باريس- “القدس العربي”: توقّفت صحيفة “لوموند” الفرنسية عند إعلان الحوثيين فرض حصار على الموانئ السعودية، مساء الأربعاء، وتنفيذ هجوم في البحر الأحمر استهدف ناقلتي نفط سعوديتين.
بعد مضيق هرمز، الذي يُعد ممراً استراتيجياً رئيسياً للتجارة العالمية، يواجه مضيق باب المندب، الواقع عند مدخل البحر الأحمر، خطر الإغلاق من قبل الحوثيين المدعومين من إيران.
وقد أدى تعثر عملية السلام التي انطلقت عام 2022 مع السعودية، بهدف إنهاء سبع سنوات من الحرب في اليمن، إلى جانب رغبة طهران في زيادة الضغط على الولايات المتحدة المنخرطة في تصعيد عسكري ضد الجمهورية الإسلامية، إلى فتح جبهة جديدة في الصراع في الشرق الأوسط.
وكان الحوثيون قد أعلنوا يوم الاثنين 20 يوليو فرض حصار على الموانئ السعودية، قبل أن يؤكدوا مساء الأربعاء تنفيذ “عملية عسكرية” في البحر الأحمر باستخدام طائرات مسيّرة وصواريخ ضد “ناقلتي نفط سعوديتين انتهكتا الحصار”، مشيرين إلى أن اسميهما “إنسيليا” و”ليلى”.
وأوضح مسؤول حوثي رفيع أن الحصار المفروض على السفن المرتبطة بالسعودية سيستمر حتى يتم رفع الحصار الذي تفرضه المملكة عليهم منذ سنوات، ما يثير مخاوف من هجمات أخرى في البحر الأحمر.
من جهته، حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الخميس، عبر منصته “تروث سوشيال”، قائلاً: “إذا تكرر ذلك، فإن الولايات المتحدة ستحمّل إيران المسؤولية (…) وسيتم توجيه عقاب عسكري كبير لإيران، وبالطبع للحوثيين”.
وفي وقت لاحق، أعلن أن الأموال الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة ستُستخدم لتعويض الأضرار التي لحقت بالسفن في الخليج. وردّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم الجمعة واصفاً هذا القرار بأنه “سابقة خطيرة”.
وتقول “لوموند” إن استئناف الضربات الأمريكية ضد إيران في 7 يوليو بهدف السيطرة على مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز العالميين في الظروف العادية – وردّ إيران باستهداف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في دول الخليج، يهددان الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران الموقّع في منتصف يونيو. ومع تعثر المفاوضات، تتسارع الاستعدادات العسكرية من الجانب الأمريكي وكذلك الإسرائيلي تحسباً لتصعيد كبير.
وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: “معادلة هذه الحرب واضحة: إما الجميع أو لا أحد. إذا لم نتمكن من بيع النفط في المنطقة، فلن يتمكن أحد من ذلك”. وقد بدأت بالفعل بعض السفن في تجنب المرور عبر مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية بين أوروبا وآسيا عبر قناة السويس. كما ارتفع سعر خام برنت إلى نحو 100 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ مايو.
وتضيف “لوموند”: أصبحت الملاحة في البحر الأحمر ذات أهمية متزايدة بالنسبة للسعودية، ثاني أكبر منتج للنفط في العالم، والتي زادت بشكل كبير من صادراتها عبر ميناء ينبع على ساحلها الغربي لتفادي القيود في مضيق هرمز. ويرى خبراء أن شركات الشحن قد تتجنب المرور عبر هذا المضيق بسبب المخاطر، كما حدث خلال الحرب في غزة بين 2023 و2025.
كان الحوثيون قد بقوا حتى وقت قريب خارج نطاق الحرب الإقليمية التي اندلعت عقب الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير. لكن حادثة استهداف مطار صنعاء في 13 يوليو، والتي قال الحوثيون إن السعودية نفذتها لمنع هبوط طائرة تقل قيادات حوثية عائدة من إيران، شكلت شرارة التصعيد.
وبحسب تقارير، كان على متن الطائرة مستشارون عسكريون ومعدات مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ورد الحوثيون بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على مطار أبها في السعودية.
ويرى محللون أن هذا التصعيد كان متوقعاً، في ظل إعادة بناء الحوثيين لقدراتهم العسكرية، وسعي إيران لإعادة تنظيم نفوذها الإقليمي. كما يستغل الحوثيون الوضع للضغط على السعودية لتحقيق مطالبهم، مثل الاعتراف بهم كسلطة أمر واقع في اليمن وتمويل إعادة الإعمار.
يهدف الحوثيون وإيران إلى رفع كلفة الحرب على خصومهم، أملاً في دفع الولايات المتحدة إلى التفاوض. غير أن هذا الرهان ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى رد عسكري قوي من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ورغم تأكيد السعودية أنها ستبقي مضيق باب المندب مفتوحاً، فإنها تسعى لتجنب العودة إلى حرب شاملة. لكن في حال استمرار تهديد الملاحة، قد تجد نفسها مضطرة للتصعيد العسكري.
ويحذر بعض الخبراء من أن الباب قد فُتح بالفعل أمام حرب جديدة، حيث قد تستعد السعودية لعمليات برية، بينما قد يواصل الحوثيون استهداف الأراضي والبنية التحتية السعودية.
وفي ظل وساطة تقودها سلطنة عمان دون آمال كبيرة، دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى خفض التصعيد، معتبراً أن الحوثيين “وقعوا في فخ إيران”.