نتنياهو من الباب الخلفي للبيت الأبيض وغموض رسائل ترامب تزيد من تصميم إيران



إبراهيم درويش

أخيرا استقبل الرئيس دونالد ترامب، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض يوم الثلاثاء، لكنه دخل من الباب الخلفي، دونما حفاوة إعلامية ترافق زيارات المسؤول الإسرائيلي الذي قابله ترامب أكثر مما قابل أي مسؤول أجنبي. وجاءت زيارة نتنياهو في ظل أجواء من التوتر، مع أن فكرة اللقاء لم تكن مؤكدة، رغم سعي نتنياهو وفريقه لترتيب زيارة، وهو ما كشفه موقع «بوليتيكو» (27/7/2026)، بل وضطغت إدارة ترامب على نتيناهو اتخاذ خطوات تظهر جديته في المضي قدما بمحادثات السلام التي ترعاها الولايات المتحدة بشأن لبنان وغزة، حسب صحيفة «وول ستريت جورنال» (28/7/2026)، ومن هنا جاءت موافقة الحكومة الأمنية المصغرة على قوة استقرار دولية في غزة، وهي خطوات تعارضها الحكومة المتطرفة التي تريد البقاء هنا وإعادة إحياء الإستيطان.
إلا أنه وقبل ساعات من الاجتماع يوم الثلاثاء، بدا أن ترامب قد استشاط غضبا من احتمال أن تكون إسرائيل تحاول ممارسة ضغوط علنية على البيت الأبيض لمواصلة الحرب على إيران؛ إذ صرح في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» بأن موقعا إيرانيا يعرف بجبل الفأس والذي كان محورا لاهتمام الاستخبارات الإسرائيلية مؤخرا، لا يمثل «مشكلة كبيرة». ومع ذلك فالاستقبال البارد في البيت الأبيض وعدم ظهور أمام الصحافيين يظهر مدى تراجع شعبية نتنياهو لدى ترامب وبالضرورة إسرائيل بين الأمريكيين. وكان نتنياهو حريصا على اللقاء الذي لم يكن ليتم لولا وفاة أحد المحرضين الكبار على حرب إيران وحليف نتنياهو، السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، حيث كشفت لقطات فيلم له وهو يعرض على نتنياهو التدخل لإقناع ترامب بضرورة الدخول في حرب لبنان، كما أوردت «وول ستريت جورنال».
ولعل أهم ملمح رافق الزيارة هي الهجمات التي شنها نتنياهو على عمدة نيويورك، زهران ممداني الذي طالب باعتقال نتنياهو بصفته مطلوبا للعدالة الدولية ومتهما بجرائم حرب. وقد تولت «وول ستريت جورنال» مهمة الدفاع عن نتنياهو بافتتاحية هاجمت فيها ممداني، وشارك المؤيد لإسرائيل في «نيويورك تايمز» بريت ستفينز بمقال هاجم فيه ممداني، فيما اعتبر المعلق المعروف توماس فريدمان أن «خبطة» ممداني ضد نتنياهو كانت مضيعة للوقت. إلا أن ممداني في مطالبته تنفيذ المذكرة الدولية واعتقال نتنياهو لم يكن يصدر عن نفسه، بل وكان يعبر عن مواقف نصف الأمريكيين، فقد أظهر استطلاع جديد أجرته مجلة «إيكونوميست» بالتعاون مع مؤسسة «يوغوف» أن الأمريكيين يؤيدون اعتقال نتنياهو بفارق 22 نقطة مئوية إذا ما نفذت الولايات المتحدة مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية. وقالت نسبة 49 في المئة إن على الولايات المتحدة اعتقاله، بينما تعتقد نسبة 47 في المئة أن نتنياهو ارتكب جرائم حرب في غزة.
ويخفي تأخر نتنياهو وتردد إدارة ترامب بدعوته إلى جانب الهجوم على ممداني ومحاولات الدفاع عن رئيس وزراء متهم بجرائم حرب في غزة، أزمة حقيقية لإسرائيل. فقد تزايدت المشاكل السياسية التي يواجهها نتنياهو في الولايات المتحدة على مدى أشهر، إذ يواجه معارضة وانتقادات من الجمهوريين، زملاء ترامب في الحزب، ومن الديمقراطيين على حد سواء. وذكر مسؤولون أن ترامب، وقبل زيارة نتنياهو، كان قد أبدى استياءه منه في أحاديث مغلقة مع مقربين منه وكذلك في مقابلات علنية، وذلك مع استمرار الصراع مع إيران.
ولكن أزمة نتنياهو وبالضرورة هي أعمق من خلافات بين حكومتين، بل ومرتبطة بتغير المناخ السياسي في أمريكا، بشكل دفع الحكومة الإسرائيلية ولأول مرة البحث عن طرق لتحسين صورتها بين الأمريكيين. وهي التي كشفت عنها مجلة «تايم» الشهر الماضي، كما وكشف «دروب سايت نيوز» عن أن إسرائيل تنفق ملايين الدولارات لتحسين سمعتها. وأشار مقال في موقع «ذي هيل» (30/7/2023) إلى أنه مع استمرار تغير مواقف الرأي العام في الولايات المتحدة وحول العالم، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت إسرائيل بحاجة إلى استراتيجية علاقات عامة أفضل، بل في قدرة الرسائل التغلب على الحقائق التي تسهم في تدهور سمعتها من الأساس. ولا تقتصر المحاولة على الأشخاص المؤثرين ولكن منصات الذكاء الاصطناعي. ويرى الموقع أن التوقيت ليس مصادفة. فقد تدهورت مكانة إسرائيل العالمية بشكل كبير منذ بدء الحرب في غزة، ولا يوجد مكان يتجلى فيه هذا التدهور بشكل أوضح من الولايات المتحدة. وقد امتدت حملة النفوذ الإسرائيلية إلى ما هو أبعد من الذكاء الاصطناعي وتمويل المؤثرين. فقد أفادت التقارير أن منظمات مؤيدة لإسرائيل قد جمعت نحو 100 مليون دولار للتأثير على الانتخابات التمهيدية الأمريكية، وذلك غالبا من خلال لجان العمل السياسي التي تحمل أسماءً مثل «انتخبوا نساء شيكاغو» أو «شيكاغو بأسعار معقولة الآن»، والتي تتجاهل أي إشارة إلى إسرائيل بينما تنفق ملايين الدولارات على مرشحين مفضلين. وفي هذا السياق، خصصت ميزانية إسرائيل لعام 2026 نحو 730 مليون دولار للدبلوماسية العامة، وفقا لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، في محاولة منها لتحسين صورتها في الخارج.
ويرى موقع «ذي هيل» ان التصور لا يتغير لوجود مشكلة في الرسائل، بل تغير لأن ملايين الناس شاهدوا سنوات من الحرب المدمرة تتكشف أمام أعينهم. وبات نتنياهو المسؤول في نظر الكثير من الأمريكيين عن جر ترامب لحرب غير ضرورية مع إيران إلى جانب حروبه المدمرة في غزة والضفة ولبنان وسوريا. ويرى فرانكلين فوير في مجلة «ذي أتلانتك»( 27/7/2027) أن نتنياهو الذي قدم نفسه كخبير في السياسة الأمريكية، أسهم في هز وتحطيم موقف إسرائيل في الولايات المتحدة.
فقد رهن نتنياهو مصير إسرائيل بالتركيز على علاقته مع الجمهوريين وسخر من الديمقراطيين بل وهزأ من الرئيس، جو بايدن الذي أعطاه كل ما يريد لمواصلة حرب غزة. ويعتقد الكاتب ان نتنياهو انتهى به الأمر بتدمير الإجماع الحزبي القوي بشأن إسرائيل. وقال إنه بمجرد ربط نتنياهو إسرائيل بترامب، حول العديد من الأمريكيين الذين كانوا يكرهون أحدهما كراهيتهم إلى الآخر مواقفهم. لكن نتنياهو تجاهلهم بل واستهتر بالرأي العالمي عندما اختار وزراء متطرفين من تيار كاهانا الذي حظرته إسرائيل نفسها عام 1988. وأكد الكاتب أن إسرائيل ستندم على حجم الدعم السياسي الأمريكي الذي خسرته في عهد نتنياهو، وليس فقط من اليسار. وعليه فسيكون إرث نتنياهو هو عزلة إسرائيل، وقد جلب هذه العزلة بهوسه في إيران ودفعه ترامب للإيمان بأنهما قادران على إحداث تغيير جديد في الشرق الأوسط. فقد كان نتنياهو ثملا من حروبه التي شنها ما بين 2023- 2025 واعتقد أنه قادر على فرض الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط، لكنه انتهى مع ترامب بإعادة إنتاج ما كان موجودا.

شرق أوسط قديم

وقد حلل الباحث إف. غريغوري غوس الثالث، بمقاله الذي نشرته دورية «فورين أفيرز» (30/7/2026)، أبعاد الفشل هذا، قائلا إن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران، والحرب التي سبقتها في غزة، تبدو، من نواح عديدة، أحداثا ذات طابع تحولي، إلا أنها ليست جذرية بما فيه الكفاية، ذلك أن الشرق الأوسط الذي يبرز من خضم هذه الاضطرابات يبدو في مجمله شبيها جدا بذلك الذي كان قائما قبلها.
وقد كان اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقعته إيران والولايات المتحدة في حزيران/يونيو 2026 تجسيدا لفشل إدارة ترامب في إحداث تغيير جذري في المنطقة. فبعد تعرضها لسلسلة من الضربات بين عامي 2023 و2025، أكدت طهران قوتها من خلال فرض سيطرة خانقة على مضيق هرمز وشن هجمات على جيرانها الخليجيين. كما ظل النظام الذي كان قائما في طهران قبل الحرب متماسكا إلى حد كبير، وبات الآن خاضعا لهيمنة عناصر من «الحرس الثوري الإسلامي»، الذين لا يقلون التزاما عن أسلافهم بمعاداة إسرائيل والتدخل في شؤون الدول العربية الهشة. ورغم مرور عامين ونصف من القتال وسقوط عشرات الآلاف من القتلى -معظمهم من الفلسطينيين- فإن الوضع في إسرائيل وقطاع غزة والضفة الغربية ظل إلى حد كبير كما كان عليه قبل هجمات حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. صحيح أن قدرات حماس القتالية قد قلمت، إلا أن استخدام إسرائيل المفرط للقوة لم يحل المشكلات الجوهرية الكامنة في صلب الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
ويرى غوس أن الولايات المتحدة أو إسرائيل لا يمكنهما بناء نظام أفضل للمنطقة عبر القصف العسكري وحده، فالشرق الأوسط الذي يشهد تغييرا حقيقيا والذي يمكن أن يشكل أساسا لنظام إقليمي أكثر استقرارا، هو ذلك الذي يتميز بوجود حكومات مركزية قوية في دول عربية مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن. كما أن الشرق الأوسط المتحول سيشهد أيضا وضع حد لمساعي القوى الإقليمية والخارجية، وعلى رأسها إيران، وإن لم تكن الوحيدة الرامية إلى تشجيع الميليشيات أو تمويلها. وسيتضمن ذلك مسارا دبلوماسيا يحظى بدعم دولي واسع وقبول إقليمي، ويركز على العمل من أجل تسوية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني تضمن أمن إسرائيل وحق الفلسطينيين في تقرير المصير.
ومن هنا، لم تدفع الحرب الإقليمية التي اندلعت عام 2023 الشرق الأوسط نحو ذلك النوع من التحول.. ونظرا لعدم حدوث تغيير جوهري في الديناميكيات والمصالح الأساسية في الشرق الأوسط، فإن العد التنازلي للحرب القادمة سيكون قد بدأ بالفعل، حتى لو تم التوصل إلى وقف أكثر استدامة لإطلاق النار. ورغم تلقي إيران في الفترة ما بين 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و28 شباط/فبراير 2026، ضربات عديدة جعلتها تبدو وكأنها «نمر من ورق»، إلا أنها خرجت من جولة القتال الأخيرة هذه. وبالطبع، لا تزال البلاد تعاني من المشاكل الاقتصادية ذاتها وحالة السخط الاجتماعي التي دفعت الإيرانيين للخروج إلى الشوارع في شهر كانون الأول/ديسمبر. لكن من خلال التصدي للهجوم الأمريكي-الإسرائيلي واكتشاف ما تملكه من أوراق ضغط في أسواق الطاقة العالمية، استعاد النظام الإيراني مكانته البارزة. ومن المؤكد أن النظام سيواصل المضي قدما في الركائز الأساسية لسياسته الإقليمية المتبعة منذ 47 عاما.

رؤية قاتمة

ومع أن إسرائيل اعتبرت نفسها بنهاية عام 2025 منتصرة في الحروب الإقليمية، إلا أنها عجزت عن تحقيق هدفها الطموح المتمثل في إسقاط النظام الإيراني. ولا يزال نتنياهو يعتقد أن إسرائيل ستظل آمنة ومستقرة طالما ظل جيرانها ضعفاء ومنقسمين، لكنه يغفل حقيقة أن معاهدات السلام التي أبرمتها إسرائيل مع مصر والأردن، وهما دولتان راسختان قادرتان على ضبط حدودهما ومنع صعود جهات فاعلة عنيفة من غير الدول على أراضيهما، قد شكلت الركائز الدائمة لأمن إسرائيل لعقود.
ولعل أهم تغيير جيوسياسي أفرزته سنوات الحرب الثلاث الماضية هو سقوط نظام الأسد في سوريا وتشكيل حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع الذي حظي بدعم الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي والعالم العربي، ما أدى إلى إبعاد سوريا عن التحالف مع إيران الذي حافظ عليه نظام الأسد منذ ثمانينيات القرن الماضي. كما قلصت هذه التغييرات بشكل كبير من قدرة إيران على التأثير في السياسة اللبنانية وتهديد إسرائيل انطلاقا من الأراضي السورية، وهو ما يمثل ضربة حقيقية لنفوذ طهران الإقليمي.
ومع ذلك، فآفاق قيام شرق أوسط جديد تبدو قاتمة وتمتع كل من إيران وإسرائيل، الدولتان اللتان كانتا وراء الكثير من الاضطرابات في المنطقة خلال العقود الأخيرة، بقوة هائلة تفوق أي وقت مضى، ويبدو قادتهما أكثر تمسكا بقناعاتهم عما كانوا عليه قبل عام 2023. ولا تزال العديد من الدول العربية تعاني من فراغ سياسي يؤدي إلى حروب أهلية، ويستدرج تدخلات خارجية متطفلة، ويخلق بيئة خصبة لنمو جماعات مسلحة تعمل على تقليص فرص السلام الضئيلة أصلا. أما السياسة الأمريكية التي قد تحدث تحولا جذريا، فتتطلب التصدي بجرأة وشجاعة للقضية الفلسطينية الشائكة. فقد أثبت هجوم 7 أكتوبر مجددا أنه طالما ظل حق الفلسطينيين في تقرير المصير غير محقق، فإن رفضهم للوضع الراهن قد يؤدي إلى تفجير الأوضاع في الشرق الأوسط.
وبعيدا عن حسابات إسرائيل الخاطئة، فما منع من حدوث تغير جذري بالمنطقة مرتبط أيضا بطريقة إدارة ترامب للحرب التي جردته من كل أوراق اللعبة. ويرى إريك لين-غرينبرغ، بمقال في مجلة «فورين أفيرز» (31/7/2026) أن الغموض في رسائل الولايات المتحدة كان عاملا في فشل نهج إدارة ترامب تحقيق نتائج ملموسة في تحييد النظام الإيراني أو هزيمته.
فمنذ اللحظات الأولى لبدء الصراع تقريبا، تذبذب ترامب بشأن الغرض من الحرب ومستوى المخاطر التي قد يكون مستعدا لتحملها وما يمكن أن تعتبره الولايات المتحدة انتصارا. مثلا، هدد بتدمير الحضارة الإيرانية، ثم سارع بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار. كما طرح احتمالية الاستيلاء على جزيرة «خارك» التي تعد مركز صناعة النفط الإيرانية، ليعود ويتراجع عن ذلك بسرعة. وناقش أيضا فرض رسوم عبور بنسبة 20 في المئة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، قبل أن يعلن وجوب بقاء الممر المائي متاحا وحرا للجميع. ومع أن الغموض قد يساعد في بعض الحالات على تسوية الحروب إلا ان الرسائل المتضاربة التي وجهتها واشنطن بشأن الصراع مع إيران ألحقت ضررا أكبر مما جلبت من نفع. فعلى سبيل المثال، دفعت مجموعة التهديدات التي أطلقها ترامب طهران إلى النظر للصراع باعتباره معركة وجودية ودفعها للرد بأقصى درجات القوة.
كما أن غياب الوضوح بشأن وضع مضيق هرمز جعل مذكرة التفاهم -التي تفاوض عليها البلدان في حزيران/يونيو- هشة للغاية. وللتوصل إلى هدنة أكثر ديمومة، يتعين على إدارة ترامب أن تكون أكثر وضوحا بشأن أهدافها وأكثر اتساقا في السعي لتحقيقها؛ وإلا فإن سوء الفهم سيستمر بين إيران والولايات المتحدة، وقد ينهار اتفاق وقف إطلاق النار القادم أيضا. ومن هنا نظرت إيران إلى تغير أهداف الحرب والرسائل المتضاربة بشأنها على أنها صورة عن عدم وضوح النوايا الأمريكية، وافترض المسؤولون الإيرانيون الأسوأ، لا سيما وأن الضربات الجوية كانت قد أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي في الساعات الأولى للصراع. وعليه لم يساعد غموض الأهداف على تصعيد الحرب، فقط بل وقوض أيضا الجهود الرامية إلى إنهائه.
وعلى الرغم من أن جميع الصراعات تتسم بقدر من الارتباك والفوضى، وهو ما أدى إلى نشوء مصطلح «ضباب الحرب»، إلا أن الصراع المتعلق بإيران يبدو غامضا بشكل خاص. ولا ينبع هذا الغموض في معظمه من استراتيجية مدروسة لاستغلال عدم الوضوح لتحقيق مكاسب عسكرية أو سياسية، بل من تعثر واشنطن في تحديد «الوضع النهائي» المنشود، فالغموض المتعمد يزيد من حالة عدم اليقين من خلال إبقاء الخصوم في حيرة وتخمين مستمر. غير أن الدولة التي تتسم مواقفها بالغموض نتيجة لتردد داخلي، غالبا ما تتراجع عن تهديداتها ثم تعاود إطلاقها؛ ما يؤدي إلى تقويض مصداقيتها بدلا من مجرد إرباك خصومها. وربما لم تكن إدارة ترامب مسؤولة وحدها عن حالة الغموض في الحرب وحدها، فهناك الظروف المرافقة التي تساعد على المراوغة واستخدام لغة مراوغة مثل غياب الضعف الشعبي الأمريكي الذي سجلت استطلاعات الرأي وبشكل مستمر عدم رغبته في حروب خارجية، أضف إلى هذا التباين بين أهداف أمريكا وحليفتها إسرائيل التي دخلت الحرب معها.

حلفاء مترددون

وكلما استمر ترامب بالتهديد والتراجع دون تحديد ما يمكن أن يتمحور حوله النصر كلما زادت الحرب وصعدت إيران ووسعت من مساحة الحرب، كما رأينا الأسبوع الحالي من وصول المسيرات إلى مصر، وتفكير الإدارة الأمريكية بوجودها العسكري المكثف في الكويت، بعد الضربات الشديدة التي تلقتها المعسكرات الأمريكية هناك. وبحسب ما أوردت صحيفة «وول ستريت جورنال» (30/7/2026) فقد قوضت الحرب مع إيران قوضت شعور الإمارة بالأمان نظرا لوجود عسكري ولوجيستي أمريكي مكثف. ويقول مسؤولون أمريكيون مطلعون على المداولات إن الولايات المتحدة تعيد الآن النظر في نطاق وجودها في الإمارة، في حين يؤكد المسؤولون الكويتيون حاجتهم المستمرة إلى التزام أمريكي راسخ بالدعم، رغم المخاوف الشعبية من ثمن الوجود الأمريكي الدائم. ولعل الغموض في الطموحات الأمريكية وما تريده من هذه الحرب حسبما قالت مجلة «بوليتيكو» (30/7/2026) فحلفاء واشنطن في آسيا وأوروبا ينتظرون نهاية الحرب قبل أن يسارعوا بتقديم مساعدات، وبخاصة المساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز. وعبر دبلوماسيون أوروبيون وآسيويون عن تردد بلدانهم بالمشاركة وأنها ليست مستعدة للمخاطرة بسلامة مواطنيها إلا في حالة توصلت واشنطن وطهران على وقف إطلاق النار. ولدى الدول الحليفة شعور بأن الولايات المتحدة استنفذت كل خياراتها في المضيق، ولهذا تحاول الدول تجنب الانجرار إلى الصراع، لكنها لو دفعت للتدخل فسيكون هذا بناء على شروطها الخاصة. وفي هذا السياق أوردت المجلة في تقرير آخر (29/7/2026) اشتراط كل من فرنسا وبريطانيا الشهر الماضي المشاركة بتحالف دولي للرقابة في هرمز بوقف إطلاق النار.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *