ينكمش السرد على أحزان لا تنفك تتهافت على محور الدائرة نفسها في رواية «سجين السماء» لكارلوس زافان، فهي امتداد لسلسلة مترابطة يمكن فصلها وقراءتها كلاعلى حدة، ولكنها ترنو لتكثيف الفلسفة الحوارية بين المذهب النفعي والمذهب الإنساني، حيث تطغى الآفات النفسية على نظام الحواس الذي ينطوي على عين النظام الذي يسير الكون، وتكون العلل والسجن والموت قهرا منبها للإنسان بأنه حاد عن النظام التابع لكينونته ونظامه السرمدي.
دانيال ووالده يعملان في مكتبة يمتلكانها، ويعمل معهما فيرمين موظف المكتبة، يدخل عليه في غياب أبيه ذات صباح خريفي قبل عيد الميلاد رجل غريب الشكل، مبتور الأصابع، يعرج، ليشتري كتابا ثمينا، ويتركه هدية لفيرمين مع كتابة إهداء تلميحي غامض عليه، مما أثار حيرة دانيال.
عندما يرحل الرجل يتبعه دانيال، فيراه يدخل إلى مبنى مهجور في أحد الأزقة، فيعود أدراجه مستغربا كي يقص على فيرمين ما جرى. تبدأ غمائم الماضي تنهمر من كل صوب، وفيرمين يحكي قصة غريبة تمثل فترة خصبة من حياته المليئة بالظلم والشجن، ينصرف بها إلى التأمل الباطني لوقائع الأمور وتقصي مغزى الحياة والموت، من خلال السجن.
فقد اقتادوه سجينا زمن حكم فرانكو، بسبب تهمة جائرة باعتناقه الشيوعية، حيث الجدران تنزف أنهارا صغيرة من مياه مكدرة لا تنقطع، وقادوه إلى غرفة تحقيق يتدلى من سقفها مصباح مرتعش خائف، كان مدير السجن رجلا نرجسيا فتاكا، يدعى ماوريسيو فايس، وكان فيما مضى كاتبا ناشئا يكتفي ببعض الإصدارات الضحلة والوجود الرمادي المبهم، يعمل سكرتيرا ولكن زواجه من امرأة غنية أكبر منه بثماني سنوات، ترقد مهدودة على كرسي متحرك، كفل له الحصول على وظيفة مدير لسجن برشلونة، وتعلم مبادئ المخاتلة والوصولية، وبرع في بث الرعب في قلوب السجناء وتكميم أفواههم، وتعتيم أفكارهم.
عندما يقود الحارس فيرمين إلى سجنه يجد جثة سجين مكومة في صرة ملطخة بالدماء، ولكنه يضطر بتشجيع من زملائه السجناء أن ينزع عنها ملابسها ليحتمي من القر الشديد الذي يلفح عظامه.
وهناك يتعرف على عدد من السجناء، منهم سالغادو اللص القاتل، والكاتب المعروف مارتين، والطبيب ساناوخا، وتبدأ حقائق متتالية تتكشف أمام عينيه، فيعرف مثلا بأن المدير فايس يستغل مارتين ليكتب له معجزة أدبية، تحقق له الشهرة المرجوة التي عجز عن تحقيقها، ويسخر الطبيب سانوخا في خدمته ليسهر على راحته، خاصة أن مارتين يعاني من نوبات هلوسة عنيفة، يتوهم خلالها بأنه يكلم أناسا لا وجود لهم.
وكان المدير يمارس أسلوب التهديد والترويع على مارتين لضمان تحقيق غاياته، فيهدده بأذية إيزابيلا وهي صديقته المقربة، وبسجن زوجها وضياع طفلها دانيال. وكان مارتين يجتهد بكل طاقته كي يبقي إيزابيلا بمنأى عن رقصات البرق المرعبة وخطوط الألم الداكنة التي كان يطلقها عليه فايس بلا رحمة.
وقد استدعاه فايس إلى مكتبه لينهره بشدة وينبئه بأن عليه أن يستنطق سالغادو ليعرف مكان الأموال التي سرقها من العائلة التي قام بقتلها ويحصل منه على مفتاحه الذي يخفيه في مكان مبهم، وكذلك أن يستدرج مارتين ليدله على مكان مقبرة الكتب المنسية، ويحفزه على إنجاز عمل المدير بأكمل وجه.
لم يكن فيرمين بطبعه جاسوسا أو منقادا لمطامعه الذاتية، فقد ألف الألم حتى أصبح جزءا منه، ولكنه أجبر نفسه على مجاراة مطالب فايس الدنيئة، ولم يكن سالغادو بالشخص المهيب الذي يعز عليه خيانته، فقد كان أنانيا يسري الشر في كل ذرة من كيانه، ويستنطق الحجر بوشايته، ويستعرض مواهبه في القتل والسرقة، وقد قال له يوما أنه يعرف بمطلب المدير في العثور على المال المسروق وبأنه سيرشده إلى مكانه، وما عليه سوى أن يقرع الباب ويهمس للحارس بكلمة السر ليسلم له الجواهر والنقود.
ينصح الكاتب مارتين فيرمين بأن يخبر فايس عما تفوه به سالغادو، ويحثه على الهرب من خلال خطة محكمة يقوم بها الطبيب سانوخا، إذ يعطيه مخدرا يحقن به سالغادو بعد أن يأخذ منه مفتاح المكان المجهول الذي وضع فيه ودائعه المسروقة، ويدعي أنه مات، وبأنه سيضع بنفسه جثته في الصرة التي ينقلونها من السجن لدفنها، ولكنه يدس جسده متكورا فيها ليتم نقله إلى المقبرة الجماعية التي تتكدس فيها الجثث بمأساة علنية، تنضح بالتراجيديا الوقحة التي تصطاد مواكب الأرواح الهائمة في غصص لا حدود لشهقاتها.
يتمكن فيرمين من تسلق الحفرة والسير متقطع الأنفاس حتى يعثر عليه ذاهلا بين الحياة والموت، وتقوم بعض النسوة في القرية القائمة على بيوت من صفيح بخدمته حتى تقوى عظامه الواهنة ويستعيد وعيه.
يقرر البقاء لمدة عام قبل أن يعثر على دانيال ابن إيزابيلا، كما أوصاه مارتين، ولم يدر بأن فايس قد التقى بها في ذلك الوقت ودس لها السم في شرابها خوفا منها أن تفضحه بسبب استغلال مارتين لإنجاز عمله الأدبي، وأنها لقيت حتفها، ولم ترده الأخبار إلا متأخرا بأن فايس ذهب إلى المكان الموصوف للحصول على الذهب المسروق من قبل سالغادو وضحى بسائقه الذي قام بمهمة طرق الباب ليقضى عليه على الفور، فما كان من فايس إلا أن انتقم بإحراق الجميع أحياء بعد استدعائه لقوة عسكرية داعمة. وقد شنق الطبيب سانوخا بتهمة الخيانة والمساعدة على الهرب، وأمر بتصفية مارتين ولكن الإشاعات ترددت بأنه وعند اصطحاب مارتين لإعدامه في الفيلا القريبة من السجن، كان بانتظاره بعض الأشخاص حيث اختفى معهم. كذلك يترقى فايس في عمله حتى يعين وزيرا وتضج الأوساط الأدبية باسمه الذي غزاه بسطوته ونفوذه الوهمي.
يعمل فيرمين في مكتبة دانيال ابن ايزابيلا ووالده، وهكذا يكتشف دانيال حكاية أمه مع مارتين، ويستشيط غضبا بعد أن شعر بالعجز عن رد الثأر والانتقام لها من فايس.
عندما يعود سالغادو إلى المكتبة يقوم فيرمين بتسليمه المفتاح المفقود لمكان النقود المجهول، ثم يقوم بتتبعه مع دانيال حتى يصل إلى مكانه السري الذي وضع فيه نقوده ولكنه يترك الحقيبة الفارغة التي لم يعثرْ فيها على شيء ويهرع مهرولا نادبا حياته التي فقدها بين البتر والذل والصبر العقيم، ويقع على الأرض جثة هامدة.
تنتهي الرواية بزواج فيرمين بعد أن استخرج له دانيال أوراقا ثبوتية جديدة، وبعدها يقوم دانيال باصطحابه إلى مقبرة الكتب المنسية كهدية له، حيث ينبئهما حارس المقبرة بأن مارتين لا يزال على قيد الحياة وأنه ترك رسالة لدانيال.
تتابع الرواية تصاعدها بهمة السرد النشيط الذي يبسط أحداثه دون انقطاع، وباطلالة بانورامية تعبرها طيور الرحلات بين زمن خائب يسوده التسلط ولى، لكنه لم ينقرض، وزمن ذائب بالتضليل ونصرة القوي، وهي تترصد الفواصل بعين التدقيق، في أرض مستنقعية لا ترحم، تزج الضعيف في السجن ليقضم من رغيف المر معنى التظلم، وتتطاول الأعناق الشبيهة بالثعابين لتتقوس مثل المراكب البحرية التي يطويها الموج وتختلج بالزبد المعربد في طيات أهوائها، ثم تتوزع الأدوار على شخصيات متقاربة في التجارب الفلسفية، التي عبت زادها بوجنات منتفخة من القهر، وأسندت عاتقها على وسائد عائمة تترامى أطرافها على أحلام مؤجلة ناعسة، فالحلم بالحرية والسلم لا يبارح مخيلة هذه المجموعة البائسة من الوجوه، ما عدا سالغادو السارق الذي أضاع سنينه في تتبع الطمع المجرد من المنطق، وفايس الذي أبصر الماهيات من دون بصيرة فلسفية واضحة، بل يمشي على ركبتين مستدقتين من المطاط الوهمي، فيخال أنه يمتلك العالم بقبضته، وكأنه يمسك بالفراشة ويحررها وهي تتخبط بدمائها على زجاج الشباك المزنر بالمخاطر، وإيزابيلا التي ذاب الثلج على رموشها وهي تسعى للحقيقة ولكنها كانت تسير إلى حتفها بلا هوادة، والضوء الخافت من شمعدان الحرية، التي ما عادت تخطر على بال أحد في الرواية، فقد غيبها الكاتب ليفسح المجال لبداية جديدة مع رواية أخرى، وهو الذي يختلق دائما عنصر الحركة على أرضية روائية صارخة، ويشق كلماته عائدا إلى حافة الغابات الحكائية المتناوبة، أي التي يتناوب على سردها من أكثر من جهة ومفرق، مخترقا أدغال المخاطر الجمة ومعلنا عن هويته الصريحة في رؤية الخطر وتتبعه والتدليل عليه.
كاتبة لبنانية