رواية «رجل الثريا»: سيرة الإمام وحكاية الإنسان


إنّ الشخصيات التاريخية الكبرى ليست أسماء تستقر في بطون الكتب، ولكنها حيوات نابضة بالصراع والانتصار والانكسار. وما دام الإنسان حاضرا في قلب التاريخ، فإنّ الرواية تظل قادرة على إعادة اكتشافه من زوايا مختلفة. ولهذا أصبحت الرواية التاريخية أحد أهم الأجناس الأدبية التي تسعى إلى مدّ الجسور بين المعرفة والخيال، وبين الوثيقة والحياة؛ لتمنح الوقائع حرارة التجربة الإنسانية، وتعيد إلى الشخصيات أصواتها التي قد يخفت صداها في كتب التراجم.
وتواجه الرواية التاريخية، في العادة، تحديا دائما يتمثل في تحقيق التوازن بين الأمانة للوقائع والحرية الفنية، فهي لا تستطيع أن تعبث بالحقائق الكبرى، لكنها في المقابل ليست مطالبة بأن تتحوّل إلى كتاب تاريخ، وما يمنحها مشروعيتها الأدبية هو قدرتها على استحضار الإنسان المختبئ خلف الأحداث، واستنطاق ما سكتت عنه المصادر، وبناء المشاهد والمشاعر التي تجعل الماضي حيا في وجدان القارئ.
ومن هذا المنطلق، يأتي مشروع الروائي الأردني ليث التل، في تناول شخصيات تاريخية إشكالية خلافية، لها من المنتقدين والخصوم بقدر ما لها من المؤيدين والأنصار؛ فقد تناول في روايته السابقة «قمر حرّان.. الشيخ والسلطان» شخصية ابن تيمية وهو مَنْ هو بين محب وكاره، وبين معجب وحاقد، وتأتي روايته الصادرة حديثا «رجل الثريا.. الإمام البخاري» استكمالا لمغامرته الروائية الجريئة؛ فهو يختار واحدة من أكثر الشخصيات حضورا في الوجدان الإسلامي، وفي الوقت ذاته شخصية إشكالية تُثير انتقاد الكثيرين الذين يقللون من شأنه، ويرمونه بسهام التشكيك. وهو في هذه الرواية يقارب شخصية الإمام البخاري بوصفها تجربة إنسانية تستحق أن تُروى بلغة الفن، وأن تُقرأ بوصفها رحلة بشرية قبل أن تكون صفحة من صفحات التاريخ، وهي لا تنشغل بجمع الوقائع بقدر انشغالها بتقديم الإمام البخاري إنسانا عاش الغربة والتنقل والمحنة والثبات، قبل أن يصبح أحد أعلام الحضارة الإسلامية، وأهم علماء الحديث النبوي الشريف.
وتكمن أهمية مثل هذه الروايات في أنّها تعيد الشخصيات المؤسسة للحضارة الإسلامية إلى فضاء الأدب، فتخرجها من دائرة القراءة المتخصصة إلى دائرة التلقي الثقافي العام؛ فقد لا يقرأ كثير من الناس كتب التراجم المطول،ة، لكنهم قد يتعرفون إلى الشخصية نفسها عبر عمل روائي قادر على الجمع بين المعرفة والمتعة، وبين صدق التاريخ وجمال الفن. وهذا أحد الأدوار المهمة للرواية التاريخية حين تنجح في احترام الحقيقة، من دون أن تتخلى عن حقها في الإبداع.
ويوجه ليث التل قارئ هذه الرواية نحو ثلاثة تصورات أساسية: أولها، أنّ العمل رواية، لا كتاب في التراجم. وثانيها، أنّ الإنسان يتقدم على الحدث، وأنّ التجربة الشعورية لا تقل أهمية عن الوقائع التاريخية. وثالثها، أنّ المحنة والرحلة والثبات تشكل محاور أساسية في بناء الشخصية.
وهذه الرؤية تمنح الشخصية قابلية روائية كبيرة؛ لأنّ روايات كهذه تبحث عن الرجال الذين صاغتهم المحن، وأعادت تشكيلهم التجارب، فكل رحلة علم هي، في جوهرها، رحلة لاكتشاف الذات، وكل محنة تترك أثرها في النفس قبل أن تترك أثرها في التاريخ.

من البيت إلى الثريا

لم يكن انصراف البخاري إلى علم الحديث وليد صدفة، ولا ثمرة رغبة شخصية عابرة، لأنّه كان مشروعا عائليا امتدت جذوره عبر الأجيال؛ إذ يروي البخاري أنّ والد جده المغيرة، كان يتطلع إلى أن يخرج من نسله رجل يُدعى محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، يقتدي برسول الله ﷺ اسما وسيرة، حتى بدا هذا الحلم وكأنّه نبوءة تنتظر من يحققها. وحين رُزق إسماعيل بابنه الثاني، رأى فيه الأمل المنشود، فاختار له اسم محمد، مع أنّه كان قد سمّى ابنه الأكبر أحمد قبل ذلك بسنوات. ومنذ طفولته، حرص والده على إلحاقه بمجالس العلماء وحلقات العلم، ثم واصلت أمه، بعد وفاة زوجها، رعاية هذا المشروع، تشجعه وتذلل له أسباب التعلّم، وهو لا يزال غضّ السن، ولم يكن أخوه أحمد أقلّ إيمانا بموهبته؛ إذ آثر أن يتحمل أعباء العمل والكسب، ليبقى محمد متفرغا لطلب العلم، ثم ظلّ يمده بالنفقة حين ارتحل في الآفاق يجمع الحديث.
وعندما تزوج وهو في الحادية والثلاثين، وجد في زوجته شريكة حياة أدركت عظمة رسالته، فأعانته على التفرغ لها، كما أسهم يساره المالي في أن يَهبَ وقته كله للعلم، والتفرغ للتصنيف والرحلة والمراجعة. وكما كان المال وسيلة للراحة والطمأنينة، فقد أصبح أداة للعطاء والإنفاق على طلاب العلم ومجالسه.
وهكذا يبدو تفوق الإمام البخاري ثمرة منظومة متكاملة؛ اجتمع فيها إيمان الأسرة برسالته، وتضحيات أفرادها، واستقرار أحواله المادية، لتصنع جميعها البيئة التي مكّنته من بلوغ الغاية التي طالما رمز إليها الكاتب بـ«الثريا»، حيث ارتقى إلى أسمى منزلة في علم الحديث حتى صار اسمه قرينا للثقة والدقة والخلود العلمي، بعد رحلة لم يصنعها فرد وحده، بل صنعتها أسرة آمنت بحلمه حتى أصبح حلم الأمة كلها.

محنة الغيرة

على الرغم من أنّ الإمام البخاري نأى بنفسه عن محنة خلق القرآن التي ابتُلي بها الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء الأمة، وما جرّته عليهم من سجن وتعذيب، فآثر الابتعاد عن بغداد وعن بلاط الخليفة وأعين أعوانه، فإنّ الفتنة أدركته من باب آخر، كان أشد مرارة؛ إذ جاءت من داخل البيت العلمي نفسه. فقد انقلب عليه شيخه وشيخ نيسابور محمد بن يحيى الدّهلي، ونسب إليه ما لم يقله، حين رأى التفاف طلاب العلم والعامة حول تلميذه، وانصرافهم عن مجلسه، فاستبدت به الغيرة حتى أساء إليه، وأثار الناس عليه، فانفضّ أكثرهم من حول البخاري، ولم يثبت معه إلا تلميذاه (الإمام مسلم) مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة، مما اضطره إلى مغادرة نيسابور، وقد كان يأمل أن تكون مستقره الأخير.
ولم تكن تلك أولى محطات الخذلان؛ ففي الري قبل نيسابور أعرض عنه شيخها أبو حاتم الرازي، بعد أن كان يوده، وفي مرو لم يجد الترحيب الذي يرجوه، فلم يلبث فيها طويلا. ثم عاد إلى بخارى، مسقط رأسه، ظانا أنّ مدينته ستحتضنه بعد طول اغتراب، فإذا بها تلفظه هي الأخرى، إذ أخرجه أميرها خالد بن أحمد الدّهلي بتحريض من ابن عمه شيخ نيسابور محمد بن يحيى الدّهلي. ولمّا قصد سمرقند، بلغه قبل دخولها أنّ الناس قد انقسموا فيه، وأنّ قدومه غير مرحب به، فلجأ إلى قرية خرماباذا عند أحد أقاربه، لكن يد الإقصاء لاحقته؛ إذ صدر أمر أمير سمرقند بإخراجه منها، من دون إبطاء، وهو طريح المرض، فلم يلبث بعد ذلك إلا قليلا حتى لقي ربه في آخر ليلة من رمضان.
إنّها سيرة موجعة تكشف أنّ أخطر ما يواجه العالم الصادق ليس دائما بطش السلطان، بل قد يكون حسد الأقران وغيرة العلماء بعضهم من بعض، وفي ذلك قال شعبة بن الحجاج: «احذروا غيرة أصحاب الحديث بعضهم على بعض، فهم أشدُّ غيرة من التيوس». وما أشدَّ وقع هذه الكلمة حين تُقرأ على ضوء ما جرى للبخاري؛ فالغيرة إذا تسللت إلى ميادين العلم أفسدت رسالته، وشرخت صف الأمة، وزعزعت ثقة الناس بعلمائهم، وجعلت الحقيقة تضيع بين الخصومات، حتى يعجز كثير من الناس عن تمييز الحق ممن يدّعيه.
إنّ خطاب هذه الرواية يؤكد أنّ الإمام البخاري لم يكن جامع أحاديث فقط، وإنّما رجل دفع ثمن قناعاته التي تمسك بها، وثمن كرامة العلم والعلماء، وهنا تتجاوز الرواية، في أفقها المعلن، حدود السيرة التاريخية لتلامس سؤالا إنسانيا خالدا: ما الثمن الذي قد يدفعه الإنسان حين يرفض أن يساوم على الحقيقة وعلى كرامته؟
إنّ مثل هذا السؤال يجعل العمل، قريبا من القارئ المعاصر، لأنّ الصراع بين الضمير والسلطة، وبين المبدأ والمصلحة، لا ينتمي إلى زمن دون آخر.

الصراع مع الوجه الآخر

من التقنيات السردية اللافتة في الرواية توظيف الكاتب سلسلة من الأحلام والكوابيس التي تنشأ فيها حوارات متخيَّلة بين الإمام البخاري والحجاج بن يوسف الثقفي، وهي حوارات تتجاوز حدود اللقاء المستحيل بين شخصيتين يفصل بينهما قرن كامل، لتغدو فضاء فكريا يناقش أكثر القضايا الخلافية التي شغلت المسلمين عبر تاريخهم. فمنذ استشهاد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، دخلت الدولة الإسلامية في دوامة من الفتن والاضطرابات والانقسامات السياسية والفكرية، ولم تكد تخمد فتنة حتى تشتعل أخرى، فتداخل الخلاف السياسي بالخلاف العلمي، وتعددت الاجتهادات، وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض، وهو ما أورث العامة والخاصة، بل والعلماء أنفسهم، حيرة وقلقا وأسئلة لا تهدأ.
وفي هذا السياق تأتي تلك المناظرات الحلمية بوصفها تجسيدا دراميا لصراع البخاري الداخلي، وليس حوارا مع شخصية تاريخية فحسب؛ إذ تكشف الرواية في خاتمتها، أنّ الحجاج ليس إلا الوجه الآخر الكامن في أعماق البخاري، حين يقول له: «أتدري ما حواري معك يا محمد؟ إنّه حوار نفسك مع نفسك، نفسك البرّانية الواعية مع أحاديث نفسك الجوّانية، حوار ذاتك المطمئنة مع ذاتك القلقة التي تبحث عن إجابات.. أنا وجه رجل الدولة في داخلك، ووجه كل نقيض لك شاءت الأقدار أن يكبت فيك على حساب رجل العلم».
وبهذا الانكشاف السردي تتحوّل شخصية الحجاج من خصم تاريخي إلى رمز نفسي وفكري، يمثل منطق السلطة والحسم والقوة في مواجهة منطق العلم والبحث والتثبت، وهو اختيار فني ذكيٌّ؛ لأنّ الكاتب لم ينتقِ شخصية عابرة، بل اختار الحجاج بن يوسف، أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي، والرجل الذي ارتبط اسمه بالشدة والبطش حتى لُقِّب بـ«محطم العظام»، فغدا حضوره في الرواية معادلا رمزيا لصراع دائم بين سلطان القوة وسلطان المعرفة، وبين يقين الدولة وقلق العالم، الأمر الذي أضفى على هذه الحوارات عمقا نفسيا وفلسفيا، وجعلها من أنجح التقنيات التي استثمرها الكاتب في بناء روايته.

بين التاريخ والأدب

يحسب لليث التل نجاحه في تحقيق توازن دقيق بين أمانة المادة التاريخية وجمال البناء الروائي؛ إذ لم تتحوّل الرواية إلى سرد توثيقي جاف، ولم ينفلت الخيال الأدبي من حدود الشخصية التاريخية وخصوصيتها؛ فقد مزج الكاتب الوقائع الموثقة بالتخييل الفني مزجا منسجما، وأحسن توظيف عدد من الأحاديث النبوية التي أخرجها الإمام البخاري في «صحيحه»، فجاء حضورها طبيعيا يخدم السياق السردي ويعمّق ملامح الشخصية، من دون أن يبدو إقحاما أو استعراضا معرفيا.
وإلى جانب ذلك، اتسمت الرواية بلغة رصينة أنيقة تجمع بين السلاسة والبلاغة، فجاءت قريبة من القارئ، من غير أن تفقد قيمتها الأدبية. كما أسهم تقسيمها إلى ثمانين فصلا قصيرا في إضفاء إيقاع سردي متجدد، يحافظ على تشويق القراءة ويمنح القارئ شعورا بالتقدم المستمر في الأحداث، وهو ما جعل رواية تمتد على نحو خمسمئة واثنتي عشرة صفحة تحتفظ بحيويتها، وتدفع القارئ إلى مواصلة القراءة حتى صفحاتها الأخيرة، من دون أن يشعر بالترهل أو الملل.
وبعد؛ فإنّ «رجل الثريا.. الإمام البخاري»، الصادرة عن الدار الأهلية في عمّان، رواية تعيد تقديم الإمام البخاري بوصفه إنسانا عاش مرحلة استثنائية، لا مجرد شخصية تاريخية مكتملة الملامح، وحرص الكاتب على إبراز الجانب الإنساني في شخصية الإمام البخاري، فهو لم يقدمه كصاحب «الجامع الصحيح» فقط، وإنّما قدمه رجلا عاش أسفارا طويلة بما فيها من مشقة وعناء، وواجه خصومات، وتحمّل الطرد والإبعاد والمرض، ودفع أثمانا بسبب تمسكه بما يعتقد أنّه الحق.
ويُحمد للرواية أنّها لم تتناول حياة الإمام البخاري بمعزل عن محيطه، فقد أشارت إلى معظم الأحداث البارزة والمهمة، السياسية والعسكرية منها، التي رافقت مسيرة الدولة الإسلامية عبر القرون حتى وفاته، بل وألمحت إلى بعض ما سيحدث بعد ذلك على يد المغول، مما أضفى على الرواية قيمة معرفية مضافة، من دون إخلال بفنيات الرواية وسلاستها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *