مرّ زمنٌ طويل على السجال الفكري والعلمي بين صاحب نظرية النسبية؛ الفيزيائي ألبرت آينشتاين، وعالم النفس سيغموند فرويد، حول فكرة لماذا يذهب الإنسان إلى الحرب، وهل من إمكانية لمنعها؟ لكنهما ذهبا ولم يجدا حلاً لمنع الحروب.
وقبل السجال الشهير كان هناك تاريخ حافل بالحروب، الأمر الذي دفع المفكرين إلى البحث العلمي في أسبابها، وكيفية إيجاد الحلول الجذرية لمنعها ونشوبها، لتستمر الحروب بعدهما إلى وقتنا الحاضر، نبحث وندرس الأسباب الكامنة وراء هذه الحروب وعن المسؤولية المباشرة أو غير المباشرة لنشوبها.
لندع الحروب التي مضت وانقضت مع الزمن، والأفضل أن نحاول أن نجيب عن الحروب المعاصرة التي قد تكون سلسلة متسلسلة عن الحروب المؤرخة في الذاكرة، لاسيما أن الفاعل فيها «الإنسان» باعتباره يملك ملكة التفكير بخلاف بقية المخلوقات، وتتبع سلوكه واستراتيجيته في السيطرة على مصادر الطاقة التي تؤمن له الحياة الرغيدة، حتى لو على حساب الإنسان الذي يشاركه العيش على هذه البسيطة، وبالتالي اجتراح الأفكار التي تتحول مع الوقت لاستراتيجية وخطط منتظمة وآليات تعزز مفهوم السيطرة والتحكم، يتولد بشكل أتوماتيكي مصطلح «سيف ديموقليس». تعبير مجازي «يوناني» قديم يرمز إلى الخطر الوشيك والدائم الذي يهدد أصحاب السلطة أو الثراء، رغم مظاهر النعيم التي يعيشونها…؟
يعتبر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مثالاُ وجسراً ما بين الماضي والحاضر، إذ يرى ريتشارد هاس، «العقل الاستراتيجي» السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، أن ترامب يندفع نحو الحرب من دون وعي. يؤكد أن الاستراتيجية الأمريكية قد أصابها بعض الجروح، وبالتالي على واشنطن السعي لالتئام الجروح قبل أن يصيبها العطب، ترامب يدرك المتغيرات المحيطة وبالتالي عينه على القوة العسكرية الضخمة، وعامل الوقت لا يعمل لصالحه، ليس عن عبث وضع مجسمات الطائرات الحربية على طاولته في البيت الأبيض والإشارة لقدرتها الخارقة على إحداث الفارق في الحرب.
الحرب الأمريكية – الإسرائيلية من جهة والإيرانية من جهة أخرى، امتحان كبير للاستراتيجية الأمريكية، وهي على المحك، لاسيما أن الحرب لم تنته وجميع السيناريوهات موضوعة على الطاولة، لذلك يمكن فهم وإدراك الأزمة التي تعيشها القوة الأمريكية التي خالفت الحرب حساباتها، مما وضعها في موقف محرج لجهة التأكيد من النصر.. ذلك وبالتوازي مع سيل الشلالات من التصريحات التي يتباهى بها ترامب لمستمعيه ومحدثيه عن استمرارية الحرب من عدمها، وحتمية عدم التخلي عن الخطوط الحمر الموضوعة.
يقارن ترامب الحرب على إيران وخوفه من استمرارها لمدة أطول، بالحرب الروسية الأوكرانية التي تدخل عامها الرابع، في صورة تؤكد ديمومة الحرب مع طهران لنفس المدة أو أكثر، لاسيما يواجه نظاماً «ثيوقراطياً» ينسب النصر له مسبقاً قبل الخوض بالمعارك أصلاً، وسياسة العقوبات والحصار المفروض لا تلامس هذه الفئة الحاكمة بقدر ما تلامس وتوجع المواطن الإيراني الذي يقع بين نارين.
يحاول الرئيس الأمريكي التقليل من القدرات العسكرية الإيرانية مراراً وتكراراً، ويتفاخر بالقضاء على القيادة الإيرانية، وبالتالي يستغرب من عدم وجود قيادة حالية يمكن التحدث معها، ويشير إلى حالة الفوضى والتخبط داخل النظام الإيراني ما بين مؤيد بالتفاوض معه وما بين المعارض لذلك، وبالتالي فإن ترامب يبحث عن طبقة «الكومبرادورية» الإيرانية الجديدة للتحدث معها، وحسم الجدل بموضوع قيادة البلاد والعباد على طريقة النموذج الفنزويلي.
يستغرب ترامب كيف للإدارات السابقة، أن تصبر على هذا النظام لمدة 47 عاماً، إذ يحُمّل الرئيس الأسبق باراك أوباما ونائبه يومذاك الرئيس المعزول جو بايدن كامل المسؤولية لتوقيع اتفاق يعتبره الأسوأ عام 2015.
أعتقد جازماً من هذه الجزئية أن ترامب حسم أمره بخصوص النظام الإيراني ولن يكون كما كانت الإدارة السابقة وهو القائل حتى كتابة هذه الكلمات:» على إيران أن تختار ما بين التدمير الكامل، أو عقد صفقة ترضي واشنطن، ولن تكون مرضية للجانب الإيراني»، والحديث عن إبلاغ البيت الأبيض الأمريكي الكونغرس بنهاية الحرب هذه مجرد تفاصيل، لأن الحزب الجمهوري مسيطر بشكل كامل، وهو العارف كيف يدغدغ مشاعر الشارع الأمريكي بسلسلة من الإعفاءات الضريبية وإجراءات أخرى.
بدورها طهران تدرك تماماً أن ترامب يراوغ ويخادع، وعلى طريقة التاجر الناجح الذي لا يدخل أي صفقة من دون الربح المؤكد والمطلق، إذ يترك مساحة للمفاوضات وعينه على الاستسلام والخضوع، ولأنها جربت الغدر مرتين تتجهز لخوض المعركة الفاصلة وفق تقارير عسكرية موثوقة، واستخباراتية أمريكية؛ فما سببته إيران من جروح لاستراتيجية «الدولة العظيمة» وفق تعبير ترامب، لا تعالجها إلا القذائف والصواريخ والمدمرات، وتدمير البنية التحتية، والسيطرة على مضيق هرمز، وانسحاب خمسة آلاف جندي من ألمانيا ليس عبثا ً.
يستمر الجدل والسجال حول كيفية منع الحروب في الأكاديميات ومدرجات الجامعات ومراكز الثقافة والبحوث العلمية، أما في الاستراتيجيات عامل الوقت لا يسمح.
٭ كاتب من فلسطيني
كوتيشن: يستمر الجدل والسجال حول كيفية منع الحروب في الأكاديميات ومدرجات الجامعات ومراكز الثقافة والبحوث العلمية، أما في الاستراتيجيات عامل الوقت لا يسمح