العراق بين مطرقة الفصائل وسندان الفساد


منذ 14 أيار/ مايو الماضي، حين منح مجلس النواب العراقي الثقة لـ 14 وزيراً من أصل 23، تعيش حكومة علي الزيدي وضعاً عالقاً ناجماً عن غياب بقية الحقائب، وبينها وزارات سيادية مثل الداخلية وأخرى حيوية مثل التعليم العالي، وهما من حصة ائتلاف «دولة القانون» الذي يتزعمه رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي.
وفي الآن ذاته يعتمد استمرار مشاورات تشكيل الحكومة على قرارات المحكمة الاتحادية بصدد البتً في طعون تقدم بها خمسة وزراء لم يحصلوا على ثقة مجلس النواب، وتدور اعتراضاتهم على ادعاءات بوجود مخالفات إجرائية خلال جلسة منح الثقة.
ولأن تكليف الزيدي برئاسة الحكومة كان في الأصل صفقة تسوية جراء اعتراض الولايات المتحدة على تكليف نوري المالكي، واضطرار «الإطار التنسيقي» الشيعي إلى الخضوع لتهديد مباشر من واشنطن، فإن تشكيل الحكومة صار أشبه بعملية قيصرية مفتوحة تتجاذبها منازعات القوى السياسية العراقية وما تفترضه من حصص في الحقائب، قائمة على اعتبارات مذهبية أو إثنية أو مناطقية وليس على قاعدة الكفاءة.
هذه بعض نتائج هيمنة الفصائل على آلة القرار السياسية والحكومية والعسكرية والأمنية، وهي تحولت إلى مطرقة متعددة العواقب منذ وقوع العراق تحت النفوذ الإيراني واسع الهيمنة ومتعدد المجالات، وتحويل معظم هذه الفصائل إلى أدوات يحركها «الحرس الثوري» الإيراني، ليس على صعيد العراق وحده بل في سوريا أيضاً لمساندة نظام بشار الأسد.
وبالنظر إلى تراجع القبضة الإيرانية، في لبنان وسوريا كما في العراق، لجهة التمويل والتسليح والتمكين إجمالاً، كان من المنطقي أن تصبح هذه الفصائل عبئاً ثقيلاً على أي حكومة عراقية من جانب أولي إجرائي. طبيعي أيضاً أن تعمد واشنطن إلى وضع هذه الفصائل في السلال ذاتها التي تُخاض على أسسها الحرب الأمريكية ضد طهران، كما في المشهد الراهن من تدخل البيت الأبيض في تسمية رئيس الحكومة وفي تفاصيل تشكيلها.
ولا عجب أن يعمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى ترقية سفيره في تركيا توماس براك إلى منصب المبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا والعراق معاً، وأن يبدأ «الفيتو» الأمريكي من إقصاء حصص الفصائل واشتراط نزع سلاح خمسة منها، بينها «عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي ومنظمة «بدر» بقيادة هادي العامري، وكلا الفصيلين في عداد الصقور ضمن أذرع طهران العراقية.
وإذا كانت هذه هي المطرقة، فإن السندان هو ظواهر الفساد المعممة التي تأكل الأخضر واليابس، ولا تتزايد وتستشري وتتمتع بالحماية والرعاية إلا بفعل واقع حزبي وفصائلي وحكومي بائس يعيشه العراق، ويضع البلد في المرتبة 136/182 على لائحة الفساد حسب منظمة «الشفافية الدولية». ولا غرابة أن مناخات تعطيل حكومة الزيدي اقترنت بانكشاف فضائح فساد مريعة، أحدثها منح رخصة استثمارية لمساحات شاسعة في محيط مطار بغداد الدولي، بقيمة 13 تريليون دينار (قرابة 10 مليارات دولار أمريكي).
ولا جديد في التذكير بأن حال المعاناة بين المطرقة والسنديان لا يدفع أثمانها الفادحة سوى المواطن العراقي، أولاً وأخيراً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *