ليلٌ يسافرُ فوق أجنحةٍ وينضو حلكةً عن أفقهِ
مرَّ الغريبُ مُحمَّلاً بحقائبِ الوقتِ الثقيلِ وحزنهِ
أرسى التشردُ في ملامحهِ شرودَ المتعبينَ من المرافئِ
والمسافات التي أضحَت جُروحاً كُلِّلت بجُروحِهِ
صِنوانِ يلتقيان في وجعِ الرؤى: الليلُ المسافرُ والغريبُ
كأنَّ مَفَازَةَ الوقتِ الثقيل تهيَّأت لهُمَا
كأنَّ الحُزنَ وحَّدَ فِيهما ما لا يُوحَّدُ
ينحني الليلُ الشريدُ على المسافر
آلمتهُ الوحشةُ الخرساءُ في تيهٍ يسرمده المدى المفتوحُ
ناثَرَ بعضَ ما تَرَكَ الظلامُ بروحهِ:
«لا تنأَ عني يا غريبُ فليسَ في هذا الإسارِ القفرِ إلاَّنَا
على وَجَعِ المدَى..
هذا الطريقُ مُراوغٌ قد شكَّلتهُ الريحُ وفقَ جُنونِها
ومَضَت تُناثرُ فوقهَ ذكرى الذين مضوا بهِ
ما بين من ضلَّ المسالكَ
أو نأى فتشرَّدا»
قال المسافرُ
«ليس لي من صاحِبٍ في ذلك التيهِ الذي ظللتَهُ بجناحِ حلكتكِ الثقيلة
غير ما وَجَعي..
يُطامِنُ في أَسَايَ الخَوفَ..
ينثرُ في المساءِ الأغنياتِ مهدهدا».
– لكنما الوجعُ المهدهدُ ليس غير سحابةٍ تَمضِي على عَجَلٍ..
تُظَلِّلُ بَعضَ مَا تَركَ الأسَى وتمُرُّ نحو غيابها..
إن انتظارَ البُرء من وجعٍ..
سُدى!»
قال الغريبُ «أرى نبوءاتي تمُرُّ على رؤايَ وما اهتديتُ..
كأنما انتفت الجهاتُ.. توحَّدَ المرئيُّ في الغيبيِّ..
بعثرت السَّمَاءُ نُجومَهَا الأُولى..
وما من أغنياتٍ من حداءِ العابرينَ ولا قوافي المنشدينَ ولا الصدى!
من للمُسافِرِ في مَفَازِتِه إذا انداحَ السبيلُ كما السديمُ
وللرِّمالِ نشيجُها والليل فاتحةُ الحنينِ إلى الوصولِ وللمرافئِ إن يمُرَّ البحرُ في الذكرى
فينكسرُ السرابُ على الندى».
« لا ماءَ في الذِّكرى وليس سوى قِفارِ الصحو في تيهٍ» يقولُ الليلُ..» لا واحاتَ تبدو أو عيونٌ في هجوعِ الكونِ.. لُذ بسوادِ سرّي يا غريب
فللنهارِ هجيرُه ولظى الردى»!
قال المسافرُ «من مرايا الروحِ أمضي للنهارِ وإن نأى..
دربي بداخلِ ما أرى لا ما تخالُ..
وما أراهُ يرُدُّ نفسي نحو أوِّلِها..
لآخرَ ما يقول الحُلمُ..
أول ما يحررني لآمادِ انعتاقي من رداكَ..
أرى الغدا».
شاعر مصري