طرابلس – «القدس العربي»: تتجه ليبيا إلى مرحلة جديدة من التجاذبات الإقليمية على خلفية مصادقة مجلس النواب على الاتفاقية البحرية الموقعة مع تركيا عام 2019، في خطوة أعادت الخلافات بشأن مناطق النفوذ والحدود البحرية في شرق المتوسط إلى الواجهة، بالتزامن مع إعلان صحافة تركية عن زيارة مرتقبة للرئيس رجب طيب أردوغان إلى طرابلس في ديسمبر/كانون الأول المقبل، وتحركات مصرية متسارعة لمناقشة التطورات مع الأطراف الليبية، كان أحدثها استقبال نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا صدام حفتر في القاهرة.
وتأتي هذه التطورات بعد أسبوع من التصويت البرلماني الذي أنهى سنوات من رفض سلطات شرق ليبيا للاتفاقية، وأثار اعتراضات إقليمية ودولية واسعة، فيما تسعى أنقرة إلى تعزيز علاقاتها بمختلف الأطراف الليبية، وسط تساؤلات بشأن تأثير التقارب التركي مع الشرق الليبي على التوازنات السياسية والعسكرية القائمة.
وكشفت صحيفة «ميلييت» التركية أن الرئيس رجب طيب أردوغان يعتزم زيارة العاصمة طرابلس يومي الثامن والتاسع من ديسمبر المقبل، بالتزامن مع استضافة ليبيا القمة الرابعة للشراكة التركية الأفريقية، في حدث يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز جدول أعمال التعاون الاقتصادي والدبلوماسي.
وحسب الصحيفة، فإن القمة ستشكل مناسبة لتأكيد الموقف التركي الداعم لاستقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها، مشيرة إلى تشديد أردوغان على ضرورة أن تكون العملية السياسية بقيادة الليبيين، بعيداً عن فرض تسويات خارجية.
وتجري بالفعل تحضيرات رسمية لاستضافة القمة، إذ شهدت طرابلس، الإثنين، اجتماعات تنسيقية بين ممثلي ليبيا وتركيا ومفوضية الاتحاد الأفريقي لاستكمال الترتيبات التنظيمية والدبلوماسية، دون صدور تأكيد رسمي مستقل حتى الآن بشأن برنامج زيارة أردوغان.
وتكتسب الزيارة المحتملة أهمية إضافية في ضوء التحولات التي طرأت على علاقات أنقرة بشرق ليبيا، بعدما انتقلت العلاقة من المواجهة السياسية والعسكرية خلال السنوات الماضية إلى انفتاح متبادل شمل لقاءات واتصالات أمنية وعسكرية، وصولاً إلى المصادقة على الاتفاقية البحرية.
وفي موازاة التحركات التركية، أعلنت خمس دول، هي مصر واليونان وقبرص والإمارات والبحرين، إلى جانب الاتحاد الأوروبي، رفضها الاتفاقية البحرية الليبية التركية، معتبرة أنها باطلة ولا تنتج آثاراً قانونية بحق الدول الأخرى.
صدام حفتر في القاهرة لبحث التطورات
وجاء الموقف في بيان مشترك ألقاه وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، الإثنين، في نيويورك، أعرب فيه عن القلق من مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية، محذراً من تداعياتها على الأمن والاستقرار الإقليميين.
واعتبر البيان أن الاتفاقية تتجاهل الحقوق البحرية للدول الساحلية والجزر، وتتعارض مع مبادئ القانون الدولي للبحار، مؤكداً أن المصادقة البرلمانية لا تغير، وفق موقف الدول المعترضة، من وضعها القانوني. وفي المقابل، رفض أردوغان الاعتراضات الأوروبية والإقليمية، مؤكداً أن تركيا لا تسعى إلى تحقيق مكاسب على حساب الآخرين في شرق المتوسط، وإنما تعمل على حماية حقوقها ومصالحها البحرية.
ويعكس هذا السجال استمرار الخلاف بشأن ترسيم المناطق الاقتصادية البحرية وحقوق التنقيب عن موارد الطاقة، خصوصاً مع وجود مطالبات متداخلة بين تركيا واليونان وقبرص ومصر، واتفاقات ثنائية متعارضة بشأن حدود النفوذ البحري.
وفي خضم التصعيد الدبلوماسي، استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد، الإثنين، نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا صدام حفتر، في اجتماع تناول تطورات الأوضاع السياسية الليبية وسبل دعم الاستقرار وتوحيد المؤسسات.
ووفق الإعلام المصري، أكد الجانبان متانة العلاقات بين البلدين وضرورة مراعاة مصالحهما وشواغلهما المشتركة، إلى جانب أهمية تسريع العملية السياسية وفق رؤية واضحة تضمن استقرار ليبيا ووحدة مؤسساتها.
ورغم عدم إعلان ارتباط اللقاء مباشرة بالخلاف البحري، فإن توقيته يكتسب دلالة سياسية، بالنظر إلى العلاقات الوثيقة التي تربط القاهرة بقيادة شرق ليبيا، واعتراضها على الاتفاقية التي صادق عليها مجلس النواب في العشرين من أكتوبر الجاري.
وكانت القاهرة قد أعلنت رفض الاتفاقية، معتبرة أنها لا ترتب آثاراً قانونية عليها، فيما أبدت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة استعدادها لمعالجة الشواغل المصرية المتعلقة بالحدود البحرية والمناطق الاقتصادية من خلال الحوار والتنسيق.
وجاء ذلك خلال اتصال بين الدبيبة ورئيس المخابرات المصرية، في مؤشر إلى استمرار التواصل المصري مع طرفي الانقسام الليبي رغم الخلاف بشأن الاتفاقية.
وتضع المصادقة على الاتفاقية البحرية قيادة شرق ليبيا أمام معادلة إقليمية معقدة، إذ يمثل الانفتاح على تركيا تحولاً في العلاقات التي اتسمت لسنوات بالتوتر، بينما تبقى مصر شريكاً سياسياً وأمنياً رئيسياً للسلطات الشرقية.
ويشير هذا التحول إلى احتمال إعادة ترتيب العلاقات الخارجية للأطراف الليبية على أساس المصالح المتبادلة، بدلاً من الاصطفافات التي حكمت سنوات الانقسام، دون أن يعني بالضرورة انتهاء الخلافات بشأن الملفات الأمنية والعسكرية.
ويمنح الاتفاق البحري أنقرة مساحة إضافية لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في ليبيا، في وقت تحاول فيه أطراف إقليمية أخرى حماية مصالحها في شرق المتوسط ومنع أي تغييرات أحادية في خرائط النفوذ البحري.
وفي الداخل الليبي، تتزامن هذه التطورات مع استمرار تعثر المسار السياسي والانقسام المؤسسي، رغم الدعوات الدولية المتكررة لتوحيد السلطة التنفيذية والتهيئة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.