عاموس هرئيل
لقد غير ترامب مساره في 1 آب. في نهاية ذلك الأسبوع، ألغى الاستعداد لشن ضربة جوية واسعة النطاق ضد إيران في اللحظة الأخيرة. في إسرائيل كان سلاح الجو وقيادة الجبهة الداخلية في حالة تأهب قصوى، على فرض أن الأمريكيين – بناء على ما قالوه لنظرائهم الإسرائيليين – من المرجح جداً أن يشنوا هجوماً آخر، بعد أشهر كثيرة من التهديدات والتردد. ولكن بمجرد تراجع ترامب، فإنه لم يلتفت إلى الوراء. حسب تصريحات الرئيس العلنية منذ ذلك الحين، يبدو أن الخيار الوحيد المتاح الآن هو الحرب الاقتصادية ضد إيران، أي فرض العقوبات بدلاً من إلقاء القنابل.
وينعكس هذا التغيير في السياسة الأمريكية أيضاً في خفض مستوى جاهزية القوات المنتشرة في الشرق الأوسط، إلى جانب تراجع حجمها. وقد تم إخلاء حوالي 12 قاعدة عسكرية في المنطقة، تعرضت لهجمات بالصواريخ والمسيرات من قبل الإيرانيين والمليشيات التابعة لهم، وذلك في ظل الدمار الكبير الذي خلفته هذه الهجمات. وانتقد الأمريكيون بشدة سلسلة الهجمات الإيرانية على السفن التي تعبر الخليج، والتي حدث آخرها في هذا الأسبوع. وفي الوقت نفسه، يتجاهلون الهجمات المتفرقة على القواعد والموانئ السعودية في مضيق باب المندب.
في منتصف نيسان وبداية آب، فقد ترامب صوابه عدة مرات، وفي مناسبات كثيرة استأنف الحرب، وإن كان ذلك لفترة قصيرة نسبية وبنطاق محدود. كان لتقلباته الغريبة بين حين وآخر ميزة كامنة: فقد واجهت إيران صعوبة في فهم نواياه، وكانت تخشى القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المشتركة التي قد تستخدم ضدها من جديد. ولكن هذا لم يعد قائماً: الخطر العسكري المباشر يبدو الآن قد زال بالنسبة للإيرانيين، إذ يتخيل الجناح الفاشي المتطرف للنظام في طهران النصر الكامل. وهناك من يدعو إلى كسر الحصار الاقتصادي الأمريكي بالقوة وبكل الوسائل.
ويعتبر تركيز ترامب على الجهود الاقتصادية جزءاً من محاولة لتغيير الأجندة السياسية في الولايات المتحدة، قبل الانتخابات النصفية للكونغرس في بداية تشرين الثاني. وتشير الاستطلاعات إلى ازدياد عدم الثقة بسياسته، وتتوقع فشل الجمهوريين. ويبدو أن الرئيس يراهن على أن التدخل الأمريكي واسع النطاق سيتراجع هناك من صدارة الأولويات في ظل غياب صور النيران والدخان في الخليج. في غضون ذلك، يتفاخر البيت الأبيض بنجاحه في اختراق الحصار الإيراني المفروض على حركة ناقلات النفط والسفن من الخليج في مضيق هرمز. وتعتبر هذه خطوة حاسمة في مساعي الإدارة الأمريكية لمنع ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد في الأشهر القادمة.
في الأيام الأخيرة، تباينت التقديرات حول كمية النفط التي يتمكن الأمريكيون من إخراجها بأمان من دول الخليج عبر مضيق هرمز، متجاوزين بذلك الحصار الإيراني
في الأيام الأخيرة، تباينت التقديرات حول كمية النفط التي يتمكن الأمريكيون من إخراجها بأمان من دول الخليج عبر مضيق هرمز، متجاوزين بذلك الحصار الإيراني. وقد صرح مسؤولون في الحكومة بأن الكمية تتجاوز 15 مليون برميل يومياً، بينما تقدر إسرائيل أن العدد الحقيقي أقرب إلى 10 ملايين برميل. وتتحرك الناقلات عبر الممر الأوسط في الخليج بمساعدة أمريكية، متجاهلة التفاهمات بين إيران وسلطنة عمان، التي تنص على الدخول عبر الممر الشرقي قرب الساحل الإيراني، والخروج عبر الممر الغربي قرب سواحل الإمارات. ويبدو أن هذه الجهود مدعومة بحرب إلكترونية تعتمد على تعطيل أجهزة الملاحة بشكل متعمد، وتشغيل ما يشبه “أسطول خفي”. وقد حققت الولايات المتحدة إنجازاً هاماً في هذا الصدد، والسؤال: هل يستمر هذا الوضع؟
لقد وعد ترامب وفريقه في هذا الأسبوع بتحقيق نصر اقتصادي ساحق على إيران، على شاكلة إنزال الحلفاء على سواحل فرنسا في حزيران 1944، الذي أدى إلى إنهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا. عملياً، هذه نسخة محدثة من سياسة الضغط القصوى التي طبقها ترامب على إيران في ولايته الأولى، بعد انسحابه من الاتفاق النووي في 2018. فإلى جانب فرض قيود على صادرات النفط الإيرانية، ينوي الضغط على شركاء إيران التجاريين وعلى المؤسسات المالية الدولية التي تسهل تحويل الأموال إليها. لم تنفذ معظم هذه الإجراءات حتى الآن. مع ذلك، يعاني الاقتصاد الإيراني من ركود حاد: لقد فقد الريال نصف قيمته تقريباً مقابل الدولار منذ بداية السنة، وتبلغ نسبة البطالة الرسمية حوالي 9 في المئة (مع أن نسبة البطالة الحقيقية أعلى بكثير على الأرجح)، وتضررت أيضاً المصانع والمصافي بشكل كبير بسبب الحرب.
ترامب، الذي ينظر إلى العالم بمنظار اقتصادي، يأمل الآن أن يؤدي استمرار الضغط إلى تحطيم المقاومة الإيرانية، وربما التقليل من شأن قدرة النظام على تحمل الخسائر. وتعلق الإدارة الأمريكية الآمال على المجموعة الأكثر براغماتية في النظام، التي تسعى بجهد إلى إنهاء الحرب بسرعة في ضوء الخسائر الفادحة: الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي. في هذا الأسبوع، نشرت وسائل الإعلام الغربية أيضاً تكهنات حول وفاة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي. وقال ترامب إنه أصيب إصابة بالغة نتيجة محاولة الاغتيال الإسرائيلية التي أودت بحياة والده علي خامنئي في نهاية شباط. إسرائيل على قناعة بأن خامنئي الابن على قيد الحياة ونشط. مع ذلك، تواصله مع العالم الخارجي غير مباشر ومحدود جداً. ولم يظهر ولم يسمع علناً منذ تعيينه. ويبدو أن عدم التواصل يصعب على من يفترض أنهم في الدائرة البراغماتية، التأثير عليه للتوصل إلى قرار بشأن حل وسط مع الأمريكيين وإنهاء الحرب. ولكن المثير للاهتمام أن ترامب لا يكاد يتحدث عن طبيعة الاتفاق الذي يسعى إليه. وبالطبع، ما زال الإيرانيون يملكون نفس الكمية الكبيرة من اليورانيوم المخصب، 440 كغم بمستوى تخصيب 60 في المئة، تكفي لإنتاج 11 قنبلة نووية في المستقبل. وحسب ما هو معروف، فإن هذه المشكلة، المشكلة الأولى بالنسبة لإسرائيل، لم تُحل حتى الآن.
السيناريوهات الأخرى
حظيت الجهود العنيفة المستمرة التي يبذلها المستوطنون لتخويف الفلسطينيين في الضفة الغربية وطردهم من أراضيهم، حظيت باهتمام غير مسبوق في هذا الأسبوع بعد نشر فيلم فيديو يظهر عضو الكنيست تسفي سوكوت (الصهيونية الدينية) وهو يحطم نصباً تذكارياً في قرية مادما بمطرقة ثقيلة. وقد اهتزت أوساط الإعلام والأوساط السياسية، وانتقد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عضو الكنيست بسبب تلاعبه بالقادة الميدانيين، حتى إن مكتب رئيس الحكومة نتنياهو أصدر بياناً غير ملزم يدين فيه هذه الأحداث.
لكن سوكوت، الذي يعيش حزبه حالة من الذعر إزاء إطلاق حزب عوفر فنتر المنافس والاستطلاعات غير المواتية، ليس هو القضية الحقيقية هنا. رئيس لجنة التعليم في الكنيست، أي سوكوت، في أمس الحاجة للتغطية الإعلامية، وقد حصل على ما أراد من خلال الاستفزاز الصبياني في القرية، الذي زج فيه بقوات أمنية تابعة للجيش الإسرائيلي. الأهم هو الانتباه إلى ما يفعله رئيس حزبه، الوزير سموتريتش، الذي رفض إدانة هذا العمل. عادة ما يتجنب سموتريتش الخوض في تفاصيل العنف نفسه، رغم أنه دعا بالفعل إلى هدم قرية حوارة في آذار 2023. ولكن في ظل انتشار أفلام الفيديو التي توثق الهجمات العنيفة للإرهابيين اليهود في الضفة الغربية في الأسابيع الأخيرة، يظهر استخدام سيارات الدفع الرباعي من نوع “رينجر” بشكل لافت للنظر. هذه هي الأدوات التي يتفاخر الوزير بتوزيعها على المزارع والبؤر الاستيطانية الجديدة التي أقيمت في الضفة الغربية. ما يفترض أن يساهم في توفير الأمن، يستخدم أيضاً كوسيلة نقل رئيسية للمشاغبين.
يحرص الجيش الإسرائيلي على التنصل من العنف، ولوم الأجهزة الأمنية الأخرى – الشرطة والشاباك والإدارة المدنية – التي لا تساعده في مكافحة الإرهاب اليهودي
يحرص الجيش الإسرائيلي على التنصل من العنف، ولوم الأجهزة الأمنية الأخرى – الشرطة والشاباك والإدارة المدنية – التي لا تساعده في مكافحة الإرهاب اليهودي، في حين أن مكافحة الإرهاب الفلسطيني في الضفة الغربية خفضت عدد العمليات الهجومية إلى مستوى منخفض جداً مقارنة مع معظم فترات الحرب. ولكن وصف الوضع بالعجز التام يعد تبخيساً للواقع. هذا هو الواقع في الأراضي المحتلة. أي شخص يتجول في الضفة الغربية، خاصة في مناطق الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين في المناطق الريفية، من غور الأردن و”السامرة” [شمال الضفة الغربية] وجنوب جبل الخليل، يرى أن هذا جهد مشترك إلى درجة كبيرة.
لا يعتمد المستوطنون العنيفون على مساعدة الجناح السياسي في الحكومة فقط، بل يعتمدون أيضاً على التعاون من داخل الألوية القطرية ومنظومة الدفاع القطرية (هغمار) وكتائب الاحتياط. على رئيس الأركان إيال زامير اتخاذ موقف واضح أكثر بشأن هذه المسألة، سواء في تصريحاته العلنية أو بتحركات داخل الجيش. يواجه زامير وضعاً صعباً جداً، بسبب رغبة بعض الشخصيات السياسية في إشعال المنطقة وبسبب الهجمات الشخصية المنهجية التي يتعرض لها في القناة 14 التابعة للنظام. مع ذلك، لا يكفي تحذير القيادة السياسية من الأخطار التي تواجهها في نقاشات مغلقة، فهي تعرفها جيداً، بل هي في أحيان كثيرة جزء من خطة خبيثة.
على حدود قطاع غزة، أظهر سكان الغلاف قلقاً من هبوط الكثير من الطائرات الورقية التي أطلقت من القطاع. وقد تحدثت القنوات التلفزيونية بالفعل عن “عودة إرهاب الطائرات الورقية”. هذا القلق معروف، ولكن الأخطار الحقيقية تكمن في سيناريوهات أخرى، أبرزها احتمالية إدخال حماس قدرة استخدام طائرات هجومية مفخخة إلى القطاع، مثلما يفعل حزب الله بفعالية كبيرة على الجبهة اللبنانية، معتمداً على مسيرات تعمل بالألياف الضوئية.
يعرف زامير الذي قام بجولة في قطاع غزة وفي الغلاف هذا الأسبوع، أن الجيش الإسرائيلي يعاني من مشكلة في التواصل مع السكان والقيادات المحلية، وأن عليه إعادة بناء الثقة هناك بتحركات الجيش. وتكتسب هذه المسألة أهمية كبيرة عشية بدء السنة الدراسية، حيث سيعود أكثر من 90 في المئة من العائلات في هذه البلدات إلى بيوتهم، بعد مرور ثلاث سنوات تقريبا على مذبحة 7 أكتوبر.
في قطاع غزة، مثلما هي الحال في لبنان وسوريا، تسعى حكومة نتنياهو إلى الحد الأدنى من الانسحاب حتى موعد إجراء الانتخابات للكنيست التي ستجرى بعد أقل من شهر. لم يشكل خطاب المدير العام لمجلس السلام في غزة، الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف الثلاثاء في مجلس الأمن، مصدر قلق يذكر لنتنياهو. ولم يخرج ملادينوف الذي عين في هذا المنصب من قبل ترامب وفريقه، الذي يظهر تفهمه لاعتبارات إسرائيل، عن نهجه المعتاد في هذه المرة أيضاً. وأكد في خطابه أن الخطة المكونة من 15 نقطة، التي وضعها مؤخراً (والتي وافقت عليها حماس)، تنص على نزع السلاح (من كل الأنواع) من القطاع وتسليمه للحكومة الفلسطينية القادمة. وأضاف: “لا يمكن إصلاح غزة في أسبوعين”. وقال إن الانسحاب الإسرائيلي من القطاع مشروط باستكمال عملية نزع السلاح، وأنه سينفذ بالتدريج.
وعد ملادينوف أيضاً بإجراء فحص أمني دقيق لضباط الشرطة المنضمين لقوة الأمن المحلية المنوي إنشاؤها في قطاع غزة قبل السماح لهم بحمل السلاح. ولكن يجب الانتباه إلى تصريحاته الأخرى؛ فقد اشتكى من استمرار الهجمات الإسرائيلية في قطاع غزة، بعد قبول “خريطة الطريق” التي وضعها، واشتكى أيضاً من قتل مدنيين فلسطينيين في القصف. وخلاصة كلامه واضحة: إسرائيل لا تسعى بالفعل إلى واقع ما بعد حماس في غزة. في سلوكها الحالي، تعود إسرائيل في الأساس إلى وضع تسيطر فيه حماس، لكنها كما يبدو خائفة وضعيفة. بكلمات أخرى، تتصرف الحكومة وكأن أحداث 7 أكتوبر لم تحدث قط، ويبرز هذا السلوك الإسرائيلي الذي يتمسك بالأمور الصغيرة، في القرار الذي صدر مؤخراً حول إبعاد ممثلين من دول أوروبية – بولندا وربما بريطانيا وألمانيا وإيطاليا – عن مقر قيادة التنسيق لقطاع غزة الموجود في “كريات غات”، الذي فتح في تشرين الأول الماضي ضمن خطة ترامب. تأتي هذه التحركات رداً على الانتقادات التي وجهتها هذه الدول لسياسة نتنياهو في الأراضي المحتلة، ولفتح مناقصة بناء في منطقة “إي1” قرب “معاليه أدوميم”، وبسبب ازدياد الأعمال الإرهابية التي يشنها اليهود في الضفة الغربية.
تلك الصدمة
على جميع الجبهات ورغم الإدانات المتكررة من إدارة ترامب أو من مصادر مجهولة مقربة من الرئيس – على خلفية الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية وقتل المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة – لم تصل الأمور إلى أزمة مباشرة بين ترامب ونتنياهو. حتى الآن، لم تقف الولايات المتحدة مع جهاز توقيف وتطلب من إسرائيل الانسحاب قبل الانتخابات. الخلاصة: رغم اللقاء المتوتر بين نتنياهو ومبعوثي الرئيس الأمريكي في الأسبوع الماضي، فإن نفوذه على ترامب ما زال قائماً. وقد أعرب الرئيس الأمريكي نفسه عن استيائه في مناسبات كثيرة عن التورط الطويل في الحرب مع إيران (التي يحمل بعض المقربين منه إسرائيل المسؤولية عنها)، ولكنه لم يهاجم نتنياهو بشكل علني في القضية الإيرانية أو بسبب قصف القاعدة الجوية في شمال سوريا.
في بداية الأسبوع الماضي، شن سلاح الجو هجوم على القاعدة، وأوضح بعد ذلك بأن تركيا كانت بصدد نشر أنظمة دفاع جوية وطائرات مسيرة ومستشارين عسكريين هناك، بالتنسيق مع حكومة الشرع. وقد انتقد توم باراك، مبعوث ترامب في سوريا والسفير الأمريكي في تركيا، الهجوم وألمح إلى ارتباطه باعتبارات نتنياهو الانتخابية. ولم يقم الرئيس نفسه بأي تعقيب علناً. وبعد أن انتقدت وسائل الإعلام الإسرائيلية الهجوم أيضاً، سارع وزير الدفاع إسرائيل كاتس إلى الإعلان عن تنفيذه بناء على توصية من الجيش الإسرائيلي.
ويعزى التحذير العسكري والتوصية بالتحرك على الأرجح جزئياً إلى صدمة أحداث 7 أكتوبر. ويخشى الجيش من أن يجد نفسه مرة أخرى في موقف لم يكن فيه على معرفة كافية بالأخطار الأمنية الناشئة، ولم يتخذ إجراءات لمنعها. ولكن يبدو أن هيئة الأركان العامة عليها أن تأخذ في الحسبان الواقع الاستراتيجي الشامل. أولاً، الاحتكاك العسكري مع تركيا يعني تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة، ومع قوة عسكرية هي عضوة في الناتو، عشية الانتخابات في إسرائيل. ثانياً، من الأفضل للجيش الإسرائيلي ألا يسقط في فخ المقارنات على شاكلة “تركيا هي إيران الجديدة”، فنحن نتحدث عن دولتين معاديتين لإسرائيل، لكنهما مختلفتان كلياً.
هآرتس 28/8/2026