يجد عدد من الأثرياء العرب، أن من حقهم أن يتأنقوا باقتناء الأعمال الفنية، وهم ينفقون الكثير من الأموال من أجل ذلك. ذلك أمر حسن يلقي ظلالا إيجابية على المشهد الفني في العالم العربي، لولا أن البعض منهم لا يفكر بالقيمة الفنية لما يقتنيه من أعمال، بقدر ما يفكر في إمكانية تحويلها إلى موضوع للاستعراض ومادة للاستثمار. هنا تكمن المفارقة، إذ كيف يتم الاستثمار من غير معرفة مؤكدة بقيمة المادة التي هي موضوعه؟ سيكون الوضع مشوشا ومليئا بالثغرات التي تتسلل من خلالها الأعمال الرديئة في ظل غياب الخبرة، التاريخية والنقدية؟
في ربع القرن الأخير تراجع دور النقد الفني في الحياة الثقافية في العالم العربي بطريقة لافتة. لم يحدث ذلك بسبب انكماش مساحة الحريات العامة، وهو ما لا غبار عليه، بل لأن أسواقا فنية تم استحداثها في أكثر من مدينة عربية، نجحت منسقاتها الأوروبيات في سحب البساط من تحت أقدام النقاد، حين أوكلت مهمة التغطية الإعلامية لصحافيين، في إشارة منها إلى عدم رغبتها في التعاون مع نقاد الفن، ما يعني انتفاء الحاجة إليهم. ما كان مهما بالنسبة لتلك المنسقات أن تتصدر مقالات الدعاية الصحافية.
التهمت التجارة الكثير من الحقائق، وهو أمر طبيعي، غالبا ما يكون المال على المدى المنظور أقوى من الثقافة. كل ما تم تداوله في السوق الفنية المرتجلة في العالم العربي من أعمال، لم يكن مشفوعا برأي نقدي يؤكد قيمتها الجمالية. النقاد أنفسهم عزفوا عن متابعة الأحداث، التي شهدتها المزادات العالمية، وكان بعضها صادما. كأن تُباع أعمال فنية لفنانين عرب لا يزالون أحياء بمبالغ خيالية، لا تنسجم مع تفاصيل تاريخهم في السوق التقليدية التي تمثلها صالات العرض.
النقاد الذين شعروا بالخذلان وانسحبوا كانوا سلبيين بدورهم حين فقدوا الثقة بقيمة أصواتهم. أتذكر أن نزيه الخاطر وهو ناقد لبناني مهم، كان قد اعترف لي يوم التقيته في بيروت عام 2011 بشعوره بالخيبة في مواجهة تلك الظاهرة. قال لي بالحرف الواحد «سيكون لتلك الأسواق تأثيرها السيئ على مستقبل الفن التشكيلي في العالم العربي».
حين يكون تاجر الفن ذكيا

أتذكر تاجر الأعمال الفنية الفرنسي امبرواز فولار (1866 ــ 1939) كونه نموذجا مثاليا للذكاء الإيجابي الذي وازن بين الإتقان والحدس الخلاق. ففولار الذي رسمه كبار رسامي عصرنا، سيزان وبيكاسو وديران وبراك وغوغان، امتنانا وشكرا كان قد فتح الطريق أمامهم برعايته واهتمامه باقتناء أعمالهم بكرم ونبل. لولاه على سبيل المثال لما تمكن بابلو بيكاسو من البقاء في باريس وتطوير تجربته الفنية، وهو الذي عاني من الإخفاق والعزل والفقر. لم يكن بيكاسو اسما مثيرا حين التقطه فولار في السنوات الأولى من القرن العشرين، واشترى كل أعماله بعد أن اكتشفه فنانا استثنائيا.
لم يكن فولار مجرد تاجر يفكر في أرباحه، بل كان مكتشفا عظيما، عملت بوصلته بشكل رائع، بحيث أهدت تاريخ الفن الحديث عددا كبيرا من مخترعيه، يقف في مقدمتهم بالطبع بابلو بيكاسو. أليس من حقي أن أفكر بـ»فولار» عربي؟ سيعتبر البعض ذلك الحلم أمرا مبالغا فيه، بسبب اختلاف البيئة الحضارية. ما الذي يمنع مقتني الأعمال الفنية العرب من اكتشاف المواهب الفنية بأنفسهم والتوقف عن الهرولة وراء ما تفرضه المزادات والأسواق الفنية الموسمية من أسماء، يتم تكريسها من غير مراجعة القيمة الجمالية للأعمال الفنية؟ الكسل هو السبب. لقد سلم بعض مقتني الأعمال الفنية العرب قيادهم بحسن نية إلى عدد من «الخبراء» الذي صاروا يمررون ما هو جاهز بين أيديهم، من غير أن يكونوا معنيين بما يجري في المشهد الفني. كانت هناك ثروات يتم تداولها في أسواق الفن، فيما ظل الفن فقيرا. وإذا ما كنت مصرا على النية الحسنة فإن ذلك لا يعني أني أدافع عن الجهات التي كان في إمكانها أن ترتقي بمستوى الفن التشكيلي في العالم العربي من خلال دعمه بطريقة عادلة ومتوازنة ولم تفعل. لا يزال هناك أمل.
مئات الفنانين العرب خارج السوق
هل تصلح معادلة العرض والطلب مقياسا في السوق الافتراضية للفن في العالم العربي؟ عدد الفنانين العرب كبير. من الصعب احتواء ذلك العدد في سوق لا تزال غامضة الملامح، مرتابة من النقد. عالميا يمكن القول إن عدد الفنانين هو أكبر من قدرة السوق على الاستيعاب. غير أن ما يجري في العالم العربي، يعبر عن الاكتفاء بقلة من المحظوظين، الذين صارت أسماؤهم تتصدر قوائم المبيعات، فيما تم اهمال حوالي 90% من المشهد الفني، بكل ما ينطوي عليه من تجارب جادة لم يُسلط عليها الضوء، لا لشيء إلا لأن أصحابها ليسوا من ذوي العلاقات العامة.
تلك ظاهرة عربية بامتياز
من غير أن يبيع أعماله لا يمكن لأي فنان أن يستمر وهو مهدد بالجوع والتشرد. يمكننا أن نتخيل عدد الفنانين الذين فقدناهم بسبب طردهم من السوق، وعدم إقبال المقتنين على أعمالهم. لقد تعرضت تلك السوق إلى عملية إخصاء، عبر تجربتي النقدية التي تمتد لأكثر من أربعين سنة، رأيت عشرات التجارب الفنية وقد انتهت إلى الخيبة، ومن ثم الخواء بسبب الأهمال الذي مارسه أصحاب القاعات الفنية في حقها. في المقابل فإني على يقين من أن الفنان الحقيقي يقاوم الظلم بسب إيمانه بما يفعل. على سبيل المثال هناك عشرات الرسامين الذين أعرفهم، لا يكف الواحد منهم عن الذهاب يوميا إلى مرسمه منذ عشرات السنين لكي يرسم. يرسم لأنه يرغب في الرسم، ولا يفكر في أن لوحاته ستفارقه. سيكون سعيدا بالطبع لو أن أحدا ما رغب في اقتناء واحدة من لوحاته، ولكن ذلك ليس هدفه من الرسم. ربما سيحزن لأنه لن يرى تلك اللوحة، هناك مئات من الرسامين العرب ممَن لم تشملهم قوائم المحظوظين.
الحاجة إلى ثقافة الاقتناء
يتوزع مفهوم التجارة بالفن بين فئتين.. أصحاب القاعات الفنية هم الفئة الأولى، أما الفئة الثانية فهم مقتنو الأعمال الفنية. وإذا ما كانت المزادات الفنية العالمية تقف على الهامش في عملية التداول، فإن ما يمر من خلالها من أموال هو الأكبر. وإذا أردنا الإنصات إلى صوت الواقع فإن طرفي المعادلة الأساسيين (أصحاب القاعات والمقتنون) فقدا القدرة على أن يستقلا بقراراتهما بعيدا عما يجري في قاعات المزادات، على الرغم من أن الأغلبية تمتلك رصيدا كبيرا من التجارب الفاشلة في محاولة فهم المعايير التي تعتمدها تلك المزادات.
سبق أن تحدثت عن عيوب صادمة في الثقافة البصرية، يمكنني هنا أن أؤكد أن تلك العيوب لا تقتصر على مقتني الأعمال الفنية، بل أيضا على عدد من مديري الصالات الفنية والعاملين فيها، وهو ما يلقي بظلال كئيبة على ثقافة الاقتناء. فصاحب القاعة يجهل أحيانا القيمة الحقيقية للبضاعة التي يروج لها، غير أن ذلك لا يمنعه من تغليفها بكل أسباب الإثارة. في المقابل لا يملك المشتري ما يؤهله من الثقافة البصرية التي تعينه على وضع الإغراءات بين قوسي السؤال عن القيمة الفنية والتاريخية للبضاعة، التي ربما سيشعر بالندم لو أنه لم يقدم على شرائها. ذلك الواقع المزري والرث، الذي أصفه لا يراه الكثيرون بسبب تقاطعه مع قوة المال وسحره. لا يعترف به أصحاب القاعات ولا يمكن أن نتوقع أن المقتنين بسلطتهم المالية سيعترفون به. ولكنها الحقيقة التي استفادت منها المزادات في تكريس قوتها التي فرضت من خلالها الثقة بخبرائها.
ناقد عراقي