متابعة/المدى
لم يعد حضور عمّال التوصيل في المدن العراقية مشهداً عابراً، بل تحوّل إلى جزء أساسي من تفاصيل الحياة اليومية، حيث تعتمد المطاعم والمتاجر والأسواق على خدماتهم لتلبية الطلب المتزايد. ومع هذا التوسع، برزت فئة تعمل في الظل، تتحرك بسرعة بين الأزقة والشوارع، فيما تظل ظروفها المهنية غير واضحة المعالم.
في الظاهر، تبدو المهنة سهلة وسريعة، لكنها في العمق تكشف واقعاً أكثر تعقيداً. ساعات عمل طويلة تمتد أحياناً لأكثر من عشر ساعات يومياً، يقابلها دخل غير ثابت يعتمد كلياً على عدد الطلبات المنجزة. حسين، أحد العاملين في هذا القطاع، يوضح أن يومه مرهون بما يظهر على التطبيق، قائلاً إن عدم تحقيق عدد كافٍ من الطلبات يعني عجزه عن تغطية احتياجاته الأساسية.
هذا التذبذب في الدخل يتكرر مع كثيرين، بينهم علي كمال، الذي يشير إلى أن بعض الأيام تكون مزدحمة بالطلبات، بينما تمر أخرى بلا مردود يُذكر، ما يجعل الاستقرار المالي أمراً بعيد المنال. وفي ظل غياب جداول عمل واضحة، يبقى العامل تحت ضغط دائم لملاحقة الطلبات، حتى لو كان ذلك على حساب سلامته.
المخاطر لا تتوقف عند تقلب الدخل، بل تمتد إلى بيئة العمل نفسها. الازدحام المروري، وضيق الوقت، واحتمالات الحوادث، كلها عوامل ترافق العامل يومياً. مصطفى، وهو أحد السائقين، يلفت إلى أن السرعة المطلوبة لإنجاز الطلبات تزيد من مستوى الخطر، في وقت لا تتوفر فيه حماية تأمينية كافية.
هذا الواقع يعكس، بحسب الخبير الاقتصادي ضياء المحسن، طبيعة سوق عمل غير مستقر، يعتمد بشكل متزايد على الاقتصاد الرقمي والخدمات السريعة. ويشير إلى أن سهولة الدخول إلى هذا القطاع جعلته خياراً واسع الانتشار بين الشباب، بمن فيهم خريجو الجامعات، لكنه في المقابل لا يوفر ضمانات طويلة الأمد.
ويؤكد المحسن أن قطاع التوصيل يقع في كثير من الأحيان ضمن الاقتصاد غير الرسمي، حيث تغيب الحماية القانونية الفعلية مثل الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي، ما يضع العامل في مواجهة مباشرة مع المخاطر، سواء كانت مالية أو مهنية. كما يعكس هذا التوسع خللاً في بنية الاقتصاد، الذي يركز على الخدمات الاستهلاكية بدلاً من القطاعات الإنتاجية القادرة على توفير وظائف مستقرة.
ورغم وجود نصوص قانونية تكفل حقوق العاملين، فإن التحدي الأبرز يكمن في تطبيقها على أرض الواقع. فالقوانين العراقية تشمل عمّال التوصيل من حيث المبدأ، وتضمن لهم حقوقاً تتعلق بالأجور وساعات العمل والضمانات الاجتماعية، إلا أن الالتزام بهذه النصوص لا يزال متفاوتاً.
في هذا السياق، تؤكد وزارة العمل والشؤون الاجتماعية أنها بدأت إجراءات رقابية لتنظيم القطاع، شملت حملات تفتيشية على شركات التوصيل، بهدف إلزامها بتنظيم عقود العمل وشمول العاملين بالضمان الاجتماعي. كما شددت على ضرورة الالتزام بالحد الأدنى للأجور وتحديد طبيعة المهام وساعات العمل وفق القانون.
مع ذلك، تبقى الفجوة قائمة بين التشريع والتطبيق، في ظل توسع سريع لقطاع التوصيل يفوق قدرة الأطر التنظيمية على مواكبته. وبينما تستمر هذه الخدمات في النمو، يظل السؤال مفتوحاً حول مصير آلاف العاملين فيها، الذين يواصلون العمل على حافة الاستقرار، بين طلب وآخر.