طرابلس- “القدس العربي”: أثار مقطع فيديو صادم، قيل إنه صور داخل خلوة لتحفيظ القرآن الكريم في أحد مساجد مدينة الزاوية غربي ليبيا، ضجة واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أظهر طفلا يتعرض للضرب بالعصا على باطن قدميه بطريقة تعرف محليا باسم “الفلقة”.
وأظهرت المشاهد الطفل ممددا على الأرض، بينما يمسك به شخص ويضربه بصورة متكررة، في حين كان الصغير يصرخ من شدة الألم مستغيثا: “رجليا.. رجليا”. ولم تتوقف قسوة المشهد عند الضرب، إذ ظهر الطفل لاحقا وهو يواجه صعوبة واضحة في الحركة والمشي، ما ضاعف حالة الغضب والصدمة بين المتابعين.
وبحسب التسجيل المتداول، استدعى الشخص الذي ينفذ العقاب طفلين آخرين لمساعدته في الإمساك بالصغير، في مشهد وصفه معلقون بأنه لا يؤذي الطفل المعاقب وحده، بل يترك أثرا نفسيا أيضا في نفوس الأطفال الآخرين، سواء الذين شاهدوا الواقعة أو أجبروا على المشاركة فيها.
وسرعان ما انتشر الفيديو على نطاق واسع بين الليبيين، وتحول من واقعة داخل مكان مغلق إلى قضية رأي عام، أعادت فتح النقاش بشأن أساليب التعامل مع الأطفال داخل بعض مراكز تحفيظ القرآن، والحدود الفاصلة بين التربية والعقاب من جهة، والعنف والإيذاء من جهة أخرى.
وعبرت غالبية التعليقات عن رفضها الشديد لما ظهر في التسجيل، مؤكدة أن تعليم القرآن لا يمكن أن يقوم على التخويف والإهانة وإيلام الأطفال. ورأى أصحاب هذا الاتجاه أن ربط حفظ كتاب الله بمشهد الضرب والصراخ قد يجعل الطفل ينفر من مكان التحفيظ، ويترك داخله ذكرى قاسية قد تستمر معه سنوات طويلة.
وشدد آخرون على أن الطفل جاء إلى الخلوة ليتعلم ويحفظ في بيئة يفترض أن توفر له الأمان والرعاية، لا أن يتحول وجوده فيها إلى تجربة مرعبة. وطالب هؤلاء بالكشف عن هوية الشخص الذي ظهر في الفيديو، وتحديد المسجد أو مركز التحفيظ الذي شهد الواقعة، وإجراء فحص طبي ونفسي للطفل للاطمئنان على سلامته.
كما طالب عدد من المتابعين بعدم الاكتفاء بتحقيق إداري أو إيقاف مؤقت، مؤكدين ضرورة إحالة المسؤول عن الواقعة إلى الجهات القانونية إذا ثبتت صحة التسجيل وملابساته. واعتبروا أن الاعتداء على طفل لا يصبح مقبولا لمجرد وقوعه داخل مؤسسة دينية أو تحت ذريعة التأديب وتحفيزه على الحفظ.
وذهب بعض المعلقين إلى أن الخطر في الواقعة لا يقتصر على الضرب نفسه، بل يمتد إلى تطبيع العنف أمام الأطفال، خصوصا بعدما ظهر طفلان آخران وهما يساعدان في الإمساك بزميلهما. وقالوا إن إجبار طفل على المشاركة في معاقبة طفل آخر قد يزرع داخله فكرة أن العنف وسيلة طبيعية للتعليم والسيطرة.
وفي المقابل، حذر آخرون من تعميم الاتهام على جميع المحفظين والخلوات القرآنية في ليبيا، مشيرين إلى أن آلاف المعلمين يؤدون دورا تربويا مهما، ويعاملون الأطفال بالرفق والتشجيع. وأكدوا أن التصرف الفردي، مهما بلغت قسوته، لا ينبغي أن يستخدم للإساءة إلى مراكز التحفيظ كلها، لكنه يستوجب في الوقت نفسه محاسبة مرتكبه ومنع تكراره.
وبرز اتجاه آخر في التعليقات حاول الفصل بين مبدأ الانضباط داخل حلقات التحفيظ وبين استخدام “الفلقة” أو الضرب المبرح. ورأى أصحابه أن تعليم الأطفال يحتاج إلى قواعد واضحة، لكن الانضباط لا يعني إلحاق الأذى الجسدي بهم أو إذلالهم، وأن وسائل التربية الحديثة توفر بدائل كثيرة، من بينها الحوار والتشجيع والمكافأة والتواصل مع الأسرة.
وفي ظل تصاعد الغضب، أعلنت الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية مباشرتها التحقق من ملابسات الواقعة، مؤكدة رفضها للعنف والضرب المبرح داخل مراكز تحفيظ القرآن الكريم.
وأوضحت الهيئة أنها سبق أن أصدرت تعميمات إلى مراكز التحفيظ تمنع الضرب المبرح وسوء معاملة الأطفال، كما نظمت لقاءات توجيهية للتأكيد على ضرورة الالتزام بهذه التعليمات. وشددت على أن كل من تثبت مخالفته سيكون عرضة للمساءلة الإدارية والقانونية.
وأكدت الهيئة أن ما ظهر في التسجيل، إذا ثبتت تفاصيله، لا يمثل منهج مراكز تحفيظ القرآن ولا رسالتها التعليمية والتربوية، في محاولة للفصل بين الواقعة وبين الدور الذي تؤديه بقية الخلوات والمراكز.
ورحب متابعون بإعلان التحقيق، لكنهم طالبوا بألا ينتهي الأمر عند إصدار بيان، وأن تعلن الهيئة نتائج ما توصلت إليه والإجراءات التي اتخذتها. كما دعوا إلى وضع آلية واضحة لتلقي شكاوى الأطفال وأولياء أمورهم، وإخضاع المحفظين للتأهيل التربوي، إلى جانب الرقابة المستمرة على مراكز التحفيظ.
ولا تزال هوية الشخص الذي ظهر في التسجيل غير معلنة، كما لم تكشف الجهات الرسمية اسم المسجد الذي وقعت فيه الحادثة. ولم يصدر، حتى الآن، إعلان رسمي عن توقيف المحفظ أو إحالته إلى النيابة، فيما تبقى المسؤوليات القانونية مرتبطة بنتائج التحقق الذي أعلنت عنه هيئة الأوقاف.