فن التجهيز لا يزال يدهشني، فتقودني خطواتي في كل زيارة إلى باريس إلى البحث عنه، كأنني أتتبع أثرا لا أعرف إلى أين سينتهي. في كل مرة أقترب من هذا الفن، أكتشف أنني لا أبحث فقط عن أعمال جديدة، بل عن طرق أخرى للرؤية، وعن علاقة مختلفة بين العمل والمكان والجسد.
ومن هذا البحث قادتني خطواتي هذه المرة إلى معرض الفنان الأرجنتيني Leandro Erlich في القصر الكبير وهو بعنوان: «هل تصدق ما تراه؟«.
لكنني، وأنا أدخل المعرض، لم أعد أعرف: هل أريد أن أصدق ما أراه، أم أن الرؤية نفسها أصبحت موضوعا للسؤال؟
حين يغيب الماء
تبدأ دهشة المعرض منذ اللحظة الأولى مع «Port of Reflections» ميناء الانعكاسات. فنطل على المشهد كما لو أننا أمام بحيرة حقيقية؛ نرى انعكاسات القوارب على سطح الماء، ونسمع صوتا يوحي بحركة المياه، كما أن اهتزاز السطح يعزز إحساسنا بأننا أمام مشهد مائي حقيقي. كل عناصر التجربة تدفعنا إلى تصديق ما تراه العين وما تسمعه الأذن.
لكننا حين نتأمل المشهد أكثر، نكتشف أن الماء نفسه غير موجود. ما نراه هو بناء بصري وصوتي متكامل، يجعل الانعكاس يبدو وكأنه واقع قائم بذاته. وهنا تكمن براعة إريليش: فهو لا يعتمد على الخداع البصري وحده، بل يوظف الصورة والحركة والصوت معا، ليصنع إدراكا كاملا للماء في غيابه. نحن لا نرى الماء فقط، بل نكاد نشعر بوجوده. بهذا المعنى، يصبح العمل مدخلا مثاليا إلى عالم الفنان: الواقع ليس بالضرورة ما يوجد أمامنا ماديا، وإنما قد يكون ما تجمعه حواسنا معا، لكي تقنعنا بأنه موجود. ومن هنا يبدأ سؤال المعرض: هل نصدق ما نراه، أم ما تجعلنا حواسنا نعتقد أننا نراه؟
الرؤية بين إريليش وميرلو- بونتي

يبدو معرض إريليش للوهلة الأولى، وكأنه دعوة إلى الدهشة واللعب. غير أن التجربة، بعد تجاوز لحظة المفاجأة الأولى، تكشف عن سؤال أكثر عمقا يتعلق بعلاقتنا بالصورة وبالمكان وبما نعتبره حقيقة. فالفنان لا يقدم الوهم باعتباره خدعة بصرية فحسب، وإنما يحوله إلى أداة للتشكيك في الإدراك نفسه. وفي هذا الجانب يمكن قراءة أعماله في ضوء فلسفة موريس ميرلو- بونتي، الذي رفض النظر إلى الإدراك باعتباره عملية آلية تنقل فيها العين صورة جاهزة عن العالم إلى العقل.
بالنسبة إلى ميرلو- بونتي، نحن لا نرى العالم من الخارج، بل ندركه من خلال أجسادنا وحركتنا وموقعنا داخله، لذلك فإن ما نراه ليس منفصلا تماما عن الطريقة التي نوجد بها في العالم. وهذا بالضبط ما يجعل أعمال إريليش مثيرة للاهتمام. فهو لا يقول للمتلقي ببساطة: «عينك مخطئة»، وإنما يضعه في موقف يكتشف فيه بنفسه أن ما اعتقد أنه حقيقة بصرية كان قائما على مجموعة من الافتراضات المسبقة. في تجهيز Bâtiment مثلا، لا يعود المبنى مجرد صورة أو موضوع ننظر إليه، بل يصبح فضاءً يتدخل فيه جسد المتلقي، فتتغير علاقة العمودي بالأفقي، والداخل بالخارج، والصورة بالواقع. هنا يقترب إريليش من سؤال ميرلو- بونتي الأساسي: كيف يتشكل العالم بالنسبة إلينا من خلال الإدراك؟
فالعمل الفني لا يخدع العين بقدر ما يكشف آلية عملها. نحن نرى لأننا نمتلك خبرة سابقة بما يعنيه «مبنى» أو «نافذة» أو «سلم»، وإريليش يستغل هذه الخبرة ثم يغير إحدى قواعدها. لذلك تحدث المفاجأة. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الفنان يحول الفلسفة الظاهراتية إلى تجربة حسية: ميرلو- بونتي يطلب منا أن نفكر في كيفية إدراكنا للعالم، بينما يجعلنا إريليش نعيش هذه المسألة بأجسادنا.
وهكذا يصبح عنوان المعرض «هل تصدق ما تراه؟» سؤالًا فلسفيًا أكثر منه سؤالًا عن الخداع البصري. فالمشكلة ليست أن العين يمكن أن تخطئ، وإنما ما نسميه «رؤية الواقع» هو، منذ البداية، تجربة مركبة يشارك فيها الجسد والذاكرة والخبرة والمكان.
المتلقي جزء من الوهم
هو أول معرض في القصر الكبير في باريس يقدم مسارا غامرًا يضم 14 تركيبا فنيا ضخما للفنان Leandro Erlich الذي ولد في بوينس آيرس في الأرجنتين (1973) ونشأ في بيئة حضرية تركت أثرا واضحا في مخيلته الفنية. منذ بداياته اتجه إلى فن التجهيز، مستفيدا من اهتمامه بالمسرح والسينوغرافيا وبالفضاءات اليومية، ليحوّل الأماكن المألوفة إلى تجارب تربك إدراكنا لها. تظهر علاقته بالمدينة والعمارة بوضوح في أعماله؛ فالمبنى، والنافذة، والسلم، والمصعد، والمسبح ليست عنده مجرد عناصر معمارية، بل أدوات لإعادة التفكير في ما نراه وكيف نراه. وهو لا يضع المتلقي أمام العمل فقط، بل يدخله فيه ويجعله جزءا من الوهم. لذلك يمكن فهم مسيرته باعتبارها بحثا متواصلا في العلاقة بين الواقع والإدراك. فالأشياء التي تبدو عادية في حياتنا اليومية تصبح عند إريليش وسيلة لزعزعة يقيننا البصري وإجبارنا على إعادة النظر في العالم من حولنا.
يُعد المعرض استعاديا شاملا لمسيرة الفنان، لكنه ليس معرضا استعاديا تقليديا؛ إذ يجمع أعمالا شهيرة من مراحل مختلفة من تجربته الفنية، إلى جانب إنتاجات جديدة أُعدّت لهذه الاستعادية.
ينطلق الفنان من أشياء وأماكن مألوفة في الحياة اليومية ـ المباني، النوافذ، السلالم، المصاعد، القوارب والغيوم ـ ثم يغيّر قواعدها، بحيث تبدو الحقيقة نفسها موضع شك. ويستخدم في ذلك المرايا، والخداع البصري، وتغيير المقاييس، والمنظور، ليجعل المكان الذي نعرفه يبدو غير منطقي.
المتلقي جزء من العمل
ومن أبرز سمات المعرض أن المتلقي لا يبقى مجرد متفرج؛ فوجوده وحركته داخل العمل جزء من التجربة. قد يجد نفسه وكأنه يتسلق مبنى أفقيا، أو يدخل في فضاء لا نهائي، أو يرى معماريا مألوفا وقد انقلبت قواعده. وهكذا يصبح الجسد والحركة وسيلة لاكتشاف العمل وجزءا من التجربة وليس مجرد متلقٍ لها.
ومن المثير للاهتمام أن المعرض، رغم تقديمه في هذا العام (2026)، يعتمد بدرجة كبيرة على أعمال تعود إلى مراحل سابقة من تجربة الفنان. لذلك فإن كلمة «استعادي» مهمة لفهم المشروع. نحن لا نشاهد فقط جديد Leandro Erlich، بل نمر عبر مجموعة من الأفكار التي رافقته طوال مسيرته، ونرى كيف أعاد الفنان تقديمها داخل فضاء القصر الكبير. وهذا يطرح سؤالًا آخر: هل قيمة العمل مرتبطة بحداثته أم بقدرته على أن يعيد إنتاج السؤال نفسه في سياق جديد؟
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة المعرض: الجديد ليس دائما في العمل نفسه، بل أحيانا في الطريقة التي نراه بها. وهذا يتناسب تماما مع مشروع إريليش الفني؛ فهو فنان يهتم أساسا بتغيير شروط الرؤية، لا بإنتاج أشياء جديدة لمجرد أنها جديدة. ومن هذه الزاوية، يصبح عنوان المعرض «هل تصدق ما تراه؟» أكثر من مجرد عنوان جذاب. إنه سؤال موجّه إلى المتلقي نفسه. فكما نشك في حقيقة الصورة أو المكان داخل العمل، يمكننا أن نشك أيضا في افتراضاتنا عن الفن: هل العمل الجديد هو بالضرورة العمل الأفضل؟ وهل إعادة تقديم عمل قديم تجعله أقل أهمية؟ وهل ما نراه هو العمل، أم التجربة التي يصنعها وجودنا داخله؟
لهذا يمكن قراءة معرض Erlich باعتباره استعادية للأفكار أكثر منه استعادية للتواريخ. فهو يعيد أمامنا مجموعة من الهواجس التي اشتغل عليها الفنان عبر سنوات: الوهم، والعمارة، والانعكاس، والغياب، وتبدل المنظور، والعلاقة بين الواقع وتمثيله.
وفي النهاية، ربما تكون أهم تجربة في المعرض ليست أن نُخدع بصريا، وإنما أن نكتشف مدى سهولة ثقتنا بما تراه العين. فإريليش يجعلنا نبدأ بالدهشة، لكنه يريدنا أن ننتهي بالسؤال.
باحثة وأكاديمية لبنانية