تأتي القصيدة من غيب الشاعر محملة برموز وعلامات عالمه اللامرئي البعيد في الغموض، لا تقول شيئا ولا تمتحن أفق التلقي، لكنها ترافق انتظار القارئ حتى يُمحق الانتظار من خلال تفكك البنى الشعرية القائمة على ركائز الرؤيا لدى الذات الشاعرة؛ هذا ما تتوسمه القراءة كانفتاحات على أقواس لا متناهية من المعرفة الشعرية، في نصوص الشاعر الأخضر بركة، الذي لا يراود اللغة بل يقتحم بنياتها بعنف، يجعلها تنهدم لتنبني وفق مؤشرات المقول الخاصة بالفاعل الشعري المسكون بهاجس التجاوز وخلق طيفية المعنى، حيث تتوالد اللغة من مستويات التدرج المفرداتي لتنتج مقاطعها ودلالاتها، فـ»القصيدة الحقيقية وظيفة للإثارة» كما يقول غاستون باشلار.
حفريات اللغة الرميم:
تفتح مقاربة الأخضر بركة، من خلال ديوان «محاريث الكناية» أفق القراءة على معنى عميق وظاهر، من خلال اشتغال الشاعر على لغةٍ يبحث في حفرياتها عن معانٍ متفردة مكثفة بالغرابة، تنقل المقاربة من مستوى البحث عن المعنى الكامن في ترابط الجمل الشعرية، إلى مستوى صورة زئبقية متعالقة مع ما يمكن الاصطلاح عليه ببعثرة تناسق اللغة لترميم فجوات القراءة المستقيمة ذات الحضور البلاغي الرشيد، ولهذا أضاف إلى «الكناية» مفردة المحاريث للتدليل على تجريف أرض اللغة، واستنبات الصور والدلالات من رميم اللغة:
«شيء ما ينغص بعض موسيقى تحاولها انفلاتات القريحة». إن مخزون اللغة لدى الشاعر منذور لترسيم مباهج الشعرية على جدار هاجس النفاذ؛ الامتلاء هو لحظة ماضية: «ما تبقى في خزانة مفردات العمر لا يكفي لكي تجد اللغة/ لغة تمد العمر في عمق التعري من عباءات النصيحة». فالمحراث الصائر إلى الكناية يعوض هاجس النفاذ ويجرف عميقا في تربة الشعر كي يستلهم مدار القصيدة التي تعتصم بمرود اللغة، فـ»مفردات العمر» تمتثل فقط لرغبة اللغة المتاحة في «عمق التعري» الهاربة من امتثال الدال الشعري لـ»النصيحة».
جدار اللغة نسق الطفولة:
تتحسس الذات الشاعرة ميلاد المفردات الوجودية من خلال انتصابها في مجال الموضوع (الشيء)، الذي أفرد له الشاعر قصيدة بعنوان «الشيء»، والبحث عن «الشيء» عادة ما يحاط برغبة الذات في الاستحواذ، لكن الشعرية في فضاء الأخضر بركة لا تمتثل سوى لبساطة الصورة في عمق الرؤيا، فالشيء بقدر ما يجسم التصور يبتعد عن مفاجآت التخييل، لهذا ترتسم صورة «الشيء» من خلال الحركة العابرة للمخيال في انتظاماته البدئية والعفوية: «ليكن ما خطه الطبشور فوق الجدار العاري طفولة»، فالجدار كشيء، مهما تناسق داخل إطار جمالية منتظمة فلن يأخذ معناه سوى من انتظام جمالية الطفولة، مهما كانت خربشاتها لا منتظمة، لأن صدورها ينبثق من نسق البراءة والنقاء. لا يترك الشاعر هذه البرهة الغريبة في انبثاقها عائمة، بل يؤسس لانتظامها الجمالي من خلال مشهدية واقعية بألوان شعرية، يُكمل المقطع بـ»وتجول حافيا يا وقت، أعشى/فوق أكياس القمامات التي ترمى من المبنى لتزداد الكهولة/ ورما/ عكازها التدخين». إن القمامة صناعة كهولية تحتويها شعرية المقاربة بين مشهديتين متفقتين في اصطفافهما الناشز، فالخربشات على الحائط تعادل وضع القمامة في عرض الطريق، لكن الشاعر كان يستطلع جماليات اللحظة، من خلال عفويات تخلق المعنى وأخرى تخنقه، فالطفولة شرفات البدايات والكهولة مشارف النهايات.
فيض اللغة سرج البداية:
يتحسس الشاعر نبض اللغة، كما يجس الإنسان نبض الجسد، لهذا حينما يتكلم عن الجسد يرسم مدار اللغة حتى يتداخل المعنى فيصبح الجسد هو اللغة ذاتها: «والدغل» هو أرخبيل المعنى الناهض من ليونة «الغضار»، مجسدا بذلك حركة المفردات الدؤوبة من خلال معيارية «التجربة»: «جسد/ يرتاب أم متن سماء نزلت تكتبه فوق جلود التجربة» نص «الدغل». يتداخل مفهوم الجسد مع المتن، حيث الجسد موضوعة تستمد كينونتها التعبيرية من مدار علوي «متن سماء»، والنزول من السماء يحمل معنى الخصب في حيوية المزن، لذلك ينكتب الجسد من خلال متن السماء «فوق جلود التجربة»، لأن التجربة متسِعة بتوالد مفرداتها من خلال المسار الوجودي الطافح بعناصر الحركة.
في معاريج توالد اللغة يراقص الشاعر المخيال كي ينتظم في أفق البدايات مقتنصا الصورة النابضة بالفيض وتعبيرية الحركة، يُكمل المقطع السابق بـ»حينما دار غضار طيعا في ورشة بين يدي الشيء/ وانهارت رفوف المكتبة/ فوق نسيان الأنا». يسرج الشاعر الرؤيا على سنم البداية، حيث الغضار أسس للخلق الأول، وكذلك هو «غضار» المعنى في اللغة، فإشارة «متن سماء» تكثف معنى الخلق الأول في مفردة «غضار»، وبالتالي، يكون الكيان الشعري المبتهَل في نسق القصيدة مشحونا بحرارة الخلق البدئي، ولأنه كذلك، فإن الجاهز والمستهلك في نسق حضور «رفوف المكتبة»، ينهار أمام اللغة المتنزلة من سماء الشعر في نكهة البدايات، حيث الأنا ذاتها تفقد معيارية كينونتها، وهو ما عبر عنه النص بـ»نسيان الأنا».
نسق النظام وترتيب التفجر:
يحمل الشاعر هم اللغة، ليس فقط في معيار تناسق اللفظ وانتظام التراكيب، بل لعله في ذلك يرنو إلى إسقاط نسق النظام وترتيب متاهة التفجر العميق في كيان اللغة، أو فوضى اللغة، لهذا يعمد إلى استحضار معنى الطفولة: «علبة الإيمان فارغة سوى من خمرة الشك الذي يرمي/ بأحجار الطفولة في اتجاه زجاج أبراج اليقين». إن الطفولة نظامُ بعثرةٍ لا تناسق، ولهذا يستقيم معناها في نظام الشك، حيث يتعذر على الذات الشاكة الاستقرار، ولهذا فهي دائمة الحركة والمشاكسة، تنسف يقين الثبات بالرشق بأحجار الشك، وفي يقين الثبات تموت اللغة، لأنها لا تنبثق إلا من توثبات الشك التي لا تنقدح إلا من حرائق الحرية، ولهذا يكمل الشاعر مخرجات الصورة الدالة على الترابط بين الطفولة والحرية في إنتاج بوتقات اللغة/الشك من خلال المقطع التالي: «جثة وردة في قاع ذكرى/ أم دم ينسل من أنبوب مستشفى ليسكن بعدها قارورة/ الأرشيف». فالوردة جثة إذا انسلخت من الحقل وضمتها مزهرية، وكذلك الدم إذا خرج من الجسد فقد معناه الحيوي ولو كان في قارورة داخل مشفى، ولن يتحقق معنى الوردة ومعنى الدم إلا في سياقاتهما الطبيعية، لأنهما يعكسان معنى الحرية الكامن في جمالية حركة الجسد وبهاء انطلاق الأريج في توزع الورد على مسافات الحقل، ومن هذه التداخلات الشائكة تنخلق اللغة/الشك القائمة بين مستويات الاختلاف في الفرق بين الوردة والدم.
انزياح اللغة في سائل المعنى:
يحتفل الأخضر بركة باللغة، يشرب ماء انبجاسها، يكسر صخر الصرامة فيها ليفجر ينبوع الحفاوة في انزياحاتها السارة التي تشكل هاتفا خفيا في أذن الشاعر والكون الذي يحيطه، إنه يرتب جدار اللغة الحافل بـ»ما خطه الطبشور… طفولة»، فهو يستمد شحنة المدى اللغوي من مستويات التدفق الغزير لسائل المعنى، يقول في نص «الشيء»: «أيها الشيء الوقود/ في خيال النار»، تمثل النار بهاءات غاستون باشلار وهو يراود «حلم اليقظة» مستذكرا طفولته، حيث النار «تجسد احتفالات الناس» كما يقول باشلار، ولأنها احتفال فهي خيال، يهرب الشاعر في لهيبها كي يستمد ورطته المتورمة بالحرائق، والنبوءات المقبلة في رقصها الذي يجسد لون الخبز الناضج وأفراح الالتفاف حول الألوان المندهشة من سطوة اللهب، فالنار حريق واحتفال، وهي كاللغة، لا يمكن إنتاجها إلا من غرابات المشهد، فالألم في الحريق ينتج بهجة الاحتفال في اللهب، والشاعر في نص «الطواويس» يرسم حرائق اللغة في غربة الجسد: «ما الذي يحرث أرض اللغة الآن سوى غربة هذا الجسد/ المصقول بالكيد المتين»، فالمحاريث تنتج جوهر اللغة من رميمها، حيث تربة اللغة تنجرف لتخلف سماد المعنى.
كاتب جزائري