على ترامب التركيز على الضفة الغربية ونزع فتيل الانفجار الوشيك فيها


لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لأزريل بيرمانت، الباحث في معهد الشؤون الدولية ببراغ، قال فيه إن على الرئيس دونالد ترامب التركيز على الضفة الغربية ومنع اشتعالها بعد فشل خطته في غزة.

وأشار بداية إلى إعلان إدارة ترامب في نهاية تموز/يوليو عن موافقة حركة حماس على بنود خارطة طريق تشمل نزع سلاحها، مع أنه من المستبعد، على ما يبدو، أن تلتزم إسرائيل أو حماس بالشروط المزعومة، مشيرا إلى أن المرونة الظاهرة التي أبدتها حماس ما هي إلا تكتيك للمماطلة لضمان بقائها السياسي على المدى الطويل، إذ سبق لمسؤولي الحركة أن أوضحوا أنها لن تتخلى عن أسلحتها قبل انسحاب جميع جنود الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة.

وقال إن ما أطلق عليها خارطة طريق غزة لا تملك فرصة كبيرة للنجاح بسبب معضلة كلاسيكية: فإسرائيل لن تنسحب بالكامل من غزة ما لم تنزع حماس سلاحها، وحماس لن تنزع سلاحها ما لم تنسحب إسرائيل. لذا، لم يكن مفاجئا رفض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرا لخطة ترامب للسلام في غزة. فالتنازلات لحماس ستقابل برفض شديد من ناخبي اليمين في إسرائيل قبيل الانتخابات المقررة في تشرين الأول/أكتوبر.

التنازلات لحماس ستقابل برفض شديد من ناخبي اليمين في إسرائيل قبيل الانتخابات المقررة في تشرين الأول/أكتوبر

وكما يظهر سيل “الصفقات” المزعومة مع إيران، فقد اعتاد العالم على تصريحات ترامب الرنانة التي لا أساس لها من الصحة. ولكن لا يعني هذا أن إدارة ترامب مخطئة في محاولتها وقف الحرب في غزة، إلا أن المشكلة الأكبر تكمن في مكان آخر: فبينما تسعى واشنطن جاهدة لتحقيق مكاسب غير مسبوقة في غزة، تتجاهل أزمة متفجرة تلوح في الأفق في الضفة الغربية، وهي أزمة في متناول يدها للسيطرة عليها.

ويضيف الكاتب أن العنف في الضفة الغربية يتغذى جزئيا من خيارات السياسة التي اتخذها البيت الأبيض نفسه. فمن خلال إلغاء عقوبات إدارة بايدن على جماعات المستوطنين العنيفة وتقاعسها عن كبح جماح حليفها، تتحمل إدارة ترامب جزءا كبيرا من المسؤولية عن تشجيع المتطرفين المستوطنين الإسرائيليين.

وقال إن العنف الفلسطيني التقليدي تراجع في الضفة الغربية وبشكل ملحوظ. ففي تقييم نشر في كانون الثاني/يناير، أفاد الجيش الإسرائيلي بأن العمليات التي يقوم بها فلسطينيون في الضفة الغربية قد انخفضت بنسبة 78%. ومع ذلك، فإن خطر اندلاع موجة عنف فلسطينية شاملة لا يزال قائما. كما أن أي تصعيد من شأنه أن يخدم مصالح حكومة نتنياهو قبل انتخابات تشرين الأول/أكتوبر، إذ سيوحد قاعدتها اليمينية المتطرفة ويثير الانقسام بين صفوف المعارضة الإسرائيلية.

وأضاف الكاتب أن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) حذرا دائما من انفجار وشيك في الضفة الغربية، حيث تظهر التطورات الأخيرة مدى اشتعال الوضع. لكن هذه المرة، ليست الجماعات الفلسطينية المسلحة هي من تؤجج النيران عمدا، بل الحكومة الإسرائيلية. فقد استغل وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضا مناصب وزارية في وزارة الدفاع، هذه الصلاحيات لتغيير السياسة المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية.

وتم تقنين ما لا يقل عن 104 مستوطنات منذ تولي حكومة نتنياهو الحالية السلطة عام 2022. وكان هدف سموتريتش المعلن هو القضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية، وهو لا يخفي طموحه لضم الضفة الغربية. وقد أدى انتشار البؤر الاستيطانية والمزارع المجاورة للقرى الفلسطينية إلى توترات مستمرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وتشن عصابات من المستوطنين هجمات منتظمة على القرى الفلسطينية، ملحقة أضرارا بالممتلكات ومتسببة في نفوق الماشية.

ورغم أن تدنيس المستوطنين للمساجد في الضفة الغربية ليس بالأمر الجديد، إلا أن هذه الهجمات، بما فيها حرقها، قد ازدادت وتيرتها منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وفي حديثه لقناة “كان نيوز” في حزيران/يونيو، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت هذه الهجمات بأنها حملة منظمة من “التطهير العرقي” و”المذابح” ضد الفلسطينيين، ينفذها المستوطنون، غالبا بدعم فعلي من وحدات الجيش الإسرائيلي وقوات الشرطة. وتقدر الأمم المتحدة أن 18 فلسطينيا قتلوا حتى الآن في الضفة الغربية جراء هجمات نفذها مستوطنون في عام 2026.

ويزعم نتنياهو أن العنف ناجم عن أقلية ضئيلة من المنحرفين، مع أن هذا العنف ينشره فعليا ويديره متطرفون يحظون بدعم واسع من الحكومة الإسرائيلية.

وقد تساهل وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مع أكثر المستوطنين عنفا. وفي الماضي، أصدرت الحكومات المتعاقبة أوامر اعتقال إداري بحق المستوطنين الإسرائيليين العنيفين الذين شكلوا تهديدا واضحا للأمن العام. وعند توليه منصبه، ألغى كاتس تلك الأوامر لكسب ود قاعدته اليمينية. وتنسجم الاعتداءات على الفلسطينيين مع وزراء الحكومة، مثل سموتريتش، الذين لا يخفون رغبتهم في خروج الفلسطينيين من الضفة الغربية نهائيا.

وقال بيرمانت إن العديد من الإسرائيليين زاروا الضفة الغربية تضامنا مع الفلسطينيين وحمايتهم من هجمات وحشية من قبل المستوطنين.

وأضاف أن العنف متفش، ويحدث أيضا داخل إسرائيل نفسها. في إحدى الحالات المروعة، نقل ناشط إسرائيلي مسن إلى المستشفى مصابا بنزيف دماغي بعد تعرضه للاعتداء لإزالته لافتة تطالب بالإفراج عن يغال عمير، المحكوم عليه بالسجن المؤبد بتهمة اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين.

وحتى لو شعر قائد القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي، الجنرال آفي بلوث، وهو نفسه مستوطن متدين، بأنه مضطر للجوء إلى المحاكم الإسرائيلية لوقف إطلاق سراح مشتبه به إسرائيلي متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد فلسطينيين، إلا أنه يشعر بأن الخطوط الحمراء قد تم تجاوزها. كما يكشف تدخله أن عنف المستوطنين قد خرج عن السيطرة.

بالنسبة لكاتس، فقد اعتبر تدخل بلوث تحديا لسلطته، وهو ما دفعه إلى إعلان عزله على الهواء مباشرة عبر التلفزيون. وكان كاتس قد اتخذ سابقا خطوة استثنائية بزيارة المشتبه به المحتجز في زنزانته قبل أن يأمر قوات الأمن بإنهاء أمر الحماية الإداري الصادر بحقه. وبعد ردود فعل سلبية من الجيش الإسرائيلي وانتقادات شعبية من اليمين واليسار، اضطر كاتس لاحقا إلى التراجع.

امتنعت إسرائيل مجددا عن سداد مدفوعات الإيرادات الضريبية (المقاصة) المستحقة للسلطة الفلسطينية، وهذه المرة بهدف واضح هو إحداث انهيار مالي للسلطة الفلسطينية

وفي الوقت نفسه، امتنعت إسرائيل مجددا عن سداد مدفوعات الإيرادات الضريبية (المقاصة) المستحقة للسلطة الفلسطينية، وهذه المرة بهدف واضح هو إحداث انهيار مالي للسلطة الفلسطينية. كما حذر مايكل ميلشتين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في جامعة تل أبيب، في بودكاست منتدى السياسة الإسرائيلية، قائلا إن الجهود المبذولة لإضعاف السلطة الفلسطينية تنطوي على مخاطر جسيمة. فمن جهة، يزداد خطر الاشتباكات بين الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية. وفي ظل تصاعد الهجمات على الفلسطينيين، قد ترى قوات الأمن الفلسطينية أنها لم تعد قادرة على الوقوف مكتوفة الأيدي، مما يزيد بشكل كبير من خطر نشوب صراع مسلح بين الجيش الإسرائيلي وقوات السلطة الفلسطينية.

 

وعليه، يقول الكاتب إن إدارة ترامب لديها فرصة أكبر لممارسة نفوذ حاسم على السياسة في الضفة الغربية مقارنة بقطاع غزة. ويملك ترامب نفوذا حقيقيا على نتنياهو، الذي لا يستطيع تحمل مواجهة علنية مع واشنطن.

ومن شأن إعادة فرض العقوبات على المستوطنين المتطرفين أن ترسل إشارة واضحة لا لبس فيها إلى إسرائيل.

وكان نائب الرئيس جيه دي فانس هو أول من عبر عن نفاد صبره تجاه الحكومة الإسرائيلية عندما قال: “إنهم يقترحون صراعا لا نهاية له ويريدون استمرار هذا الصراع حتى تسقط كل قنبلة أو حتى يموت كل إيراني”.

والسؤال المطروح هو: هل لدى واشنطن الجرأة على تصعيد الأمور؟ في نهاية المطاف، نتنياهو هو من سيخسر أكثر بكثير، فمكانته السياسية الداخلية تعتمد بشكل كبير على علاقته الفريدة المزعومة مع رئيس أمريكي لا يزال يتمتع بشعبية في إسرائيل. وقد أثبتت الحملة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران أنها كارثة محرجة، ولا يوجد ما يمنع ترامب الحاقد من جعل نتنياهو كبش فداء.

وإذا انهارت هذه العلاقة، فسيكون ذلك كارثيا من الناحية السياسية على نتنياهو. كما أنه إذا اندلعت الحرب في الضفة الغربية، فإن أي خارطة طريق حالية أو مستقبلية لغزة ستنهار تماما. قد يرى نتنياهو أن تحدي واشنطن خطوة سياسية ذكية قبل الانتخابات المقبلة. لكن تعريض العلاقات مع الولايات المتحدة للخطر ينطوي على مخاطر جسيمة على الرأي العام الإسرائيلي. وإذا كان ترامب يريد حقا أن ينظر إليه كصانع سلام، فعليه أن يبدأ باستخدام نفوذه. ويبدأ ذلك بتحقيق الاستقرار في الضفة الغربية والانطلاق من هناك.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *