخفاض، إلا أن تشغيل سد النهضة أدى إلى تغييرات في النظام الهيدرولوجي للنيل الأزرق، الأمر الذي يتطلب إدارة تشغيلية أكثر دقة للخزانات السودانية.
وأكدت الوزارة أنها تعاملت مع هذه التطورات عبر التشغيل الفني للخزانات وإجراء معالجات تشغيلية هدفت إلى المحافظة على استقرار الإمدادات المائية، مشيرة إلى أن إيرادات النيلين الأبيض والأزرق لا تزال أعلى من متوسطاتها التاريخية.
وأضافت أن خزان جبل أولياء سجل مستويات تفوق متوسطات الأعوام السابقة، فيما ظل النيل الأزرق يسجل إيرادات أعلى من العام الماضي حتى منتصف يوليو/ تموز، وهو ما يعزز استقرار الوضع المائي بصورة عامة.
وأعلنت الوزارة تشكيل لجنة عليا دائمة برئاسة رئيس الجهاز الفني للموارد المائية، وبإشراف وزير الزراعة والري ووكيل الوزارة، لمتابعة تطورات الموقف المائي على مدار الساعة، واتخاذ القرارات التشغيلية اللازمة لضمان استقرار الإمدادات.
وأكدت أن تشغيل الخزانات يتم وفق أسس علمية وفنية تراعي سلامة المنشآت المائية، وتؤمن احتياجات مياه الشرب والري، بما يدعم استقرار الموسم الزراعي ويحد من آثار التذبذب في الوارد المائي.

السلطات ربطته بانخفاض تصريف سدّ النهضة الإثيوبي

ويعد سد النهضة الإثيوبي، الذي أقيم على النيل الأزرق بالقرب من الحدود السودانية الإثيوبية، أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا من حيث القدرة التصميمية لإنتاج الكهرباء. وبدأت إثيوبيا تشييده عام 2011، قبل أن تبدأ عمليات الملء على مراحل منذ عام 2020، وسط خلافات ممتدة مع السودان ومصر بشأن قواعد الملء الأول والتشغيل طويل الأمد.
ويكتسب النيل الأزرق أهمية خاصة بالنسبة للسودان، إذ يمد البلاد بمعظم إيراداتها المائية خلال موسم الأمطار، كما تعتمد عليه عدة منشآت مائية رئيسية، من بينها خزانات الروصيرص وسنار ومروي، إلى جانب مشروعات زراعية واسعة في وسط البلاد.
وخلال سنوات التفاوض، ركز السودان على المطالبة باتفاق قانوني ملزم ينظم تبادل المعلومات والبيانات الخاصة بتشغيل السد، بما يسمح بإدارة الخزانات السودانية بكفاءة وتقليل المخاطر الناجمة عن أي تغييرات مفاجئة في التصريفات المائية.
وكانت وزارة الري والموارد المائية، قد حذرت في أكثر من مناسبة، خاصة خلال الأعوام 2020 و2021، من أن غياب تبادل البيانات بصورة يومية ومنتظمة قد يؤدي إلى اضطرابات في تشغيل محطات مياه الشرب والخزانات ومحطات التوليد الكهرومائي، فضلا عن التأثير على برامج الري في بعض المناطق.
كما أكدت الوزارة في تصريحات سابقة أن السودان لا يعارض مبدأ إنشاء سد النهضة أو الاستفادة من الطاقة الكهربائية التي يمكن أن ينتجها، لكنه يتمسك بضرورة وجود آلية ملزمة لتبادل المعلومات والتنسيق التشغيلي، معتبرا أن ذلك يمثل عنصرا أساسيا لضمان سلامة السدود السودانية الواقعة على مجرى النيل الأزرق، وفي مقدمتها خزان الروصيرص.
وفي مناسبات عدة، أوضحت وزارة الري السودانية أن تشغيل سد النهضة يمكن أن يحقق فوائد للسودان، من بينها الحد من الفيضانات المدمرة، وتقليل تراكم الطمي في بعض الخزانات، وتحسين تنظيم تدفقات المياه، إلا أنها شددت في الوقت ذاته على أن هذه الفوائد تظل مرتبطة بوجود تنسيق وتشغيل مشترك وتبادل مستمر للبيانات بين الدول المعنية.
ومنذ تعثر جولات التفاوض الثلاثية بين السودان ومصر وإثيوبيا، ظلت قضية تبادل المعلومات الفنية الخاصة بتشغيل السد واحدة من أبرز نقاط الخلاف، خصوصًا خلال فترات الملء السنوي مع بداية موسم الأمطار، حيث تنعكس أي تغييرات في التصريفات على مناسيب المياه داخل السودان خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا.
ويرى مختصون في الموارد المائية أن إنشاء سد النهضة غيّر بالفعل النمط التقليدي لتدفقات النيل الأزرق، بحيث أصبحت مناسيب المياه ترتبط بصورة أكبر بقرارات التشغيل وإدارة السد، إلى جانب العوامل الطبيعية المرتبطة بالأمطار الموسمية، وهو ما يفرض على السودان تطوير منظومة الرصد والتنبؤ والتشغيل لخزاناته بصورة مستمرة.
وفي ظل التطورات الأخيرة، أكدت السلطات السودانية أن الانخفاض الحالي في مناسيب النيل يمثل حالة تشغيلية مؤقتة جرى التعامل معها عبر إدارة الخزانات، مع استمرار مراقبة الواردات المائية والتنسيق الفني بين الجهات المختصة، بما يضمن استقرار إمدادات مياه الشرب والري خلال الفترة المقبلة، ويحد من أي تأثيرات محتملة على المواطنين أو النشاط الزراعي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *