طرق في مصر “ساحات إعدام” لعمال الزراعة… واتهامات للدولة بالاكتفاء “بجمع الجثث”


القاهرة – “القدس العربي”: على مدار السنوات الماضية، شهدت مصر حوادث متكررة لنقل العمال والأطفال في القطاع الزراعي، أوقعت المئات من القتلى والمصابين، وكشفت عن ممارسات متكررة كـتكديس العمال في مركبات غير مخصصة لنقل الأشخاص، وغياب شروط السلامة، إلى جانب إجراءات تتوزع فيها المسؤوليات بين أصحاب الأعمال والمقاولين والوسطاء والسائق، وصلاحية الطرق التي تسير عليها المركبات، بينما يظل العامل في النهاية هو الطرف الذي يدفع الثمن.

وتصبح القضية أكثر خطورة حين يكون بين الضحايا أطفال وقُصّر، فالطفل الذي يموت أو يصاب أثناء نقله إلى العمل لم يصل إلى هذه المركبة مصادفة، وإنما نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية هشة تدفع بعض الأسر إلى تشغيل أطفالها، رغم علمها بالمخاطر التي يتعرضون لها، فحين يصبح عمل الطفل ضرورة للمعيشة، يصبح الطريق إلى العمل جزءًا من الخطر نفسه، حسبما يقول حقوقيون.

حادث جديد

صبيحة الخميس الماضي كانت مصر على موعد مع حادث جديد، شهده طريق “كفر داود – السادات” في محافظة المنوفية في دلتا مصر، عندما انقلبت مركبة متهالكة تقل عشرات العمال اليوميين المتوجهين إلى أعمالهم في مدينة السادات، ما أدى إلى مصرع عاملين، وإصابة نحو 19 آخرين تراوحت أعمارهم بين الخامسة عشرة والخامسة والستين، حيث تنوعت إصاباتهم بين كسور مضاعفة، وجروح قطعية، وارتجاجات ونزيف حاد.

ووفق حقوقيين، هؤلاء العمال هم جزء من نظام يومي من التنقل القسري عبر وسائل نقل تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة، ليتم شحنهم كبضائع رخيصة تقطع مسافات طويلة في ساعات الفجر الأولى

وفق حقوقيين، هؤلاء العمال هم جزء من نظام يومي من التنقل القسري عبر وسائل نقل تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة، ليتم شحنهم كبضائع رخيصة تقطع مسافات طويلة في ساعات الفجر الأولى

وطريق “كفر داود – السادات” هو مجرد شريط أسفلتي ضيق يعمل باتجاه واحد، ويفتقر للإنارة وأدنى مقومات السلامة. رغم كونه شرياناً يعبره آلاف العمال، تجاهلت الدولة طوال السنوات الماضية، حسب مراقبين، كل النداءات لتوسعته، أو حتى تزويده بحواجز أمان، ليُترك على حاله كممر متكرر المآسي.

 ففي 2 أغسطس/ آب الماضي، انقلبت مركبة أخرى على ذات الطريق ما أسفر عن إصابة 10 عمال، وقبلها، في 2 أبريل/ نيسان 2026، شهد الطريق تصادماً مروعاً لسيارة ربع نقل تحمل عمالاً زراعيين أسفر عن وفاة 9 عمال وإصابة 3 آخرين، و31 مايو/ أيار 2026 حين حصد الطريق ذاته روح عامل وأصاب 25 آخرين.

حادث طريق “كفر دواد”، جاء بعد مقتل ما لا يقل عن 18 شخصاً، تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عاماً، في حادث تصادم شاحنتين صغيرتين كانتا تقلان عمالاً زراعيين في منطقة الدواويس في محافظة الإسماعيلية شمال غرب مصر.

طرق العمال

حركة “الاشتراكيين الثوريين” قالت إن أمام هذا النزيف اليومي تقتصر استجابة الدولة على تنظيف مسرح الجريمة، كل ما تفعله هو الدفع بسيارات الإسعاف لجمع الأشلاء، ومسح الجثث والدماء من على الأسفلت لفتح الطريق سريعاً أمام عجلة الإنتاج وقوافل المستثمرين.

وتابعت في بيان: “الدولة التي تُنفق المليارات لتمهيد المحاور المرورية الفاخرة للسيارات الملاكي، تترك طرق العمال كساحات إعدام مفتوحة. وفي محاضر الشرطة، يُكتب السيناريو المعتاد: يُلقى اللوم على السائق المقهور أو يُتهم القدر، بينما يتم تجهيل اسم صاحب العمل الذي كدّس العمال في سيارة ربع نقل، أو الذي صعد بطفل إلى سقالة بلا حزام أمان. يُحمى رأس المال بلا هوادة، وتُقيد دماء العمال ضد مجهول، لضمان استمرار تدفق العمالة الرخيصة”.

دار الخدمات النقابية والعمالية أطلقت حملة “لقمة عيش تمنها حياة” لتضع نقل العمال في القلب من قضية السلامة والصحة المهنية، ولتنقل النقاش من سؤال: من أخطأ بعد وقوع الحادث؟ إلى السؤال الأهم: من كان مسؤولًا عن منع الخطر قبل وقوعه؟

مبادرة

“لقمة عيش تمنها حياة”، بحسب بيان إطلاقها، ليست حملة لرصد أعداد الضحايا فقط، ولا حملة تضامن مؤقتة مع ضحايا حادث جديد، إنها محاولة لتحويل الحوادث المتفرقة إلى مطالب محددة قابلة للتنفيذ تتعلق بحق العمال في الحياة والسلامة والحماية، وفتح نقاش جاد حول الأسباب التي تسمح بتكرارها والمسؤوليات التي يجب أن تُحدد لكل مسؤول لمنع تكرارها.

“لقمة عيش تمنها حياة”، بحسب بيان إطلاقها، ليست حملة لرصد أعداد الضحايا فقط، ولا حملة تضامن مؤقتة مع ضحايا حادث جديد، إنها محاولة لتحويل الحوادث المتفرقة إلى مطالب محددة قابلة للتنفيذ

لن تكتفي الحملة بالسؤال عن عدد الضحايا، بل ستطرح الأسئلة التي تكشف جذور المسؤولية: من المسؤول عن تنظيم نقل العمال؟ وهل المركبات المستخدمة مرخصة ومصرح لها بنقل الأشخاص، وهل تستوفي شروط السلامة والطاقة الاستيعابية المقررة؟ ومن اختار وسيلة النقل، ومن تعاقد مع السائق أو المقاول؟ ومن المسؤول عن الرقابة والتفتيش على هذه المنظومة؟ وماذا جرى بعد الحوادث السابقة، وما القرارات والإجراءات القانونية والتنفيذية التي اتُخذت بشأنها، وهل جرى تنفيذها بالفعل؟ والأهم: لماذا تتكرر الحوادث في الطرق والمناطق نفسها، رغم أن الخطر أصبح معروفًا والوقائع السابقة موثقة؟ وهل تم محاسبة صاحب العمل في الحوادث السابقة باعتباره المسؤول الأول؟ ولماذا يتم “تجهيل” اسم صاحب العمل في كثير من الحوادث؟

وتسعى الحملة إلى بناء مساحة واسعة للتعاون بين العمال والنقابات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والصحافيين والمهنيين والبرلمانيين وكل من يؤمن بأن حياة الإنسان لا ينبغي أن تكون ثمنًا للإهمال.

وتتمثل مطالب الحملة في إنفاذ قانون العمل بحزم لحماية الأطفال من الأعمال الخطرة، عبر تشديد تفتيش وزارة العمل على مواقع العمل وكشف الجهات المسؤولة عن تشغيلهم أو نقلهم، ومحاسبة جميع أطراف سلسلة التشغيل دون استثناء.

وتحمّل وزارة العمل مسؤوليتها القانونية كاملة في إنفاذ أحكام قانون العمل وتشديد الرقابة والتفتيش على مواقع العمل، مع ضمان عدم اكتشاف تشغيل الأطفال أو ظروف العمل الخطرة بعد وقوع الكارثة فقط، وإلزام الوزارة بكشف مدى خضوع مواقع العمل والجهات المستخدمة للعمال للتفتيش، والمخالفات التي سبق رصدها والإجراءات التي اتُخذت حيالها، خاصة في حالات الحوادث الجسيمة.

كما تطالب بتشديد مسؤولية إدارات المرور في الرقابة على وسائل نقل العمال، والتأكد من ترخيص المركبات وصلاحيتها الفنية وتوافر اشتراطات السلامة، وحظر استخدام مركبات نقل البضائع، خاصة سيارات “الربع نقل” و”النصف نقل”، في نقل العمال أو تجاوز طاقتها الاستيعابية، مع التحقق من استيفاء السائقين للتراخيص والشروط اللازمة، واتخاذ إجراءات رادعة بحق أي مركبة يثبت استخدامها بالمخالفة.

طالبت الحملة وزارة النقل والجهات المختصة بالطرق والمحافظين والأجهزة المحلية بمراجعة عاجلة للطرق والمناطق التي تتكرر بها حوادث نقل العمال

وطالبت الحملة وزارة النقل والجهات المختصة بالطرق والمحافظين والأجهزة المحلية بمراجعة عاجلة للطرق والمناطق التي تتكرر بها حوادث نقل العمال، وتحديد نقاط الخطر وأسبابها، واتخاذ إجراءات تصحيحية تشمل الصيانة والتأمين والإضاءة ووضع العلامات والإرشادات وضبط السرعات وتأمين مداخل ومخارج مواقع العمل، مع اعتبار تكرار الحوادث مؤشرًا يستوجب تدخلًا وقائيًا فوريًا، كما تطالب بأن تكشف التحقيقات في كل حادث سلسلة المسؤولية كاملة، وألا تختزلها في السائق وحده، بل تحدد مسؤولية جهة العمل ومنظمي النقل وصاحب المركبة والمقاول أو الوسيط، ومدى صلاحية المركبة وترخيصها وعدد الركاب وظروف تشغيل السائق، ومدى علم المسؤولين بوسيلة النقل المستخدمة.

كما طالبت بأن تكشف التحقيقات في حوادث نقل العمال سلسلة المسؤولية كاملة، وألا تختزلها في الخطأ المباشر للسائق، مع تحديد مسؤولية جهة العمل ومنظمي النقل وصاحب المركبة والمقاول أو الوسيط إن وجد، والتحقق من صلاحية المركبة وترخيصها وعدد الركاب وظروف تشغيل السائق، ومدى علم صاحب العمل أو الجهة المنظمة بوسيلة النقل المستخدمة.

ودعت الحملة إلى مراجعة حوادث نقل العمال السابقة، خاصة المتكررة منها في الطرق والمناطق ذاتها، والكشف عن نتائج التحقيقات والتوصيات والقرارات الصادرة بشأنها، وما نُفذ منها والجهات المسؤولة عن متابعة التنفيذ، بحيث تتحول الوقائع السابقة إلى إجراءات وقائية فعلية لا إلى ملفات تُغلق بعد كل حادث؛ فالقانون قائم، والجهات المسؤولة موجودة، ومصادر الخطر باتت معروفة، وما ينقص هو أن يضطلع كل طرف بمسؤوليته قبل وقوع الكارثة، حتى يصبح مشوار العمل طريقًا إلى الحياة لا طريقًا إلى الموت.

رحلة معاناة

إلى ذلك، عقدت مبادرة المرأة الريفية مائدة حوار مستديرة تحت عنوان “نحو سياسات لحماية العاملات الزراعيات.. حق نقل آمن”.

استعرضت لمياء لطفي، مؤسسة المبادرة، في بداية الجلسة، حجم العاملين في الزراعة باعتبارهم 20% من العمال في مصر، يشملون العمال في القطاع الحيواني والثروة السمكية، ما يعني غياب أي بيانات عن العاملين في الزراعة خاصة الموسمية منها التي يحتل النساء والأطفال جزءًا كبيرًا منها.

ولفت إلى قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 الذي تضمن إنشاء صندوق إعانات الطوارئ والخدمات الاجتماعية والصحية للعمالة غير المنتظمة، غير أنها استنكرت عدم وضع آليات لتنفيذ القانون، ما يسمح باستمرار تدهور أوضاع العمالة غير المنتظمة، معللة ذلك بصدور القرار منذ مايو/ أيار 2025، ومع ذلك استمرت حوادث العاملات في الزراعة، وغابت البيانات حول أعداد الضحايا في تلك الحوادث مع الاقتصار على وضعهم تحت مظلة حوادث الطرق، مشيرة إلى تجاهل حكومي لذلك النوع من الحوادث.

أوضاع العاملات في الزراعة لا يقتصر على احتمالية التعرض للموت وإنما هي رحلة معاناة تبدأ من احتمالية التعرض للتسمم من المواد الكيماوية التي تستخدم في الزراعات لمحاربة الآفات، مرورًا بإصابات المفاصل بسبب المجهود البدني بشكل خاطئ، وصولًا إلى إمكانية التعرض لبتر أحد الأطراف بسبب الإصابات العنيفة الواردة أثناء العمل

وتحدثت لمياء عن أن سوء أوضاع العاملات في الزراعة لا يقتصر على احتمالية التعرض للموت بدون مسؤول واضح بسبب غياب بياناتهن عن وزارة العمل أو حتى هيئة التأمينات الاجتماعية، وإنما هي رحلة معاناة تبدأ من احتمالية التعرض للتسمم من المواد الكيماوية التي تستخدم في الزراعات لمحاربة الآفات، مرورًا بإصابات المفاصل بسبب المجهود البدني بشكل خاطئ، وصولًا إلى إمكانية التعرض لبتر أحد الأطراف بسبب الإصابات العنيفة الواردة أثناء العمل.

وواصلت لمياء حديثها عن غياب الدولة، معتبرة أنها لا تكترث لأمر العاملين في الزراعة عمومًا وما ينتظرهم من خطر لدغات الحشرات السامة، لافتة إلى غياب المصل اللازم في الوحدات الصحية التي تقع في القرى، واقتصاره على المستشفيات التي تقع في المراكز، وهو ما يستوجب وقتًا أطول لوصول المصاب ويخفض احتمالية إنقاذه.

وقالت نجلاء مرشد، مديرة مؤسسة “ميدان لحقوق الإنسان”، إن تخفيض عدد المهندسين الزراعيين، بعدما كانت كل جمعية زراعية تحتوي على 20 مهندسًا أصبحت كل جمعيتين يشرف عليهما مهندس واحد، يمثل جزءًا من الأزمة.

ولم يكن القطاع الخاص بعيدًا عن هذا النقد، إذ تضع آية عبد الحميد، الباحثة في حقوق الإنسان، يدها على أزمته: شركات الظهير الصحراوي تخلي مسؤوليتها عن نقل العمال وتقول إنها تترك للعمال الحرية في طريقة الوصول للعمل، والسياسة الواضحة للقطاع الخاص الانسحاب من ساحات المسؤولية ما يجعل الدولة المسؤول الأساسي عن تنظيم تلك العلاقات.

وختمت: “إذا افتقدت الدولة للإرادة، ستبقى الأزمة وتزيد أعداد الوفيات”.

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *