مرحلة انتقالية لتجاوز الفراغ التشريعي وإعادة هيكلة القطاع


الرباط – «القدس العربي»: شكّل تنصيب «اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر» محطة مفصلية في مسار تنظيم المهنة في المغرب، تنفيذًا لمقتضيات المادة 96 من القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم «المجلس الوطني للصحافة»، وهي الخطوة التي أُوكلت إليها مهمة تجاوز حالة الفراغ المؤسسي وتدبير المرحلة الانتقالية، تمهيدًا لإجراء انتخابات جديدة تفرز إدارة جديدة للمجلس نفسه بصلاحيات وهيكلة متطورة.
وجاء خيار إحداث هذه اللجنة نتيجة تراكمات وتعثرات قانونية وهيكلية واجهت التجربة الأولى للمجلس الوطني للصحافة منذ انتهاء ولايته الانتدابية الأولى لسنوات عدة. فقد تسبب انقضاء المدة الانتدابية دون تنظيم الانتخابات في موعدها في اللجوء أولاً إلى خيار التمديد الاستثنائي عبر مرسوم بقانون لضمان استمرارية المرفق العام. ومع استمرار الفراغ واستحالة التوافق بين الهيئات الممثلة للصحافيين والناشرين، صادق البرلمان على القانون القاضي بإحداث اللجنة المؤقتة الأولى لتولي مهام المجلس لعدة أشهر.
ورافق هذا المسار الانتقالي سجال حاد بين مختلف الفاعلين في القطاع حول حدود التنظيم الذاتي للمهنة ومستقبل استقلاليتها. فبينما رأت أطراف نقابية ومهنية في خيار التعيين وتشكيل لجنة مؤقتة تراجعًا عن المبدأ الدستوري المتعلق بالتنظيم الذاتي الذي يضمنه دستور 2011، اعتبرت أطراف أخرى أن هذا التدخل التشريعي كان حتمية اضطرارية لسد الفراغ المؤسساتي ومعالجة ثغرات القانون الأساسي المنظم للمجلس، والذي لم يكن يتضمن آليات حاسمة لمعالجة حالات تعذر إجراء الاستحقاقات الانتخابية في وقتها المحدد. وفي المقابل، أكدت الوزارة الوصية أن الهدف الأساسي من الإجراء هو تأهيل القطاع وتوفير بيئة قانونية وسليمة تضمن إجراء انتخابات شفافة ونزيهة.
وبناءً على الإطار المرجعي المنظم لها، ترتكز مهام اللجنة المؤقتة المعيّنة حديثًا على أبعاد رئيسية تشمل التدبير الجاري لشؤون القطاع، مثل معالجة طلبات البطاقة المهنية، ومباشرة المساطر التأديبية، وتنظيم أخلاقيات المهنة، إلى جانب إعداد دراسات واقتراح مشاريع قوانين لتحديث القطاع وتعزيز النموذج الاقتصادي للمؤسسات الإعلامية، وصولاً إلى وضع نظام داخلي جديد وإعداد القواعد اللوجستية والقانونية لتنظيم الاستحقاقات الانتخابية المقبلة للمجلس.
وفي ضوء ذلك، جاء الإطار القانوني المعدّل والمنشور بالجريدة الرسمية لإعادة ترتيب المشهد الإعلامي ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي كشفت عنها التجربة السابقة، وتركزت أبرز محاور التشريع الجديد على رفع سقف الشروط الأكاديمية والمهنية للحصول على بطاقات الصحافة لحماية القطاع من الدخلاء والعشوائية، إلى جانب وضع شروط جديدة لتأهيل المقاولة الصحافية عبر ربط الدعم العمومي بمدى التزام المؤسسة الإعلامية بالحقوق الاجتماعية للصحافيين، كالتغطية الصحية والحد الأدنى للأجور وعقود العمل الدائمة. كما حرص القانون الجديد على سد الفراغ الإجرائي الخاص بآليات تجديد هياكل المجلس في حال وقوع أي طارئ مستقبلاً، مع توسيع صلاحيات اللجان التأديبية وضبط آليات الطعن، ومواكبة التحول الرقمي من خلال تنظيم الصحافة الإلكترونية بصورة أكثر دقة وضمان احترام أخلاقيات المهنة وحقوق الملكية الفكرية.
وقد أثار هذا التنصيب ردود فعل متباينة في الأوساط المهنية والسياسية؛ إذ استقبلت «الفدرالية المغربية لناشري الصحف» الخطوة بترحيب إيجابي، حيث اعتبر مكتبها التنفيذي أن التنصيب يضع حدًا لواقع الجمود المؤسسي الذي شهده قطاع التنظيم الذاتي منذ سنوات، ويفتح المجال لمعالجة المشكلات الإدارية والتنظيمية التي اصطدمت بها المقاولات الصحافية وعانى منها الجسم المهني جراء تعطيل عمل المجلس.
ورغم ترحيبها، حرصت الفيدرالية على التذكير بالسجال الذي رافق إعداد القانون رقم 09.26 والانتقادات الواسعة التي وجهت له من منظمات مهنية وحقوقية قبل إسقاط المحكمة الدستورية لبعض مواده، معربة عن تحفظها على طريقة تشكيل اللجنة بغياب التمثيلية والتشاور المسبق، ومؤكدة في الوقت ذاته انخراطها الإيجابي واستعدادها للتعاون بناءً على المعرفة المهنية بأعضاء التركيبة الحالية وتطلّعها لإضفاء الشفافية وتجاوز التغول والاحتكار.
كما جدد «اتحاد المقاولات الصحافية الصغرى» التأكيد على مواقفه السابقة الداعية إلى حماية التعددية الإعلامية، وضمان تكافؤ الفرص بين المقاولات، وعدم اختزال قطاع الصحافة في المؤسسات الكبرى، مع اعتماد معايير عادلة وشفافة في التمثيلية والاستفادة من الدعم العمومي والولوج إلى الإعلانات والتدريب والتأهيل الرقمي.
ودعا الاتحاد، في بيان اطّلعت عليه «القدس العربي»، اللجنة المؤقتة، إلى فتح حوار جدي ومسؤول مع التنظيمات المهنية الممثلة للمقاولات الصحافية الصغرى، والاستماع إلى انشغالاتها واقتراحاتها، بما يضمن التحضير لانتخابات مهنية نزيهة وشفافة وتعددية، لا تقصي أي مكون من مكونات الجسم الصحافي، وتضع حدًا لكل أشكال الهيمنة أو التحكم أو الإقصاء.
ويرى أن نجاح اللجنة المؤقتة لن يقاس فقط بمدى احترامها للآجال القانونية والإجراءات التنظيمية، وإنما أيضاً بقدرتها على إعادة الثقة إلى الجسم الصحافي، وتوفير شروط تمثيلية حقيقية ومنصفة، وحماية استقلالية الصحافة وكرامة الصحافيين، وضمان حق المقاولات الصغرى في الاستمرار والمساهمة في التعددية الإعلامية والديمقراطية في المغرب، وفق تعبير البيان.
وكتبت الصحافية شامة درشول أنه يجب على «النافذين» و»المكولسين» و»بطون المال العام» ترك اللجنة المؤقتة الجديدة تشتغل بمهنية، وألا يتم تحويلها إلى شماعة يرمى على عاتقها أعطاب ما يزيد عن 50 سنة من الحياة الصحافية والإعلامية في المغرب، حسبما جاء في تدوينتها الترحيبية بتنصيب اللجنة المؤقتة.
في المقابل، دخل فاعلون سياسيون على خط الأزمة؛ إذ أصدرت الأمانة العامة لحزب «العدالة والتنمية» المعارض بيانًا أكدت فيه مواقفها وملاحظاتها حول قانون «المجلس الوطني للصحافة»، مشددة على ضرورة ضمان التعددية والتمثيلية بكل ديمقراطية وشفافية لمختلف مكونات الجسم الصحافي.
وشدد الحزب، في البيان الذي تلقّت «القدس العربي» نسخة منه، على أهمية إرساء مجلس يتمتع بالمشروعية والمصداقية، ويعيد الثقة في التنظيم الذاتي والمستقل للمهنة، ويقطع مع الممارسات المشينة والصورة السلبية التي رسخها التدبير السيئ من طرف المجلس السابق والحكومة على حد سواء، ما يقتضي «ضرورة انطلاق العملية الانتخابية من أساسها الصحيح».
وأوضح البيان نفسه أن الاعتماد على أساس صحيح يتطلب ضبط هيئة ناخبة حقيقية، مُحيَّنة وشاملة ودون إقصاء، مع توفير شروط المنافسة العادلة بعيدًا عن منطق الحسابات الظرفية الضيقة، أو محاولات فرض الأمر الواقع، أو تسريع المساطر عبر تحركات تجري في الكواليس أو بالاعتماد على مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي والحزبي، محذّرًا من أن «مثل هذه الممارسات لن تخدم المجلس ولا المهنة، ومن شأنها المساس بما راكمه المغرب من مكتسبات في بناء المؤسسات وتعزيز مصداقيتها».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *