بعد مرور عقد على إطلاقها، لا تزال رؤية 2030 إطارًا محوريًا للتحول السياسي والاقتصادي في المملكة العربية السعودية بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. ورغم ما أحدثته هذه المبادرة من تغييرات اجتماعية هامة، إلا أن إنجازاتها الاقتصادية كانت متفاوتة، فلا تزال المملكة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على عائدات النفط. وقد زادت الحرب الأخيرة مع إيران من تعقيد المشروع، ما أجبر الرياض على توجيه مواردها نحو الأمن وإدارة المخاطر، الأمر الذي قد يُضعف ثقة المستثمرين. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تدخل رؤية 2030 مرحلة جديدة تتمحور بشكل أقل حول المشاريع الضخمة الطموحة، وأكثر حول التكيف الاستراتيجي مع عدم الاستقرار الإقليمي. وبالتالي، من غير المرجح أن تنهار المبادرة، لكنها لن تحقق طموحاتها الأصلية بالكامل، ما يعكس القيود البنيوية للنموذج السعودي للتحول المركزي.
منذ الكشف عنها في نيسان 2016، مثّلت رؤية 2030 مصطلحًا جامعًا لعمليات التحول في المملكة السعودية. وهي مبادرةٌ تُشكّل إرثًا وطنيًا أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، تهدف إلى إعادة هيكلة اقتصاد يعتمد على النفط، مع ضمان استقرار النظام الملكي المطلق في المستقبل. بعد مرور عقد من الزمن على بدء تنفيذها، ومع اقتراب موعد إنجازها الرسمي، حققت رؤية 2030 إنجازات اقتصادية مثيرة للجدل إلى جانب مكاسب سياسية واجتماعية. وفي السنوات الأخيرة، خضع المشروع نفسه لإعادة هيكلة. والآن، في ظل تداعيات الحرب الإقليمية التي تتردد أصداؤها في أرجاء المنطقة، يبدو أن رؤية 2030 تدخل مرحلتها الثالثة.
تهدف رؤية 2030، التي وقعها بن سلمان، إلى إحداث ثورة في اقتصاد يواجه تهديدًا غير مسبوق. ورغم أن المملكة تتحدث عن الإصلاح منذ سبعينيات القرن الماضي، إلا أن السعودية دخلت العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وهي تعتمد اعتمادًا كبيرًا على عائدات النفط. وفي ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن النمو السكاني، وتسارع التحول إلى الطاقة النظيفة، وتقلب أسعار الطاقة، أصبح التنويع الاقتصادي أولوية سياسية، بل وجودية، قصوى. استعدادًا لمستقبلٍ يتسم بانخفاض عائدات النفط، تُركز رؤية 2030 على الإصلاحات المالية وتطوير قطاعات جديدة، من السياحة إلى الصناعات التحويلية المتقدمة، مع تغيير نموذج التوظيف الحكومي المُفرط والدعم السخي. مع ذلك، كانت رؤية 2030 منذ بدايتها مشروعًا سياسيًا بامتياز، حيث ارتبطت أجندة التنويع الاقتصادي بتركيز السلطة.
في النصف الثاني من العقد الماضي، فكك بن سلمان مراكز القوى المتنافسة داخل الأسرة المالكة، وأخضع المؤسسة الدينية، وطهّر مؤسسات الدولة الرئيسية. وبعد أن حصد نفوذًا سياسيًا غير مسبوق بنهاية العقد، اتجه ولي العهد إلى إعادة تشكيل النظام الاجتماعي المحافظ للغاية في المملكة. تُرك النهج التدريجي للإصلاح الاجتماعي الذي ميز أسلافه لصالح تغيير شامل وسريع. استيقظ المواطنون السعوديون على واقع مختلف: بدأت المطاعم والمتاجر بالعمل حتى أثناء الأذان؛ وتوافد الشباب والشابات على أماكن الترفيه الجديدة؛ وخرجت النساء إلى الشوارع لأول مرة، ثم دخلن سوق العمل لاحقًا. والآن، تشير التقارير إلى أن الحكومة تدرس تقنين الكحول. بالنسبة لبن سلمان، كان توسيع هذه الحريات ضروريًا لتجديد شرعيته لدى الشباب السعودي، ولإعادة صياغة صورة المملكة على الساحة الدولية، وهو عنصر حاسم لحشد الدعم الدولي اللازم لنجاح رؤية 2030.
ومع ذلك، ورغم التقدم السياسي والاجتماعي الذي حققته الخطة، يبقى النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد السعودي. وبحلول عام 2025، شكلت عائدات النفط نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي. ويبدو أن النمو في القطاعات غير النفطية مدفوعٌ في المقام الأول بديناميكيات سوق النفط، وليس بجهود التنويع التي تنتهجها الرؤية. وقد استدعى تراجع الإنتاجية زيادة الإنفاق الحكومي لتعزيز الإيرادات غير النفطية، ما أدى إلى عجز مستمر في الميزانية منذ عام 2022.
لفهم إنجازات رؤية 2030 وإخفاقاتها، يمكن تقسيم مراحل تطورها إلى ثلاث مراحل، تتميز كل منها بأولويات مختلفة.
رؤية مُحدَّثة
في نسختها الأولى، بين عامي 2016 و2023، تمحورت الرؤية حول مجموعة من مشاريع البنية التحتية الضخمة، والتي عُرفت باسم “المشاريع العملاقة”. كان الهدف من هذه الخطط التنموية الضخمة هو إحداث نقلة نوعية تاريخية للمملكة، وإظهار التحول من نموذج يعتمد على الوقود الأحفوري والمحافظة الاجتماعية إلى أجندة تنموية حديثة ومتطورة، مع خلق فرص جديدة للسياحة والاستثمار. لكن على الرغم من تصميمها لتكون تعبيرًا واضحًا عن طموحات الرياض الكبيرة، فإن مشاريع رؤية 2030 سرعان ما واجهت صعوبات.
يُجسد مشروع مدينة “الخط” المستقبلية بعضًا من هذه التحديات بوضوح. فقد خُطط للمدينة، الواقعة في منطقة نيوم على الطرف الشمالي للبحر الأحمر، على شكل برجين متوازيين يشبهان الجدار، بطول 170 كيلومترًا. بين عامي 2021 و2025، ارتفعت التكاليف التقديرية للمدينة بمليارات الدولارات، وتلاشت الآمال في الحصول على تمويل أجنبي، ولم تُحقق الاستثمارات التي بلغت 50 مليار دولار على الأقل في أعمال الحفر والنقل والإنشاء أهداف التنمية المرجوة. وقد فاقم انخفاض أسعار النفط الضغوط المالية، ما دفع إلى إعادة النظر في نهج المملكة تجاه مشروع “الخط” تحديدًا، والمشاريع العملاقة عمومًا. وفي عام 2023، تم تقليص حجم المشروع بشكل كبير، حيث من المتوقع الآن أن تشمل مرحلته الأولى، المقرر تنفيذها عام 2030، كيلومترين فقط بدلًا من 16 كيلومترًا كما كان مخططًا لها في الأصل.
وقد شهدت مشاريع عملاقة أخرى تطورًا مماثلًا. ففي منطقة نيوم، تضاعفت التكاليف المتوقعة لثلاثة من أصل خمسة مشاريع رئيسية. ولم يتم تحقيق مراحل التنمية الرئيسية، ويتجلى ذلك في قرار المملكة التخلي عن استضافة دورة الألعاب الشتوية الآسيوية 2029 بسبب بطء التقدم في منتجع ترويانا للتزلج الذي تبلغ تكلفته 38 مليار دولار. خارج نيوم، لا يزال مشروع واحد على الأقل يُنظر إليه على أنه واعد، وهو مشروع ترميم مدينة الدرعية القديمة بتكلفة 63 مليار دولار، ولكنه يعاني هو الآخر من التأخير. وبحلول عام 2023، وفي ظل التحديات المتزايدة، بدأ حجم العقود الموقعة لتطوير المشاريع في الانخفاض بشكل حاد، مما يمثل تحولاً عميقاً ويقود رؤية 2030 إلى نسختها الثانية.
بينما تراجعت المشاريع الضخمة، شهدت القطاعات ذات العوائد الأسرع نموًا سريعًا. ففي عام 2024، أعلن بن سلمان عن تأسيس شركة “الأجهزة”، وهي شركة تصنيع متقدمة التزمت باستثمار 100 مليار دولار بحلول عام 2030. وفي وقت لاحق من ذلك العام، أطلقت الرياض صندوقًا استثماريًا في الذكاء الاصطناعي بقيمة 100 مليار دولار، تبعه خطة استثمارية مماثلة في المعادن الأساسية. وفي الوقت نفسه، ومع تراجع الاستثمارات في المشاريع الضخمة، كشف بن سلمان عن خطة تنموية جديدة واسعة النطاق لخدمة الحجاج في مكة المكرمة.
قبل أسبوعين من الحملة العسكرية الإسرائيلية الأمريكية على إيران، أكد وزير المالية السعودي أن أولويات رؤية 2030 قد تغيرت بالفعل، وأنه تم إعادة توجيه الموارد من المشاريع الضخمة إلى السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا. ولكن بعد تعرض المملكة لما لا يقل عن 916 هجومًا صاروخيًا وطائرات مسيرة إيرانية، يبدو أنها تدخل المرحلة الثالثة من الرؤية.
وبينما تجد الرياض نفسها منجذبة إلى قلب صراع إقليمي متصاعد، لم يعد بإمكانها البقاء بمنأى عن الصراع. منذ عام 2019، عندما هاجمت طائرات إيرانية بدون طيار منشآت النفط السعودية وخفضت مؤقتًا إنتاج المملكة من الطاقة، عمل بن سلمان على تجنب التصعيد الإقليمي – حيث بدأ في التهدئة مع إيران من أجل التركيز على الساحة الداخلية: لجذب الاستثمارات الأجنبية وضمان تدفق مستمر للنفط لتمويل رؤيته كثيفة الموارد.
لكن المملكة الآن لا تملك خياراً يُذكر سوى تعزيز دفاعاتها، وإعادة بناء البنية التحتية المدمرة، والاستثمار في خطط الطوارئ، والعمل على استعادة ثقة المستثمرين. وسيتطلب تخصيص المزيد من الموارد لهذا الغرض تأجيل مبادرات أخرى من رؤية 2030. حتى قبل الحرب، كانت الرياض تُعاني من أكبر عجز في ميزانيتها منذ خمس سنوات، قبل أن تُضاف إليها ضغوط مالية إضافية. وفي الوقت نفسه، يبدو الاستثمار الأجنبي والتمويل الخاص – اللذان كان من المفترض أن يُحركا القطاعات الجديدة – أقل احتمالاً.
ومع ذلك، من غير المرجح أن تُنهي هذه التحديات جهود تنويع الاقتصاد. فالحوافز لتقليل الاعتماد على النفط لا تزال قائمة، بل وتتزايد، نظراً لهشاشة وضع المملكة، إذ إن ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب قد يُقلل الطلب. ولكن مع تحويل الرياض للموارد إلى الاحتياجات العاجلة، سينخفض الاستثمار في الإصلاحات الاقتصادية، مما يُطيل المدة الزمنية لتحقيق أهداف رؤية 2030.
قد تستفيد بعض المبادرات الاقتصادية من الاضطرابات الإقليمية الراهنة. فبينما تبحث الأسواق عن طرق إمداد بديلة، تسعى السعودية إلى تحقيق هدفها في أن تُصبح مركزاً لوجستياً عالمياً، في منافسة مباشرة مع الإمارات العربية المتحدة. في عام 2025، عبرت أول شحنة تجريبية ميناءً جديدًا قيد الإنشاء في نيوم، مما قلل وقت العبور بين مصر والعراق إلى النصف، متجاوزًا مضيق باب المندب الذي يهدده الحوثيون. وفي منطقة الخليج، تسارعت وتيرة إنشاء مشاريع الخدمات اللوجستية عقب الحصار الإيراني لمضيق هرمز. وإذا ما استمر هذا الزخم ووُجّه بحكمة، فقد تُثبت هذه الاستثمارات جدواها.
من المزايا المحتملة الأخرى لرؤية السعودية 2030 في ظل الاضطرابات الإقليمية، المنافسة الاستراتيجية مع الإمارات العربية المتحدة. تسعى الإمارات بدورها إلى تقليل اعتمادها على النفط من خلال الإصلاحات الاقتصادية. وتركز خطط أبو ظبي للتنويع الاقتصادي على مجالات ترغب السعودية في تطويرها أيضاً، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم. ولكن على الرغم من تمتع أبو ظبي بالعديد من المزايا التنافسية على الرياض، بما في ذلك القوى العاملة الماهرة وتاريخها الطويل في الاندماج في الاقتصاد العالمي، لكن بيئتها الأمنية تبدو أكثر هشاشة. فمنذ 28 شباط، تعرضت الإمارات لهجمات إيرانية بمعدل يفوق معدل الهجمات في السعودية بثلاثة أضعاف. وبينما يُتوقع أن تعمل أبو ظبي على الحد من تعرضها للهجمات الإيرانية من خلال توسيع استثماراتها الأمنية، فإن موقعها الجغرافي غير المواتي مقارنةً بالسعودية قد يحوّل الاستثمارات العالمية نحو الرياض.
رؤية 2030 وعواقب الحرب
يساعد التزام السعودية برؤية 2030 في تفسير سلوكها خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. على الرغم من مواردها الاقتصادية الهائلة ونفوذها الإقليمي الكبير، امتنعت السعودية عن اتخاذ دور فاعل أو صياغة موقف واضح خلال الصراع، إذ ظلت تحركاتها العسكرية ضد إيران محدودة وهادئة عمدًا. واستندت سياستها بشكل رئيسي إلى تصريحات علنية تؤكد على ضرورة الاستقرار، إلى جانب نفيها المتكرر لدعم الحرب من الأساس، مع أن التقارير أشارت إلى أن بن سلمان شجع واشنطن على اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه طهران. وكانت النتيجة موقفًا حذرًا، بل ومترددًا، يهدف إلى تجنب المواجهة المباشرة مع إيران، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم الابتعاد كثيرًا عن الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
لكن هذا الضعف الظاهر ليس مجرد نتيجة للتردد السياسي، بل هو أيضاً نتيجة لحسابات استراتيجية دقيقة. فقد استثمرت القيادة السعودية معظم مواردها في رؤية 2030، ولذلك يُنظر إلى حرب إقليمية واسعة النطاق على أنها تهديد مباشر لمستقبل المملكة. ونظرًا لهذه القيود، اختارت الرياض سياسة توازن دقيق: تجنب المشاركة المباشرة في الصراع، والحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران، والاستمرار في الاعتماد على الردع الذي يوفره التحالف مع واشنطن. رغم أن هذه السياسة قد تبدو ضعيفة من الخارج، إلا أنها من وجهة نظر سعودية تعكس محاولة للتغلب على بيئة إقليمية لا يمكن التنبؤ بها مع الحفاظ على المصالح الاقتصادية والسياسية الأساسية.
يشير اجتماع هذه الديناميكيات إلى أنه لا ينبغي الحكم على رؤية 2030 بناءً على خطابها الطموح أو نجاحاتها الفردية. فهي في المقام الأول مشروع تغيير جزئي. سياسياً ورمزياً، كانت فعّالة إلى حد كبير، إذ رسّخت السلطة وأعادت تشكيل صورة المملكة عالمياً. اقتصادياً، تحقق تقدم في بعض المجالات، لكن لم يتحقق تحرر حاسم من الاعتماد على النفط. اجتماعياً، توسعت الحريات الشخصية بشكل مقيد، بينما تقلصت مساحة المشاركة والمسؤولية الجماعية.
لذا، فإن النتيجة الأرجح ليست الانهيار، بل الأداء دون المستوى المطلوب مقارنةً بالطموح. لقد أظهرت رؤية 2030 ما يمكن أن يحققه الحكم المركزي في فترة وجيزة، لكنها كشفت أيضاً عن قصور التنمية من أعلى إلى أسفل في غياب آليات التغذية الراجعة المؤسسية ورأس المال البشري الكافي. إن قدرة السعودية على تجاوز هذه المعوقات لا تعتمد بشكل كبير على المشاريع الضخمة أو الحملات التسويقية، بل على استعدادها للاستثمار في الأفراد والمؤسسات والحوكمة الرشيدة بما يتجاوز الأفق المستقبلي 2030.
يوئيل غوزانسكي
N12–1/6/2026