الناصرة – “القدس العربي”:- كما في كل عام، تكثف منظمة “ذاكرات” الإسرائيلية المناهضة للصهيونية، “زوخروت” بالعبرية، فعالياتها عشية الذكرى السنوية للنكبة الفلسطينية وخلالها. وتفعل ذلك بغية خدمة هدفها الأساس في تعميم الرواية التاريخية الفلسطينية، انطلاقاً من أن الاعتراف بجرائم الصهيونية وبحقوق الشعب الفلسطيني وأوجاعه هو السبيل الوحيد للمصالحة معه.
وتنظم “ذاكرات” تشكيلة فعاليات، وبعدة لغات، منها عقد ندوات، وإصدار كراسات حول فلسطين، قبل النكبة وخلالها وبعدها، وتنظيم زيارات ميدانية إلى القرى والمدن الفلسطينية المهجّرة.
عمر إغبارية لـ”القدس العربي”: “ذاكرات” تعمل على كشف جرائم النكبة ومقاومة الطمس الإسرائيلي الممنهج
أُسست هذه الجمعية في شباط/ فبراير 2002 بمبادرة من ناشط يهودي يدعى الدكتور إيتان بورنشطاين وعدد من الناشطين، لكنها محاطة بغلاف من الأصدقاء والمؤيدين، الذين يعدون بالمئات، وتتم مراسلتهم ويشاركونها فعالياتها، ولها أيضاً أصدقاء أجانب وفلسطينيون.
وكان بورنشطاين قد أوضح لـ”القدس العربي”، قبيل مغادرته البلاد والانتقال إلى برلين قبل سنوات بعدما أنهى عمله في “زوخروت”، أن الجمعية تحصل على تمويل فعالياتها من جهات مختلفة. ومن هذه الجهات “المنونايت”، وهي طائفة مسيحية سلامية في كندا، أو “منظمة الكنائس البروتستانتية” في هولندا.
وكشف بورنشطاين أنها تحرم من مصادر التمويل المحلية التي تزود الجمعيات الكثيرة الأخرى بالميزانيات، بسبب دعمها حق العودة، عماد المصالحة المشتهاة بين الشعبين.
عن تجربة هذه الجمعية، تحدثت “القدس العربي” إلى أحد الناشطين المخضرمين فيها، عمر إغبارية؛ وهو ناشط من مدينة أم الفحم ومقيم في بلدة واحة السلام، غربي القدس، القرية المشتركة الوحيدة التي يقطنها عرب ويهود معاً.
كشف جرائم النكبة ومقاومة الطمس
عن أهداف “ذاكرات”، يقول إغبارية لـ”القدس العربي”: “منذ إقامتها قبل نحو 25 عاماً، وبصفتها مناهضة للصهيونية، تعمل جمعية “ذاكرات” على كشف جرائم النكبة ومقاومة الطمس الإسرائيلي الممنهج للحقائق التاريخية، ومساعي الدولة اليهودية، ومعها الصهيونية عامة، لمحو الهوية الفلسطينية من التاريخ والجغرافيا، وهي بذلك تساهم في نسف الرواية الصهيونية وإتاحة المعلومات والحقائق عن النكبة للجمهور العام، وخاصة الجمهور الإسرائيلي، من خلال الكتابة والنشر والمحاضرات والدورات والنشاطات الميدانية عن النكبة والعودة باللغة العبرية”.
عمر إغبارية
ويضيف: “تهدف “زوخروت” إلى فتح أعين الإسرائيليين على الممارسات البشعة التي مارستها الصهيونية وإسرائيل، وما زالت تمارسها، بشكل ممنهج وبقرارات مدروسة، ضد الشعب الفلسطيني، خلال النكبة المستمرة حتى يومنا هذا، من تطهير عرقي ومجازر وسلب أملاك ومحو بلدان من على وجه الأرض، ومنع العودة للاجئين الفلسطينيين، واستيطان الحيز المسلوب وتهويده وعبرنته وأسرلته، ديمغرافياً ورسمياً وشكلاً ومضموناً”.
ويتابع: “ويأتي ذلك في سبيل صدع الصورة الكاذبة التي ينشأ عليها الجمهور الإسرائيلي المحشوّة بإنكار النكبة والتنصل من المسؤولية عنها. لذلك، تطالب “ذاكرات” بالاعتراف بالنكبة ومحاسبة مرتكبيها وتطبيق حق العودة وتفكيك البنية الاستعمارية والاستعلائية التي بنيت على حساب الفلسطينيين واستبدالها بمنظومة سياسية اجتماعية تبنى على العدالة والمساواة والديمقراطية الحقيقية”.
بعد الحرب: نشاط أكثر تعقيداً
وعن إمكان استمرار هذا العمل بعد الحرب، يقول إغبارية لـ”القدس العربي”: “طريقة عملنا هي اشتباك فكري وسياسي وقيمي مع المجتمع المستعمِر. لذلك، وفي أوج حرب الإبادة على غزة والتوغل في ملاحقة الفلسطينيين أينما كانوا، وملاحقة كل من يرفع صوته تأييداً لحقوقهم، أصبحت نشاطات جمعية “ذاكرات”، وخاصة الجماهيرية منها، مثل الجولات الميدانية في البلدات الفلسطينية المهجرة منذ بداية النكبة، أكثر تعقيداً من ذي قبل، وصار تنفيذ النشاطات في الحيز العام خلال الأشهر الأولى من الحرب مخاطرة وقد يشكل خطورة حقيقية على الطاقم والمشاركين”.
الاعتراف بالنكبة وتطبيق العودة أساس كل رؤية مستقبلية
ويضيف: “المجتمع الإسرائيلي بمجمله صار يجاهر بفاشيته ودمويته دون أي خجل أو خشية، مستمداً “شرعية” هذه المواقف من حكومته ومن النخب الإسرائيلية السياسية والعسكرية والشرطية والأكاديمية والإعلامية وغيرها، فتحوّل كل صوت مغاير لهذا الجو الإرهابي إلى هدف مشروع يمكن الاعتداء عليه دون محاسبة. إلا أننا، وبعد نحو سنة من بداية الحرب، عدنا إلى النشاط الميداني بشكل تدريجي، مع توخي الحذر. علماً أن نشاطنا لم يكن قط مرحباً به في المجتمع الإسرائيلي بشكل عام حتى قبل الحرب الحالية، وذلك لأنه يمسّ عصب الصهيونية ويتحدى أركانها وفكرها الأساسي، وليس فقط معارضة سياسات هذه الحكومة أو تلك”.
الأهداف لم تتغيّر
وعن إمكان تغير أهداف “ذاكرات” بعد الحرب، يقول إغبارية: “الأهداف لم تتغيّر بالمطلق، لا بل ازددنا قناعة بأن ما نشير إليه في عملنا، كالاعتراف بالنكبة وتطبيق العودة وتفكيك البنية الاستعمارية، يجب أن يكون أساس كل رؤية مستقبلية لهذه البلاد. نحن نعي بالطبع أن ذلك يبدو للكثيرين ضرباً من الخيال في ظل موازين القوى والظروف الحالية التي نشهدها في فلسطين والمنطقة عامة، إلا أننا نذكّر بأن ما جُرّب في العقود الأخيرة للوصول إلى تسوية إسرائيلية عربية أو فلسطينية، والذي اتسم بالتغاضي عن الحقوق الجذرية للفلسطينيين وخاصة حق العودة، وبتطبيع نتائج النكبة والتسليم بها تحت عنوان البراغماتية دون المطالبة بتصحيح الغبن التاريخي وإرساء العدالة، قد أوصلنا إلى هذا الحال، وأن البراغماتية لم توصلنا إلى حال أفضل، بل إلى حال أسوأ، وها هي المشاريع المسماة براغماتية تصبح ضرباً من الخيال. إن رؤيتنا للأحداث الحاصلة في فلسطين اليوم على أنها جزء من النكبة المستمرة وليست مجرد ردة فعل إسرائيلية هي النظرة الأدق، وطالما أنها نكبة مستمرة، فالبحث عن الحل يجب أن يوصلنا إلى جذور القضية، وهي المشروع الصهيوني بصفته مشروعاً استعمارياً كان حتماً عليه، من أجل نجاحه وترسيخ الفوقية اليهودية في نظامه، أن يقوم بكل الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها الآن”.
من الجولات الميدانية إلى المنصات الرقمية
وعما إذا غيرت الحرب طريقة عمل “ذاكرات” للوصول إلى أهدافها، يقول إغبارية: “كان للحرب على غزة تأثير على عملنا، ولكنه كان ذا حدّين، بمعنى أنه أثّر باتجاهين. فمن جهة، امتنعنا، في العام الأول من حرب الإبادة، في ظل الأجواء الفاشية المترجمة إلى أفعال عدوانية في الشارع الإسرائيلي، امتنعنا مثلاً، كما أسلفت، عن تنظيم جولات في مواقع البلدان الفلسطينية المهجرة، ولكننا عوضاً عن ذلك استخدمنا المنصات الإلكترونية وطوّرنا “جولات رقمية” أو افتراضية عبر منصة “زوم”، وقد حقق ذلك نجاحاً فاق توقعاتنا، إذ وصلنا إلى جمهور أكثر عدداً ممن كانوا سيصلون إلى الجولة الميدانية. فأصبحت شبكات التواصل والمنصات الرقمية ساحة لا بأس بها للوصول إلى الجمهور”.
الحرب زادت نشاط “ذاكرات” تعقيداً لكنها لم تغيّر أهدافها
ويضيف: “من جهة ثانية، أدت الحرب على غزة، والأنباء والصور الواردة من هناك عن الإبادة والتهجير واللجوء، بالإضافة إلى المخططات الأمريكية والإسرائيلية المريعة عن مصير غزة، إلى تشكيل مجموعة من الناشطين والناشطات لبلورة خطة مناهضة، لا بل مقاومة، لكل تلك المخططات العنصرية، وأصدرنا رؤيتنا لحل مأساة غزة بشكل جذري، وذلك من خلال تطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وعودة اللاجئين الذين هجّر أهاليهم إلى غزة عام 1948، إلى أراضيهم الأصلية الموجودة اليوم داخل الخط الأخضر. هذه الوثيقة المعنونة بـ”العودة في ظل الإبادة” تحتوي على فكر راديكالي إنساني سياسي لا نسمع مثله كثيراً، وخاصة في هذه الأيام، إذ يحاول من يستطيع أن يدلي بدلوه من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإطعام الجائعين وإيواء المساكين ومعالجة الجرحى، وهذا مهم وضروري، لكنه يبقى في دائرة رد الفعل على ممارسات إسرائيل، وبدون قصد يساهم في ترسيخ المعادلة التي يقبع فيها شعب فلسطين كحالة إنسانية تحتاج إلى تبرعات وصدقات. نحن نحاول ألا نكون في هذه الدائرة وأن نطرح رؤى استراتيجية تفكّك النظرة التقليدية المكبّلة بالمصالح والاصطفافات الدولية”.

اعتراف بالنكبة لا يكفي
وبنظرة إلى الخلف، تبدو “ذاكرات” كأنها لم تحقق أي اختراق في الجانب الإسرائيلي، في ظل رفض الرواية الفلسطينية التاريخية والتنكر لكافة حقوق الفلسطينيين، بل تُسمع اعترافات من قبل سياسيين إسرائيليين بالنكبة، وسط دعوات لاستنساخها، مثل سموتريتش وغيره. وعن ذلك يقول إغبارية:
“لم نفكر مرة بأن عمل “ذاكرات” سوف يغيّر الواقع. ما نحن إلا حلقة صغيرة في شبكة من المفترض أن تكون متماسكة ومتواصلة في سبيل الحرية والعدالة واستعادة الحقوق، ولكنها للأسف ليست كذلك في هذه المرحلة. ومع ذلك يمكن الإشارة، بنظرة إلى الوراء، إلى بعض النقاط اللافتة. فمقارنة بما كان عليه الإنكار والجهل والتجاهل الإسرائيلي قبل عشرين عاماً بشأن النكبة مع ما نراه اليوم، يمكننا القول إن الإسرائيليين اليوم لا يمكنهم، مرغمين، إنكار أو تجاهل النكبة. وهذه خطوة مهمة. إلا أن هذا الاعتراف ليس هو الذي نسعى إليه. فصحيح ما ذكرت، بأن أصواتاً إسرائيلية تبجحت بتنفيذ النكبة ودعت إلى تكرارها. هذا هو صوت المتغطرس المدجج بسلاح فتاك، ولكنه مرعوب ويتصرف بجنونية ودموية لإثبات وجوده وهو خالٍ من أي قوة أخلاقية. لا نرى أن هذا بالضرورة تراجع في اختراق الشارع الإسرائيلي بما يتعلق بجهودنا، وجهود غيرنا، في وضع النكبة وصحة ارتكابها المتعمّد في الخطاب العام. فأقوالهم اليوم تدينهم على ما فعلوه بالأمس. إنهم يعترفون ولكن لا يكترثون. وبعد الفشل في إنكارها يقومون بتبريرها وإلقاء المسؤولية على الضحية. وهذه ظاهرة معروفة في مثل هذه الحالات. لكنها مرحلة واحدة، قد تطول، ولكنها في الطريق الصحيح في كشف الفرية الصهيونية”.
ويتابع: “لقد استطعنا في السنوات الأخيرة التأثير كذلك على بعض جمعيات العمل الأهلي الإسرائيلية، الفاعلة ضد الاحتلال في الضفة وغزة، والتي لم تكن تتطرق إلى النكبة ولا ترى النكبة المستمرة، وكانت ترى نفسها من “اليسار الصهيوني” الذي لا نراه نحن يساراً، فأصبح بعضها يرى ضرورة الرجوع إلى جذور النكبة لفهم الواقع الحالي، بل إن بعضها صار يرى بالمنظومة الإسرائيلية بمجملها منظومة فصل عنصري واستعمار استيطاني كما نراها. والنقطة الأخيرة، إن المواد والمعلومات التي جمعناها عن النكبة، بالإنكليزية والعبرية والعربية على موقع الجمعية الإلكتروني، وتطويرنا تطبيق “آي ريتيرن”، وفيه خريطة النكبة، هي مواد تؤثر وتغيّر وتزوّد بالمعلومات والوعي بشكل متواصل. وهناك الكثير من الحركات والمنظمات المحلية والدولية التي تستعين بهذه المواد في نشاطها من أجل فلسطين والعدالة وضد الاستعمار”.