القاهرة ـ «القدس العربي»: رغم مرور 15 عاما على ثورة يناير/ كانون الثاني 2011، التي أطاحت بالرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، ظلت المخاوف من تكرار هذا الحدث تمثل وسواسا يؤرق المسؤولين في مصر.
وخلال حضوره افتتاح «الأوكتاغون» مقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الجديدة، جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حديثه عن مسؤولية ثورة يناير عن تراجع الاقتصاد المصري، وانخفاض الجنيه أمام الدولار.
وقال إنه وقت الأزمة في 2011 كان الدولار بـ6 جنيهات، والآن بـ50 جنيها، وهذا معناه إن الإجراءات التي حدثت وقتها تسببت في خسائر للدولة بقيمة 450 مليار دولار، ندفع ثمنها كلنا.
السيسي أعلن أن أحد الدوافع الرئيسية وراء تدشين «الأوكتاغون» ونقل الوزارات والجهات الحساسة خارج القاهرة، يعود إلى ما جرى في 2011، حين حاصر المتظاهرون بعض المقار الرسمية، بما شكّل ضغطًا مباشرًا على السلطة في ذلك الوقت، ليشهد على أن ما حدث آنذاك لن يتكرر اليوم، وأن حصار الوزارات والمؤسسات السيادية بات من الماضي، بعدما انتقلت الحكومة ومقارها الحساسة إلى فضاء إداري وأمني جديد خارج العاصمة التقليدية.
استبعاد السياسة
تجديد الحديث عن ثورة يناير والمخاوف من تكرارها التي عادة ما تظهر في كلمات السيسي، دفع عددا من النشطاء للرد عليه، فقد دعا ياسر الهواري، الأمين العام لحزب «التقدم» (تحت التأسيس) إلى مراجعة الأوضاع السياسية، مؤكدًا أن الخطر الحقيقي على البلاد لا يتمثل في تكرار أحداث ثورة 25 يناير، والتي وصفها بأنها أصبحت «شبه مستحيلة»، في ظل عدم رغبة المواطنين في خوض تلك التجربة مرة أخرى.
ولفت خلال منشور له عبر حسابه على «فيسبوك» إلى أن استقرار أي دولة لا يتحقق مع الاستبعاد الكامل للعمل السياسي، معتبرًا أن الاكتفاء بما وصفها بـ«المشاهد التمثيلية» لا يخدم الحياة العامة، كما رأى أن مسار الحوار الوطني لم يحقق التوقعات التي عُلقت عليه.
وأضاف أن انتخابات البرلمان الأخيرة أثارت حالة من الغضب حتى لدى المؤيدين، لافتًا إلى أن السياسات والوجوه والتصريحات لم تشهد تغيرًا يُذكر.
واختتم بالتأكيد على رفضه الدعوة إلى النزول للشارع أو تكرار تجارب الماضي، محذرًا في الوقت نفسه من أن استمرار الأوضاع الحالية «ليس في صالح سلطة ولا مؤسسات ولا شعب»، داعيًا إلى تدارك الأمر.
الديون الخارجية
كذلك كتب الناشط زياد العليمي على صفحته على «فيسبوك»: «الأرقام هي التي تدل عن المسؤول عن وضعنا الاقتصادي».
وأضاف: «في يونيو/ حزيران 2014 كان الدين الخارجي 46.1 مليار دولار، والمحلي 1.81تريليون جنيه، وفي النصف الثاني من عام 2025 وصل حجم الدين الخارجي 163.7 مليار دولار، والدين المحلي 11.057 تريليون جنيه، ما يعني أن الحكومة خلال 11 عاما اقترضت 115.1 مليار دولار، ما يعادل 9.257 تريليون جنيه، ونحن المفترض أن نسدد ديون لم يؤخذ رأينا فيها بل نتهم بأننا المسؤولون عنها».
وتابع ساخرا: «أشرار 25 يناير، الذين رغم أنهم بين السجون والمنافي والمقابر منذ عام 2013 حتى الآن، لكنهم مسؤولون عن صعود الدولار من 6 إلى 50 جنيها، ومن يتخذ القرارات منذ هذا التوقيت غير مسؤول عن الأمر».
وزاد: «الحل بألا ننفق ونبني عاصمة جديدة بالاقتراض حتى نهرب من الناس، ولا نفعل مثل مبارك ونحلم بالحكم طول العمر، ونحترم الدستور ونترك السلطة أول ما تنتهي المدة الدستورية، باختصار لو هناك من يفكر في مصلحة البلد، يرفض تعديل الدستور».
حذروا من استمرار الأوضاع الحالية… وأكدوا أن الأرقام تبرّئها من أزمة الديون
حديث العليمي عن رفضه تعديل الدستور، جاء على خلفية خروج دعوات خلال الأشهر الماضية لتعديله، ففي فبراير/ شباط الماضي دعا المستشار عدلي حسين محافظة القلوبية الأسبق خلال اجتماع لجنة الإدارة المحلية في مجلس الشيوخ إلى تغيير الدستور «شكلًا وموضوعًا»، معتبرًا أن دستور 2014 ما زال يحمل آثار دستور 2012 الذي صاغته جماعة الإخوان المسلمين.
وقبلها طالب الإعلامي المصري محمد الباز بإعادة النظر في مدة الرئاسة، معتبرًا أن المصريين «اعتادوا على رئيس يدير تفاصيل الدولة»، في إشارة مباشرة إلى السيسي، بينما دعا رئيس حزب الوفد السابق والمرشح الرئاسي الأسبق عبد السند يمامة إلى تعديل باب نظام الحكم بما يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات أوسع.
وفي عام 2019 أجرت السلطات في مصر تعديلات على الدستور سمحت بتمديد مدة الرئاسة وإعادة ترتيب قواعد الترشح، ما أتاح للسيسي البقاء في الحكم حتى عام 2030.
الحياة الحزبية
السيسي بجانب انتقاده لثورة يناير وتحميلها مسؤولية الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، دعا إلى تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية، وإجراء انتخابات المجالس المحلية وتعزيز دورها في الإدارة المحلية.
وعن ذلك، قال هيثم الحريري البرلماني السابق، إن توجيهات رئيس الجمهورية بشأن توسيع المجال العام وتعزيز المشاركة السياسية، والاستعداد لإجراء انتخابات برلمانية ومحلية تعبر عن إرادة المواطنين، حملت رسائل مهمة تستحق التقدير والبناء عليها.
وأضاف خلال منشور له عبر صفحته على «فيسبوك»، أن «الحياة السياسية القوية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بإجراءات عملية تترجم هذه التوجيهات إلى واقع يشعر به المواطن، وتفتح المجال أمام جميع الكفاءات الوطنية للمشاركة في خدمة الوطن، في إطار الدستور والقانون».
وأوضح أن «المرحلة الحالية تستدعي إعادة النظر في عدد من الملفات التي تمثل عائقًا أمام تحقيق المشاركة السياسية المنشودة، وفي مقدمتها أوضاع المواطنين الذين حالت قرارات استبعادهم من أداء الخدمة العسكرية دون تمكنهم من الترشح للانتخابات البرلمانية، رغم عدم صدور أحكام قضائية تحرمهم من مباشرة حقوقهم السياسية».
وأشار إلى أن «هذه القضية لا تتعلق بأشخاص بعينهم، وإنما ترتبط بمبدأ دستوري أصيل، وهو حق المواطن في مباشرة حقوقه السياسية متى توافرت فيه الشروط القانونية والدستورية، كما أنها تمثل فرصة لإيجاد معالجة قانونية وتشريعية متوازنة، تتفق مع التوجه نحو توسيع المشاركة السياسية، وتدعم الثقة في العملية الانتخابية ومؤسسات الدولة».
واختتم الحريري منشورة بالتأكيد على أن ترجمة التوجيهات الرئاسية إلى خطوات تشريعية وتنفيذية واضحة، من شأنها أن تمثل نقلة حقيقية في مسار الإصلاح السياسي، وأن تؤكد أن الدولة ماضية في بناء حياة سياسية أكثر حيوية، تقوم على التعددية، واحترام الدستور، وتكافؤ الفرص، وإتاحة المجال أمام جميع المواطنين للمشاركة في بناء مستقبل وطنهم، مؤكدًا أن كلما اتسعت دائرة المشاركة، ازدادت قوة الدولة، وتعززت ثقة المواطنين في مؤسساتها، وهو ما يمثل أحد أهم أسس بناء الجمهورية التي يتطلع إليها كل المصريين.
انتخابات المحليات
إلى ذلك قال عمرو موسى، وزير الخارجية المصري الأسبق والأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، إن الأحزاب القوية والحياة السياسية النشطة ليستا ترفًا، ولا يجب التخوف منهما، بل هما الضمانة الحقيقية لاستقرار الدولة، وتعزيز تماسك المجتمع، وحمايته من الفوضى أو الفراغ السياسي. الدول القوية تُبنى بمؤسساتها، وبحوارها الوطني الجاد، وبمشاركة مواطنيها في الشأن العام. ولفت في بيان إلى أن انتخابات المجالس المحلية تمثل نقطة البداية الطبيعية لهذا المسار، فهي ركن ركين في بناء حياة سياسية حقيقية، وهي المدرسة الأولى لإعداد القيادات، والوسيلة الأقرب لربط المواطن بصناعة القرار على المستوى المحلي صعوداً إلى المستويات الأعلى. ملف آخر عادة ما وجهت الى السلطات في مصر انتقادات بسببهن وهو الإعلام، كان حاضرا في كلمة السيسي، الذي دعا لفتح المجال أمام حوار إعلامي موضوعي يشمل الرأي والرأي الآخر، لإثراء النقاش حول قضايا الإعلام،
وكان السيسي وجه ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، بالتنسيق مع الجهات والهيئات الإعلامية والصحافية بعقد اجتماع سنوي يوم 3 ديسمبر/ كانون الأول من كل عام، لمراجعة أوضاع الإعلام ومناقشة التحديات والفرص والخروج بتوصيات عملية لتطويره بصفة مستمرة.
نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، أعرب عن ترحيب النقابة بهذه المبادرة، التي تأتي في توقيت دقيق لمراجعة مسار العمل الصحافي والإعلامي في مصر.
وجدد مطالب النقابة الأساسية التي لطالما تبنتها، ورفعتها لمختلف الجهات، وأقرها المؤتمر العام السادس للصحافيين في ديسمبر/ كانون الأول 2024، واعتمدتها لجنة تطوير الإعلام ورفعتها ضمن توصياتها.
وشملت مطالب البلشي مراجعة البيئة التي يعمل فيها الإعلام، والتعامل معه كصناعة استراتيجية ذات طبيعة خاصة تمثل القوى الناعمة للمجتمع، في مواجهة التحديات التي تواجه الدولة داخلياً وخارجياً، خاصة في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة في المنطقة، وتحرير الصحافة والإعلام من القيود المكبلة لعملهما، ودعم الإعلام القومي ليقوم بدوره على أكمل وجه، كأداة لضبط السوق ونشر المعرفة وساحة للحوار المتنوع.
وتابع: تحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للصحافيين، باعتبارها السبيل إلى ضمان إعلام قوي، خاصة وأن دعوة الرئيس تأتي بينما تتراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للصحافيين، وفي هذا الإطار نشدد على أن ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لممارسي المهنة هو أحد السبل لتطوير الإعلام، وأنهما يشكلان مساراً واحداً يكمل كل منهما الآخر.
وطالب بإصدار قانون حرية تداول المعلومات، وإصدار قانون إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر والعلانية، والإفراج عن جميع الصحافيين المحبوسين، وتبييض السجون من المحبوسين على ذمة قضايا رأي، وإنهاء هذا الملف المؤلم، والتأكيد على ضرورة الإفراج عنهم ضمن حزمة إجراءات تمنع إضافة آخرين، وتؤكد قدرة الصحافيين على أداء عملهم بأمان دون خوف من النيل من حريتهم. ودعا إلى رفع الحجب عن جميع المواقع الصحافية والإعلامية، ووقف استخدام الحجب كإجراء احترازي أو عقابي دون مقتضى، خاصة في ظل تحوله إلى وسيلة عقاب جماعي تفتح الباب لتشريد العشرات من مزاولي المهنة، مما يقتضي مراجعة القوانين التي تفتح الباب للحجب عبر قرارات إدارية.