جرف الصخر… تحت سيطرة الفصائل ومحرمة على الحكومة العراقية


بغداد ـ “القدس العربي”: شكّل أكتوبر/ تشرين الأول 2014، علامة فارقة لدى سكّان منطقة جرف الصخر، التابعة لناحية المسيب في محافظة بابل وسط البلاد. ففي هذا الشهر، نفّذت قوات “الحشد الشعبي” عملية عسكرية سُمّيت حينها “عمليات عاشوراء” لطرد مسلحي تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذين تسلّلوا إلى المنطقة قادمين من غرب العراق.

ومنذ ذلك التاريخ، والمنطقة التي أُطلق عليها فيما بعد بـ”جرف النصر”، تخضع بشكل مُطلق لسيطرة ونفوذ الفصائل الشيعية المسلحة، وأبرزها كتائب “حزب الله” العراقية، فيما انقسم مصير سكّانها (يُقدّر عددهم 100 – 150 ألف نسمة) بين مهجّر وبين مطارد بتهم الانتماء لتنظيم “الدولة”.

أكثر من 650 كيلومتراً مربعاً بمحاذاة نهر الفرات من الأراضي الزراعية الخصبة، المعروفة ببساتين النخيل، لا تزال في قبضة الفصائل، كمنطقة محظورة على الشيعة قبل السنّة، وعلى أي جهة حكومية، سواء أكانت أمنية أم من بقية القطاعات، خصوصاً وأنها تمثل موقعاً استراتيجياً وعقدة حيوية تربط محافظات بغداد، والأنبار، وبابل، وكربلاء.

الانغلاق التام للمنطقة حال دون ورود أنباء رسمية عن هذه البلدة الغامضة، وفتح الباب واسعاً أمام معلومات المصادر بشتّى تخصّصاتها وتوجهاتها.

تقارير صحافية تتحدث عن تحوّل “جرف الصخر ـ النصر” إلى أبرز معاقل الفصائل وسط البلاد، بكونها تضم مقار ومعسكرات تدريب، فضلاً عن ورش لصناعة الطائرات المسيرة، وسجون سرية غير نظامية، ناهيك عن مساحات ملغومة بالكامل

هذه المصادر وتقارير صحافية تتحدث عن تحوّل “جرف الصخر ـ النصر” إلى أبرز معاقل الفصائل وسط البلاد، بكونها تضم مقار ومعسكرات تدريب، فضلاً عن ورش لصناعة الطائرات المسيرة، وسجون سرية غير نظامية، ناهيك عن مساحات ملغومة بالكامل.

في أيار/ مايو الماضي، أفادت تقارير استخباراتية ومسؤولون أمنيون نقلت عنها صحيفة “واشنطن بوست”، بأنه يُعتقد احتجاز الصحافية الأمريكية شيلي كيتلسون (تعرضت للاختطاف في 31 آذار/ مارس 2026) في منطقة “جرف الصخر” بواسطة فصيل مسلح.

كما سبق ذلك تقارير محلية ودولية، أكدت احتجاز الباحثة الروسية ـ الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف (اختطفت في بغداد في آذار/ مارس 2023) في سجون ومعسكرات سرية تابعة “للكتائب”، في مناطق مثل “جرف الصخر” والمناطق الحدودية المتاخمة.

وفي منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2018، ذكر النائب في البرلمان العراقي، كامل نواف الغريري، لـ”القدس العربي”، أن “بلدة جرف الصخر لا تزال محرمة على الأجهزة الأمنية الرسمية الحكومية، فضلاً عن أكثر من خمسين ألف مواطن أغلبهم من عشيرتي الجنابيين والغرير، وغالبيتهم من الفلاحين العاملين بالزراعة، يمنعون من العودة”.

وأضاف حينها أن “البلدة مقفلة أمام أي جهة حكومية عراقية أو أي مسؤول في الدولة، وبات الإيرانيون يتحكمون فيها بشكل خطير وكأنها بلدة إيرانية، إذ تم تحويلها إلى معسكرات تدريب للميليشيات ومخازن لإخفاء الأسلحة بمختلف أنواعها”.

ودعا الغريري، وقتها، رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، إلى “زيارة المنطقة إن استطاع الدخول دون أن يعترضه أحد من عناصر الميليشيات المنتشرين على مداخلها”.

ولم يوثّق الإعلام الرسمي وغير الرسمي في العراق أيّ زيارة لرئيس وزراء أو مسؤول حكومي أو أمني إلى المنطقة في السنوات الـ12 الأخيرة، على الأقل، حسب رصد “القدس العربي”.

وعلمت “القدس العربي”، من مصادر في الفصائل، بأن تمسّكهم بالسيطرة على هذه المنطقة يأتي لضمان “عدم استهداف المراقد الدينية المقدسة في كربلاء”، خصوصاً أنها لا تبعد سوى 61 كيلومتراً فقط عن المدينة التي تشهد توافد ملايين الزائرين سنوياً، وأن “موقف الفصائل يحظى بتأييد مرجعيات دينية بارزة”.

ورغم أن العراقيين اعتادوا على فتح ملف “جرف الصخر” والدعوات السياسية لإعادة سكّان البلدة الريفية إلى ديارهم مجدداً، في كل موسم انتخابي، كأحد أبرز العناوين التي يطرحها السياسيون- السنّة خصوصاً- للترويج لحملاتهم الدعائية، من دون تحقيق أيّ نتائج عملية على الأرض.

لكن هذه المرة، تجدّد الحديث عن مصير المنطقة المحظورة هذه، تزامناً مع سعي الحكومة برئاسة علي الزيدي، تنفيذ مشروعها الرامي لحصر سلاح الفصائل، الذي من المقرر له أن ينتهي بنهاية خروج قوات التحالف الدولي بزعامة واشنطن، من الأراضي العراقية بحلول نهاية أيلول/ سبتمبر 2026.

المحلل والكاتب السياسي فلاح المشعل : الزيدي، والأجهزة القضائية والأمنية، قد وضعوا منهاجاً وتوقيتات لإخلاء جرف الصخر وغيرها من المواقع التي تشغلها الفصائل المسلحة، بعد تاريخ الثلاثين من أيلول/ سبتمبر المقبل

ويدور الحديث حالياً عن اتكاء الزيدي على جهاز مكافحة “الإرهاب”، المدعوم أمريكياً، في تنفيذ خطة عسكرية تقضي بتطويق “جرف الصخر ـ النصر”، ومنع دخول وخروج أي سلاح أو ذخائر أو طائرات مسيّرة إلى المنطقة، في خطوة للضغط على الفصائل للانصياع لمشروع “حصر السلاح”.

وحسب معلومات ذكرها المحلل والكاتب السياسي فلاح المشعل، فإن “الزيدي، والأجهزة القضائية والأمنية، قد وضعوا منهاجاً وتوقيتات لإخلاء جرف الصخر وغيرها من المواقع التي تشغلها الفصائل المسلحة، بعد تاريخ الثلاثين من أيلول/ سبتمبر المقبل”.

في الموازاة، حرّك النائب السابق وزعيم عشائر الجنابيين، عدنان الجنابي، المياه الراكدة بتصريحات تحدث فيها عن تهديد آلاف المنازل التابعة للسنّة من أبناء عشيرته في المنطقة، ومنعهم من العودة، فضلاً عن ارتكاب الفصائل جملة انتهاكات بحق المدنيين من سكّانها، الأمر الذي وضعه في مواجهة مباشرة أمام السلطة المحلية في بابل التي قررت رفع دعوى قضائية بحقه.

ومع حصول الجنابي على تأييد عشائري من شخصيات سنّية بارزة، غير أنه يواجه الآن هجمة مضادة من عشائر شيعية.

وأكد شيوخ ووجهاء محافظة كربلاء، خلال مؤتمر عشائري موسع، رفضهم لأي محاولة “تعيد الإرهاب إلى منطقة جرف النصر”، محذرين من تحويلها إلى “خاصرة أمنية تهدد محافظات كربلاء المقدسة وبابل وبغداد”.

وقال الشيخ ضياء الغانمي، خلال مؤتمر صحافي، إن “الادعاء بأن جرف النصر محتلة كذبة كبرى، فالمنطقة تحررت بثمن غالٍ طُرّز بدماء الشهداء الأبطال”، مؤكداً أن “العودة يجب أن تكون مرتبطة بالسجل والتاريخ، فمن تلطخت يداه بالإرهاب مشاركة أو تعاوناً لا يمكن السماح له بالعودة، أما الأبرياء فهم يعيشون اليوم بأمن وأمان”.

وأضاف الغانمي: “لن نسمح بجعل الجرف خاصرة رخوة تهدد بغداد وبابل وكربلاء، أو فتح طريق من الحدود السورية لتأسيس بؤرة جديدة للخراب”.

وطالب القضاء العراقي بـ”فتح ملفات المتورطين بالإرهاب ممن انخرطوا في العمل السياسي، وكشف مصير آلاف المفقودين الذين ابتلعتهم طرق الموت قرب الجرف”، داعياً “الحشد الشعبي” و”المقاومة الإسلامية” والقيادات المعنية إلى “التدخل لقطع الطريق أمام أي مخطط يهدد أمن المنطقة”، مؤكداً أن “دماء الشهداء وحماية المقدسات خط أحمر”.

فيما قال الشيخ زهير الأسدي إن “وصف جرف النصر بأنها منطقة محتلة يعني تجاهل حقيقة أن القوات الأمنية والحشد الشعبي والمقاومة قاتلت تنظيم داعش ولم تقاتل أهالي المنطقة”.

وأضاف أن “جرف النصر كانت من أعقد وأخطر ساحات المواجهة مع داعش، وسقط فيها شهداء من مختلف أبناء العراق دفاعاً عن كربلاء وبابل وبغداد”.

وأكد الأسدي رفضه “أي قرار بالعودة في الظروف الحالية مع استمرار خطر الخلايا الإرهابية والتحركات القادمة من جهة الحدود السورية”، داعياً إلى “عدم تضييع دماء الشهداء أو استخدام ملف الجرف بطريقة تهدد أمن العراق واستقراره”.

ووسط ذلك، يحذّر السياسي العراقي والوزير الأسبق، باقر الزبيدي، من خطورة تأجيج الخطاب الطائفي في هذه المرحلة، معتبراً أن قضية “جرف الصخر” تحتاج إلى “حكمة أكثر من حاجتها إلى خطاب طائفي”.

وأفاد في بيان صحافي بأنه “للأسف بات الخطاب الطائفي يتسيد الشارع العراقي في وقت نحتاج فيه إلى تكاتف الجميع من أجل العبور بالبلاد من هذه المرحلة الحساسة إلى بر الأمان”، مبيناً أن “قضية جرف النصر تحديداً باتت تستخدم في غير موضوعها بعد سنوات من استخدامها كمحرض انتخابي من قبل بعض الساسة الذين لا يملكون أي رادع أخلاقي يمنعهم من استخدام الناس وقضاياهم في سبيل مكاسبهم الانتخابية”.

يحذّر السياسي العراقي والوزير الأسبق، باقر الزبيدي، من خطورة تأجيج الخطاب الطائفي في هذه المرحلة، معتبراً أن قضية “جرف الصخر” تحتاج إلى “حكمة أكثر من حاجتها إلى خطاب طائفي”

ووفق الزبيدي، فإن “قضية جرف النصر هي قضية عراقية خالصة، ومن خلال عملنا في وزارة الداخلية إبان سيطرة الإرهاب كنا على اطلاع تام بما كان يدور في تلك المنطقة، وكيف سيطر عليها الإرهاب، واستخدمها كقاعدة لعمليات الذبح والخطف والتفخيخ، وكيف حررت بدماء الأبطال من نير الإرهاب والمتعاونين معه”.

وأكد أن “أهالي جرف النصر الكرام ممن لم تتلطخ أيديهم بالدماء لهم كل الاحترام والتقدير وحقوقهم مصونة، ونحن معهم في مطالبهم الحقة في العيش الكريم، أما من يملكون خلفيات إرهابية بعثية إجرامية، فنقولها بكل وضوح: لا مكان لكم ولن تسمح الحكومة والقضاء وقواتنا الأمنية والشرفاء في هذا الوطن بمشاريعكم الهدامة وأجندتكم البعثية المجرمة والتاريخ موجود، وشاهد على خيانتكم وخستكم وتاريخكم البعثي القذر”.

وأضاف: “ليحتفظ العراقيون بمسمى جرف النصر، فهو دليل على انتصارهم على أكبر قوى إرهابية في التاريخ، ومن يحاول أن يتجاهل هذه التسمية، فهذا دليل واضح على انتمائه لمشروع الإرهاب؛ لأن النصر هو نصر كل العراقيين بشيعتهم وسنتهم، وعربهم، وكردهم”.

وحسب رؤية الزبيدي، فإن “قضية جرف النصر اليوم تحتاج إلى حكمة أكثر من حاجتها إلى خطاب طائفي، ونتمنى من الحكومة الموقرة أن يكون هناك حل نهائي لهذه القضية قبل أن تتحول إلى كركوك جديدة”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *