جنود إسرائيليون يقودون ناقلة جند مدرعة إسرائيلية، ومركبات عسكرية ثقيلة أخرى، أثناء مغادرتهم جنوب لبنان ودخولهم إسرائيل، 8 نيسان/أبريل 2026 (رويترز)
تقليب سريع في سجل الحروب التي تخوضها إسرائيل على خمس جبهات كاف لنستحضر ذكريات مؤلمة عن سلسلة الأهداف التي نُقشت في الصخر ثم انفجرت كفقاعات صابون.
فما الذي تبقى من الأهداف الثلاثة لعملية “السيوف الحديدية”؟ القضاء على بنية حماس العسكرية لم يكتمل، والجيش الإسرائيلي ما زال يقصف غزة ويقتل نساءً وأطفالًا، وفي الوقت نفسه يعلن بين حين وآخر عن تصفية “قيادي بارز”. أما تنفيذ “خطة السلام” التي طرحها ترامب فلا يزال متعثرًا إلى أن تنزع حماس سلاحها. وإزالة حكم حماس ما زالت بعيدة المنال، إذ فالحركة لا تزال تسيطر على نحو مليوني نسمة محاصرين في نحو 30% من مساحة القطاع، فيما يبقى نقل كامل السلطة إلى مجلس السلام مشروطًا بذلك نزع السلاح نفسه. أما الإنجاز الوحيد، وهو إعادة المختطفين، فهو هدف لم يكن في مقدمة أولويات الحكومة حتى اضطرت إلى تبنيه تحت ضغط الرأي العام، فيُحسب أساسًا للرئيسين الأمريكيين بايدن وترامب.
أما إعادة سكان الشمال إلى منازلهم بأمان، فمن الأفضل تأجيل الاحتفالات بذلك. فبعد نحو ثلاث سنوات من اضطرارهم إلى مغادرة بيوتهم، لا يزال معظمهم خارجها، ومن عاد أو بقي يكتشف أن حاله يشبه حال اللاجئين السوريين الذين عادوا مؤخرًا إلى وطنهم.
أما حصاد إنجازات عمليتي “شعب كالأسد” و”زئير الأسد” فيمكن قراءته على موقع الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، الذي يسرد أعداد الصواريخ والقواعد التي دُمّرت، وبالطبع يتحدث عن تصفية معظم القيادة الإيرانية. ومع ذلك، ما زال التهديد النووي الإيراني قائمًا، وصواريخ إيران حوّلت دول الخليج إلى رهائن، والقيادة التي جرى القضاء عليها استُبدل بها قيادة جديدة أكثر تشددًا وإصرارًا وتهديدًا، أدخلت العالم في أزمة مضيق هرمز. أما رؤية إسقاط النظام الإيراني فقد جعلت إسرائيل، في أفضل الأحوال، موضع سخرية، وفي التقدير الأكثر واقعية، دولة يُنظر إليها على أنها مسؤولة عن أزمة إقليمية خطيرة.
في مواجهة هذه الإخفاقات الصاخبة، لا تملك إسرائيل سوى جواب واحد: “الفَيْتْنَمَة” [من فيتنام] أي ترسيخ الوجود والتورط في مناطق احتلال جديدة، وتعريف الاحتلال نفسه على أنه انتصار. ففي لبنان، سيطرت على نحو 600 كيلومتر مربع، وفي سوريا على أكثر من 235 كيلومترًا مربعًا (منذ سقوط نظام الأسد)، وفي غزة تسيطر على نحو 70% من مساحة القطاع، أما الضفة الغربية فهي عمليًا أرض محتلة بالكامل. هذه السياسة تطيل حدود الدولة، وتوسع وتعزز مناطق الاحتكاك مع سكان معادين ومع منظمات وجيوش أجنبية، ولا تزرع سوى الوهم بأن الأمن بات في متناول اليد. والحقيقة أن الأمر لا يتعلق بعقيدة قتالية أو بعمليات مؤقتة هدفها إبعاد تهديد أو التمهيد لحل سياسي لاحق.
وعندما يقول رئيس الوزراء إننا سنبقى في لبنان أو غزة “ما اقتضت الحاجة”، وعندما “يوجه” وزير الدفاع ببناء قواعد في لبنان “وكأننا سنبقى هناك خمسين عامًا”، فإنهما يصوغان أيديولوجيا ترى الدولة مركزًا لوجستيًا لا وظيفة له سوى توفير الجنود وصيانة أراضي الاحتلال إلى الأبد. وترتبط هذه الأيديولوجيا ارتباطًا وثيقًا بتوأمها، التي تعتبر أن تقويض أسس الديمقراطية، والقضاء على الأفق السياسي والاقتصادي والثقافي لمواطني الدولة، ليس سوى ضرر جانبي، لأن الدولة في نظرها هي مجموع مساحاتها، لا مجموع مواطنيها.
وكما في جدول العد التنازلي قبل إنهاء الخدمة العسكرية، نضع علامة “×” كبيرة على كل يوم يمر ويقربنا من خلاص الانتخابات. يقولون لنا إن الثورة قادمة، وتبشر بذلك استطلاعات الرأي. لكن بينما نسخر من غباء إسرائيل كاتس وضحالته، ونطحن أسناننا أمام ما نراه من شرّ ودناءة لدى نتنياهو، يكون الاثنان قد رسّخا بأوتاد فولاذية أيديولوجيا “ولا شبر واحد”، وهي أيديولوجيا قد تتحطم عليها أيضًا آمال حاملي البشارة الجديدة.
وإذا فاز هؤلاء، فقد يلغون قوانين “الثورة”، ويعيدون للمستشارة القضائية مكانتها، ويحيّدون حملة الأدوات المسؤولين عن الخراب، وربما حتى يفرضون تجنيد الحريديم. لكن ما أروع الصمت الذي يلتزمونه عندما يُسألون عن خطة سياسية لإنهاء الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، وعن حل لمسألة السيطرة على غزة أو لبنان، وإعادة الدولة إلى حدودها.
تسفي برئيل
هآرتس 5/8/2026