«خلاصنا» لإيمانويل مار… الفاشية حين ترتدي ربطة عنق


كان – «القدس العربي»: ليست أكثر صور الشرّ رعباً تلك التي تأتي على هيئة الوحوش الصريحة، أو الجلادين ذوي القلوب القاسية، بل تلك التي ترتدي حُلة موظف حكومي أنيق، يحمل ملفات، ويتحدث عن الكفاءة وإدارة الموارد والمصلحة الوطنية، بينما يوقّع، بهدوء كامل، على أوامر ترحيل البشر إلى موتهم.
هذا تحديداً ما يفعله إيمانويل مار في فيلمه «خلاصنا»، الذي فاز بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان السينمائي في دورته التاسعة والسبعين (12 إلى 23 مايو/أيار الجاري)، ليس لأنه يقدّم لنا وحشاً سادياً متعطشاً للدماء، بل لأنه يصرّ على أن بطله كان رجلاً عادياً تماماً. وربما لهذا السبب يبدو الفيلم مخيفاً إلى هذا الحد.
مار لا يصنع فيلماً عن النازية بقدر ما يصنع فيلماً عن التواطؤ، عن تلك المنطقة الرمادية التي يفضّل كثيرون الاعتقاد أنهم لن يسقطوا فيها أبداً. عن الإنسان الذي لا يرى نفسه شريراً، ولا حتى معادياً للسامية بالمعنى التقليدي، لكنه يواصل العمل داخل آلة الجريمة، يبرّر، ويؤجل، ويقنع نفسه بأن دوره إداري فقط. يرسخ الفيلم فكرة أن المجازر الكبرى لا تحتاج دائماً إلى مؤمنين متطرفين، بل يكفيها عدد كافٍ من الرجال الطموحين، الجبناء، والانتهازيين.
الفيلم مستوحى من شخصية حقيقية: هنري مار، الجد الأكبر للمخرج نفسه، الموظف في حكومة فيشي المتعاونة مع الاحتلال النازي في فرنسا. ومنذ هذه النقطة تحديداً، يصبح الفيلم أكثر جرأة وتعقيداً، فإيمانويل مار لا يحاول تبرئة جده، ولا يسعى إلى تقديم معالجة تصالحية للعائلة أو التاريخ، على العكس، يبدو كأنه يجرّد الرجل من كل الأعذار الممكنة، ويضعه تحت مجهر لا يرحم، متسائلاً: كيف يتحوّل إنسان محدود الموهبة، مهووس بالصعود الاجتماعي، إلى ترس فعّال داخل ماكينة الإبادة؟
سوان أرلو، في واحد من أفضل أدواره، يمنح هنري مار حضوراً يثير النفور والشفقة في الوقت نفسه. هنري ليس كاريزمياً بما يكفي ليكون قائداً، ولا ذكياً بما يكفي ليكون منظّراً حقيقياً، لكنه يمتلك ذلك النوع من الطموح الصغير والخطر: طموح الرجل الذي يريد أن يشعر بأهميته بأي ثمن. هناك شيء مثير للشفقة فيه منذ البداية، وهو يتجوّل بين صالونات أصحاب النفوذ في فيشي محاولاً التسلل إلى الدوائر المؤثرة، موزعاً نسخاً من كتيّبه السياسي «خلاصنا» الذي يتحدث فيه عن إنقاذ فرنسا بلغة متضخمة ومشوّشة، تكشف أكثر مما تخفي عن فراغه الفكري. لكن الفيلم لا يسخر منه فقط، هذه هي قوته، فهو يدرك أن التاريخ لا يصنعه دائماً الأذكياء أو المؤمنون الحقيقيون بالأيديولوجيا، بل كثيراً ما يصنعه أشخاص تافهون يريدون فقط أن يجدوا لأنفسهم مكاناً قرب السلطة. هنري ليس نازياً عقائدياً بالمعنى الصارم، لكنه أيضاً لا يمتلك الشجاعة الأخلاقية لرفض النظام الذي يخدمه، وكلما ارتقت مرتبته الوظيفية داخل نظام فيشي، ازداد غرقه فيها. اللافت أن مار يصوّر هذه السقطة الأخلاقية بطريقة بطيئة وخانقة لا توجد لحظة تحوّل درامية واضحة، ولا مشهد سقوط تقليدي. كل شيء يحدث بالتدريج، تقريباً. في البداية تبدو المهام إدارية وعادية، تتكون من تقارير، وتنظيمات، وحسابات، واجتماعات، ثم فجأة يبدأ الحديث عن القطارات التي ستستخدم لنقل اليهود، عن جمع اليهود، عن استخدام قطارات نقل الماشية لنقل اليهود وجمع أكبر عدد منهم في أقل عدد من القطارات، عن كلفة وضع القش داخل عربات النقل إذا أراد المنقولون قضاء حاجتهم، عن الحاجة إلى مراحيض متنقلة. التفاصيل البيروقراطية الباردة التي تكشف، من دون خطابات، كيف تتحوّل اللغة نفسها إلى أداة لإخفاء الرعب.
وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الفيلم ذكاءً: الشر لا يظهر دائماً في صورة الدم، بل أحياناً في صورة المصطلحات الإدارية، واستخدام كلمات إدارية عن الكفاءة والحد من النفقات، لتصبح اللغة قناعاً أخلاقياً، والموظفون يقنعون أنفسهم بأنهم لا يرسلون بشراً إلى الموت، بل ينظمون عملية نقل.
مار يفهم جيداً أن أخطر ما في الأنظمة الفاشية، ليس فقط قدرتها على القمع، بل قدرتها على تحويل البشر العاديين إلى منفذين مطيعين يواصلون حياتهم اليومية بشكل شبه طبيعي. ولهذا يبدو الفيلم، رغم طابعه التاريخي، معاصراً بشكل مخيف. ليس لأنه يقدّم إسقاطات مباشرة أو خطابات سياسية واضحة، بل لأنه يذكّرنا بسهولة اعتياد الإنسان على ما لا يمكن اعتياده.
يتعامل الفيلم مع هذه الفكرة بجرأة لافتة، فبينما تصور معظم المشاهد بواقعية تاريخية دقيقة، يفاجئنا مار أحياناً بأغانٍ وموسيقى البوب من الثمانينيات التي تتداخل بشكل متعمد مع عالم الأربعينيات. هذه الاختيارات قد تبدو نافرة للوهلة الأولى، لكنها تمنح الفيلم طابعاً كابوسياً، كأن الماضي يتسرّب فجأة إلى الحاضر، أو كأن الفاشية ليست شيئاً انتهى فعلاً، بل شبح يتكرر بأشكال مختلفة.
وربما لهذا السبب تبدو حفلات فيشي في الفيلم مرعبة أكثر من مشاهد الحرب نفسها. فالنازيون هنا ليسوا محور الصورة دائماً. إنهم يحضرون أحياناً في الخلفية، في الفنادق والمكاتب والصالونات، بينما يواصل الفرنسيون الرقص والشرب والصعود الاجتماعي، كأن الرعب الحقيقي ليس في الجنود الألمان وحدهم، بل في قابلية المجتمع للتكيّف مع وجودهم. الفيلم أيضاً ذكي في تصوير العلاقة بين هنري وزوجته بوليت، التي تدرك تدريجياً ما الذي يتحوّل إليه زوجها، وتبدأ المسافة الأخلاقية بينهما بالاتساع، وحتى الشقة الجديدة التي تنتقل إليها العائلة، والتي كانت مملوكة سابقاً لعائلة يهودية، تتحوّل إلى رمز صامت للتواطؤ، على حياة مريحة بُنيت فوق تهجير وإبادة آخرين.
ورغم طول الفيلم النسبي، فإن مار ينجح غالباً في الحفاظ على توتره الأخلاقي. صحيح أن بعض المقاطع تبدو مترهلة، أو متكررة، لكن هذا التكرار نفسه يصبح أحياناً جزءاً من الفكرة المتمثلة في رتابة البيروقراطية التي تجعل الجريمة تبدو عملاً يومياً عادياً. الأهم أن الفيلم يرفض تماماً منح بطله لحظة خلاص مريحة. لا صحوة كبرى، ولا بطولة متأخرة، ولا اعتراف يطهّر الضمير. هنري يدرك متأخراً أنه خدم نظاماً يحتقره بدوره، لكنه لا يتحوّل فجأة إلى إنسان آخر. يبقى، حتى النهاية، ذلك الرجل الصغير الذي أراد أن يكون رجلاً مهماً، فاكتشف أنه لم يكن سوى موظف آخر داخل ماكينة الموت.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *