العنف.. معدن الدولة الإسرائيلية


يجري الآن، بعد تداعيات طوفان الأقصى، تأصيل ظاهرة العنف في الدولة الصهيونية القائمة في الشرق الأوسط. فقد تلازم العنف كظاهرة سياسية وأيديولوجية وأسطورية في سلطة عسكرية يهودية بالأساس، حاولت أن تجد شرعية لنفسها خارج شرعية الدولة الوطنية، التي تستمد قانونيتها ومعقوليتها من الوطن القائم، ومن تزكية دولية قائمة أيضا. غير أن الدولة العبرية في الجوهر والأساس، أرادت لنفسها وجهة أخرى، أن تلتمس العنف كسبيل الى تحقيق الأمر الواقع والوضع الذي لا بد منه، كما أرادت لها القوى الكبرى المتَنَفِّذة في العالم، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبقايا الدول ذات المراجع الاستعمارية والتاريخ الإمبراطوري والإمبريالي.
إسرائيل، مخزون من العنف لها ولغيرها، أي العنف المتوَلَّد من صراعها مع العرب والمسلمين، والعنف المُكَلَّفة به من قبل القِوى التي أسنَدت لها مهمَّة احتلال الأراضي العربية، والتصدي للمقاومة المسلحة منها والسياسية. فقد تَرَكّب العنف في دواليب وأجهزة السلطة العِبْرية، واسْتَغْلَقت عليها السياسة بالقدر الذي أعْمَاها عن أي بوادر السلام، حتى إن تورطت في طريق السلام إلا أنها سرعان ما تعود القَهْقرى إلى سياسة العصا الغليظة، التي تُذَكّر دائما بالعنف والقهر والموت والدمار والخراب والإبادة الجماعية والتجريف العام. فعندما يكون معدن السلطة والحكم هو العنف، فلا يمكن إطلاقا أن يظهر أمل بالسلام والأمن والحكم السَّلِس المتواصل مع العالم المعاصر، الذي تقوم وحداته السياسية على الشَّرعية الوطنية والدولية.
الوجه البغيض في الحالة الإسرائيلية، أن مَعْدَنها السياسي من الأجهزة العسكرية التي خَزَّنتها خدمة للمشروع الإمبريالي والاستعماري، الأمر الذي جعل جيشها جيشا احتلاليا آثما، ومن فرط التَّمادي في هذا المسلك الحربي والعنف المجاني البغيض تَأثرت أجهزة الدولة برمتها، وصارت عنيفة ولا تعيش الا بالعنف.

عندما يكون معدن السلطة والحكم هو العنف، فلا يمكن أن يظهر أمل بالسلام والأمن والحكم السَّلِس مع العالم المعاصر، الذي تقوم وحداته السياسية على الشَّرعية الوطنية والدولية

وعليه، أو هكذا يجب أن نحلل العنف في الحالة الإسرائيلية، بأنه عنف من طراز شاذ لأنه لا يجاري ما تواضعت عليه كل الدول القومية، التي تأسست في تاريخنا الحديث والمعاصر، عندما راحت تقيم مؤسسات الحكم والتسيير على شرعية العنف الداخلي، الذي يحمي الدولة من الداخل وليس من الخارج إلا في حالات التهديد.
العنف الشرعي لجهاز الدولة، على ما حدده المفكر وعالم الاجتماع الألماني ماكس ويبر، مطلع القرن العشرين، يُلتمس من أجل السلامة والأمن الداخلي، وليس لتسخير الإمكانات المادية والأسطورية والدينية والتاريخ الفاسد منه والصحيح، من أجل الاعتداء على الآخرين، بالأصالة عن الذات ونيابة عن الآخرين من ذوي النعمة والأبوية والمرجعية، على ما هو عليه كيان صهيوني غاشم، يعبث بالمنطقة العربية، ويقتل الشعب الفلسطيني على رؤوس الأشهاد والملأ الأعظم من البشر.. دونما رادع ولا عارض. فالجمع بين العنف الداخلي والخارجي هو الذي أوصل الكيان العِبْري الى العنف المطلق..
تعاني إسرائيل من حالة امتلاء جعبتها بالعنف القاتل والآثم، أفضى في السنوات الأخيرة، بعد إخفاق اتفاقيات أوسلو ومدريد وكامب ديفيد واغتيال إسحاق رابين عام 1995، إلى فيض من آثاره المدمرة على مناطق أخرى مجاورة من «إسرائيل» وبعيدة عنها، ومرشحة دائما الى المزيد. وطوفان الأقصى من هذه الناحية هو محاولة لكسر هذا المعدن الذي يتربص بالمنطقة والعالم برمته، والمحاولة كانت بتقديم الشهادة في سبيل الوطن الفلسطيني وفي سبيل حماية العالم من الخطر اليهودي الداهم والماجن. فالواقع يؤكد أن العنف الإسرائيلي بلغ مرحلته الأعلى، كما كانت الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية الاستعمارية على رأي الزعيم الروسي فلاديمير لينين. ووصول العنف السياسي والعسكري والأمني العِبْري الى هذا المستوى هو الذي يجب أن يُجْبر كل العالم على التدخل لكسر العنف في كيان يهودي صهيوني لا يقوى على العيش الآمن والسلامة الهادئة والعافية الطويلة الأمد على ما يوصي به ميثاق هيئة الأمم المتحدة.
بعد أكثر من سنتين من «طوفان الأقصى»، ماذا قدمت إسرائيل إلى العالم وليس للشعب الفلسطيني فقط؟ قدمت ما يفيد ويؤكد أن هذا الكيان مصنوع من معدن العنف، وأنه كيان يضمر القوة والبطش، وأنه يستبطن ويحتكر لوحده، دون دول العالم، كل مفردات العنف والإرهاب، ويسعى بكل ما أوتي من جهد ومال ودهاء وقلة أخلاق وحياء على صناعة أجهزة العنف وتنويع أشكالها، بما في ذلك الأجهزة المدنية والسلمية على ما يؤكد ذلك تاريخها الحافل بالاغتيالات والتصفيات والقتل الجماعي، والإرهاب المؤسساتي، والإبعاد والتهجير القسري، والتواطؤ السافر والتآمر وحبك الدسائس والاحتيال مع الصديق كما مع العدو، نهايتها دائما الغدر ثم الغدر، ولا شيء غير الغدر. الدوائر الرسمية ذات المرجعيات الاستعمارية والأصول الإمبريالية التي قامت بتصفية اليهود طوال تاريخيها الحديث والمعاصر، هي وحدها التي لا تزال تفهم وتتفهم العنف الإسرائيلي بأنه ناجم عن تكليف عصابة من الصهاينة من ذوي الأصول الأوروبية الغربية ببناء دولة استثنائية وغريبة عن أرض فلسطين وبلاد العرب. واليوم، تَشَكَّل العنف ونَفَذَ الى أجهزة الكيان الإسرائيلي، ولم يعد يعرف الا البطش والتدمير والإعدام الفردي والإبادة الجماعية. فقد زاد منسوب العنف طردا مع حالة الخوف الوجودي المفزع لليهود في إسرائيل، دولة بلا إقليم آمن ولا شعب واضح، ولا سلطة شرعية، الأمر الذي يفضي بقوة رهيبة الى حضور الوَلي والعرّاب وصاحب العناية والرعاية، أي الغرب ويمثله اليوم أمريكا، يزداد العنف مع وصول ممثل الحزب الجمهوري الى الحكم في أمريكا، ومعه يزيد الخوف في إسرائيل الذي يدفع إلى مزيد من القتل والاعتقال والإبعاد والتضييق عبر الحروب العدوانية أو الاحتلال الاستيطاني المباشر لما بقي من الأراضي الفلسطينية المنهوبة دائما.
و»طوفان الأقصى» جاء من أجل أن يكسر هذا الوهم الكبير الذي سوّقته إسرائيل مع الغرب طوال تاريخ احتلالها للأرض العربية، تجاوبت معه بعض الأنظمة، وليس الشعوب، العربية خاصة في ما عرف باتفاقيات إبراهام، وليس الإبراهيمية التي ترمي إلى تصفية المسألة الفلسطينية، عبر سياسة مقايضة السلامة والأمن العربي بالعنف الصهيوني، أي الاعتراف، في نهاية المطاف والتحليل الأخير أن إسرائيل دولة من معدن العنف، ولا حيلة للعرب إلا بالاعتراف بهذا المنتوج السياسي الغربي الجديد الذي أطلق عليه اسم غير معّرف كما ينبغي وغير معروف في الدوائر الدولية إلا بخروجه عن القانون الدولي والأعراف الأخلاقية والدبلوماسية.
يجب على العالم أن يقر بهذه الوحدة السياسية الجديدة والغريبة عن أصول العلاقات الدولية، لأنها مشكلة من معدن خاص، اسمه العنف، ولا يقوى على السلامة ولا الأمن، وأن هواجس العنف تطارده دائما نحو الدسائس و لخداع والاحتيال.

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *