في وقتٍ تتسارع فيه وتيرة الصراع في السودان، وتتعاظم معه كلفة الحرب الإنسانية، عادت المحكمة الجنائية الدولية لتؤكد أن دارفور لم تغادر دائرة العدالة الدولية، وأن الجرائم المرتكبة في الإقليم لا تزال موضع تحقيق وملاحقة. فالإحاطة الأخيرة التي قدمتها نائبة المدعي العام أمام مجلس الأمن الدولي لم تقتصر على استعراض ما أُنجز من إجراءات، بل حملت مؤشرات قانونية لافتة بشأن تقدم التحقيقات واتساع نطاق الأدلة المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة المرتكبة بحق المدنيين.
وتكتسب هذه الإحاطة أهمية خاصة؛ لأنها قُدمت في إطار متابعة تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (1593) لسنة 2005، الذي أحال حالة دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، بما يجعلها محطة لتقييم مدى تقدم مسار المساءلة الدولية في واحدة من أكثر القضايا تعقيدا واستمرارا. وكشف مكتب الادعاء العام عن إحراز تقدم نوعي في جمع الأدلة وتحليلها، بما يعزز فرضيات المسؤولية الجنائية الفردية، ويقرب التحقيقات من مستويات قيادية يُشتبه في صلتها بالجرائم قيد النظر. ولا تنفصل هذه التطورات عن الواقع الميداني الحالي؛ إذ تتزامن مع استمرار الأعمال القتالية واتساع رقعة الانتهاكات في دارفور، الأمر الذي يضفي على جهود المحكمة بعدا يتجاوز التوثيق، إلى ترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب. وبينما تتفاقم معاناة المدنيين، تبدو المحكمة عازمة على المضي في مسارها القضائي.
في عالم تتغير فيه الأنظمة، وتتبدل التحالفات، وتتعاقب الحكومات، تبقى ذاكرة الضحايا حية، وتظل الأدلة شاهدة على ما وقع، في انتظار اللحظة التي تلتقي فيها الحقيقة بالمحاسبة
أعلنت نائبة المدعي العام، أن التحقيقات شهدت تطورا نوعيا وصفته بـ«الاختراق المهم»، بعدما تمكن المحققون من إحراز تقدم في جمع الأدلة التي تربط الجرائم المرتكبة على الأرض بمستويات قيادية عليا، بما يعزز مسار تحديد المسؤولية الجنائية الفردية وفق قواعد القانون الجنائي الدولي. وأوضحت كذلك أن مكتب الادعاء العام اعتمد في بناء ملفاته على طيف واسع من الأدلة، شمل شهادات الضحايا والناجين، التي جُمعت في مخيمات اللجوء، والصور التي وثقت الهجمات، والوثائق التي حفظتها المنظمات الدولية، والأدلة الرقمية، إلى جانب الوثائق والمعلومات التي جُمعت من مصادر متعددة داخل السودان وخارجه، في إطار عملية تحقيق وصفتها بالمنهجية والمستمرة. وأضافت أن المواد التي جرى توثيقها تتناول أنماطا متعددة من الانتهاكات، من بينها جرائم القتل، والإعدامات خارج نطاق القضاء، والعنف الجنسي، والهجمات الموجهة ضد المدنيين، والتطهير العرقي، وهي وقائع تخضع للتقييم القانوني في ضوء أحكام نظام روما الأساسي. وأكدت أن مكتب الادعاء بات يمتلك أسبابا معقولة للاعتقاد بأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت، ولا تزال تُرتكب، في دارفور حتى الآن، الأمر الذي يفرض مواصلة التحقيقات، وتسريع إجراءات المساءلة بحق المسؤولين عنها. وأكدت في بيانها أن التحقيقات في ملف دارفور لا تزال مستمرة، وأن النزاع الذي اندلع في السودان في أبريل 2023 منح الملف بعدا جديدا. فلم يعد اهتمام المحكمة مقتصرا على الجرائم التي شكلت أساس الإحالة، بل امتد ليشمل الانتهاكات التي يُشتبه في استمرار ارتكابها في سياق النزاع الراهن، في إطار الولاية القضائية ذاتها، بما ينسجم مع مبدأ استمرارية المساءلة عن الجرائم الدولية. وبذلك اكتسبت الإحاطة الأخيرة أهمية تتجاوز كونها تقريرا دوريا أو كشفا إجرائيا فحسب، أمام مجلس الأمن عن سير التحقيقات. فتوقيتها حمل دلالات قانونية لا تقل أهمية عن مضمون التحقيقات نفسها، فقد اعتُبرت إعلانا بأن مكتب الادعاء لا يكتفي بتوثيق الجرائم السابقة، وإنما يراقب التطورات الميدانية الحالية ويجمع الأدلة بشأن الوقائع المستجدة، في رسالة واضحة إلى جميع الأطراف المنخرطة في النزاع الحالي، مفادها أن الجرائم الدولية تخضع للرصد والتوثيق بصورة مستمرة، وأن تعاقب الزمن أو تبدل موازين السيطرة العسكرية، أو تغير الوقائع السياسية لا يحول دون مساءلة المسؤولين عنها متى توافرت الأدلة القانونية الكافية، في ظل مؤشرات متزايدة على استمرار أفعال قد ترقى، وفق التوصيف القانوني، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي هذا السياق، أولت المحكمة مدينة الفاشر جانبا رئيسا من الإحاطة، بوصفها إحدى أكثر المناطق تأثرا بالعمليات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة، حيث أشار مكتب الادعاء إلى تلقي معلومات تتعلق بهجمات استهدفت أحياءً سكنية، واعتداءات طالت المدنيين، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، فضلا عن مزاعم بارتكاب أعمال قتل، وعنف جنسي، وتهجير قسري، وهي وقائع يجري تقييمها في إطار التحقيقات الجارية لتحديد طبيعتها القانونية والمسؤولية الجنائية الناشئة عنها. ولم تقتصر الإحاطة على التطورات الراهنة، بل أكدت كذلك استمرار التحقيقات في الانتهاكات التي شهدتها مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور منذ عام 2023، والتي تُعد من أكثر الوقائع تعقيدا، من حيث حجم الانتهاكات وتعدد مرتكبيها. ويعكس استمرار العمل على هذه الملفات نهجا تتبعه المحكمة يقوم على تتبع الأنماط الإجرامية، عبر مختلف مراحل النزاع، وربط الوقائع الميدانية بسلاسل القيادة، تمهيدا لتحديد المسؤولية الجنائية الفردية. ولهذا يمكن القول إن ملفات دارفور لم يكن مرور السنوات سببا في نسيان ما حدث، أو أن الجريمة واقعة انتهت بانتهاء القتال، فالأدلة لا تختفي بمرور الزمن، وإنما حدثٌ يمكن إعادة بنائه قانونيا كلما ظهرت أدلة جديدة أو تعززت الأدلة القائمة.
وبعد أن قطعت التحقيقات شوطا في توثيق الوقائع وجمع عناصر الإثبات، يبقى السؤال المركزي: من يتحمل المسؤولية عن هذه الجرائم داخل هياكل القيادة؟ سواء تعلق الأمر بمن أصدر الأوامر، أو بمن نفذها، أو بمن امتلك سلطة فعلية على القوات أو العناصر المرتبطة بالجرائم، وكان يعلم، أو كان ينبغي أن يعلم، بوقوعها، ولم يتخذ التدابير اللازمة لمنعها أو وقفها. لأن من شأن اكتمال العناصر القانونية والأدلة اللازمة أن يفتح الطريق أمام خطوات قضائية لاحقة، فجوهر العدالة الدولية لا يكمن فقط في إثبات وقوع الانتهاك، وإنما في الانتقال من حقيقة الجريمة إلى تحديد الأشخاص الذين يمكن إسناد المسؤولية الجنائية إليهم، بما في ذلك طلب إصدار أوامر قبض، أو اتخاذ إجراءات أخرى وفق أحكام نظام روما الأساسي. ولهذا ركزت المحكمة في إحاطتها الأخيرة على التقدم المحرز في تحديد الصلات بين الجرائم المرتكبة في دارفور والأشخاص الذين قد تكون لهم أدوار في ارتكابها أو السماح بوقوعها. فاختصاص المحكمة لا ينصرف إلى الدول أو الحكومات، وإنما إلى الأفراد، باعتبار أن المسؤولية الجنائية في القانون الدولي هي مسؤولية شخصية لا تزول بتغير المناصب، أو تبدل الظروف السياسية والعسكرية. كما تجسد الإحاطة التزام المحكمة الجنائية الدولية بأن يظل الضحايا والناجون في صميم عملها، وأن تكون إفاداتهم وشهاداتهم أساسا في مسار كشف الحقيقة وإقامة العدالة. ويكتسب هذا الالتزام بعدا أعمق إذا ما استُحضر أن عددا كبيرا من الشهود خاطروا بحياتهم من أجل إيصال رواياتهم إلى المحكمة، في دليل واضح على إيمان الضحايا بأن العدالة، مهما تأخرت، تظل ممكنة وقادرة على إنصافهم.
وفي الختام، بعد أكثر من عقدين من الزمن على مأساة دارفور، تؤكد الإحاطة أن الجرائم الدولية قد تتأخر محاسبتها، لكنها لا تغيب عن دائرة العدالة. ففي عالم تتغير فيه الأنظمة، وتتبدل التحالفات، وتتعاقب الحكومات، تبقى ذاكرة الضحايا حية، وتظل الأدلة شاهدة على ما وقع، في انتظار اللحظة التي تلتقي فيها الحقيقة بالمحاسبة. وحملت أيضا رسالة أوسع إلى المجتمع الدولي، مفادها أن دارفور ما تزال قضية مساءلة دولية مفتوحة، وأن استمرار النزاع وتفاقم الكارثة الإنسانية هناك يعززان الحاجة إلى المحاسبة، ولا يبرران تأجيلها، وأن العدالة الدولية تقوم على مبدأ أن الزمن لا يمحو الجريمة، فقد يطول انتظار الضحايا، لكن الالتزام بملاحقة مرتكبيها سيظل قائما متى توافرت الأدلة والإرادة القانونية.
كاتبة مصرية