الباحثة راوية البوسعيدي – باحثة ماجستير في جامعة حمد بن خليفة
الدوحة – “القدس العربي”: أظهرت دراسة بجامعة حمد بن خليفة في دولة قطر أن شبكة نتفليكس تعتمد استراتيجيات مختلفة في ترجمة محتواها إلى العربية، وهو ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى تغييرات دلالية أو لغوية عند التعامل مع موضوعات حساسة ثقافيًا في العالم العربي، مثل العنصرية وقضايا المثلية الجنسية.
وقالت الباحثة راوية البوسعيدي – باحثة ماجستير في جامعة حمد بن خليفة لـ “القدس العربي”: الدراسة ركزت على السترجة (الترجمة التي تظهر أسفل الشاشة) في عروض “ستاند اب كوميدي” في نتفليكس، وكيفية ترجمة المصطلحات المرتبطة بالموضوعات التي نعتبرها غير مرغوب فيها بالعالم العربي والإسلامي، والتي نستبعدها بشكل عام في مجتمعاتنا ونتجنب الحديث عنها، والوقوف على طريقة نقل المصطلحات المتعلقة بهذه الموضوعات.
وأضافت: البحث ركز على واحد من أبرز العروض الكوميدية الأمريكية، والمعروف عن تطرقه لموضوعات يتم دائمًا انتقادها، وهو برنامج “The closer” والذي يقدمه ديف شابيل، حيث يتطرق برنامجه إلى موضوعات حساسة في مجتمعاتنا كالمثليين، فوقفت الدراسة على كيفية سترجة هذه الموضوعات عند ترجمتها إلى اللغة العربية، والتعرف على المصطلحات والاستراتيجيات المستخدمة في الترجمة.
الباحثة راوية البوسعيدي لـ “القدس العربي”: استراتيجيات ترجمة نتفليكس قد تُغير دلالات المحتوى
وأشارت إلى أنها قامت باستخراج السترجة من نتفلكس وترتيبها، والمقارنة بين اللغة الأصلية واللغة العربية، لملاحظة الفروق، ومن ثم ترتيب السترجة كاملة، ومن ثم استخراج اللغة “المنبوذة” أو غير المرغوب فيها، والتعرف على عدد المرات التي ذُكرت فيها هذه الموضوعات، والوقوف على أسباب استخدام هذه الاستراتيجيات، وكيف اثرت في توصيل الكوميديا.
وكشفت نتائج الدراسة أن المترجم استخدم بشكل أساسي استراتيجيات الترجمة المباشرة (الترجمة الحرفية) والإغفال (الحذف)، مما يؤثر بشكل كبير على الفهم والحساسية الثقافية، وأن النسبة الأكبر من الترجمة وهي 47 % تم استخدام الترجمة المباشرة، والأقل وهي 1 % باستخدام التوسيع (الإضافة).
وأوضحت أن باقي نسب الترجمة مقسمة على عدة استراتيجيات للترجمة، وأن الترجمة كانت سببًا في التأثير على المعنى الكوميدي، وهو الغرض من البرنامج، لافتة إلى أن الشبكة تشترط استخدام اللغة العربية الفصحى، في حين أن الدراسة أظهرت عدم تمكن المترجمين من الفصحى بطريقة كوميدية واضحة.
وبينما تؤكد معايير الترجمة العربية المعتمدة ضرورة الالتزام باللغة العربية الفصحى الحديثة وتجنب الألفاظ والتعابير العامية، كشفت الدراسة عن وجود حالات بدت فيها الترجمة غير منسجمة تمامًا مع هذه التوجيهات. وقد يفتح ذلك المجال للتساؤل بشأن طبيعة آليات المراجعة والتحرير، ومدى المرونة المتاحة للمترجمين عند التعامل مع المحتوى، لا سيما أن هذه الظواهر لا تبدو شائعة بالدرجة نفسها في بعض المنصات الأخرى.
وأكدت أن أهمية هذه النتائج تتجاوز الجانب الترفيهي، إذ تسهم في تعميق فهم كيفية استخدام اللغة في سياقات متعددة الثقافات، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في مجال الإعلام ووسائطه المختلفة. كما أشارت إلى أن الدراسة أبرزت ضرورة إلمام المترجمين بالفروق الثقافية الدقيقة عند التعامل مع اللغة الحساسة، بما يعزز التواصل والتفاهم بين الثقافات المختلفة.
ونوهت إلى أن البرنامج تناول عددًا من الموضوعات المتنوعة، من بينها قضايا العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومجتمع المثليين، إلى جانب موضوعات مرتبطة بجائحة كورونا. وأوضحت أن الترجمة العربية عمدت في كثير من السياقات إلى حذف أو تخفيف الألفاظ التي تتضمن سبًّا أو شتائم، مراعاةً للاعتبارات الثقافية. غير أن المتلقي العربي غالبًا ما يدرك أن هذه الألفاظ تحمل دلالات مسيئة حتى وإن لم يكن على دراية بمعانيها الدقيقة، الأمر الذي قد يؤدي أحيانًا إلى حدوث نوع من الارتباك أو فقدان بعض أبعاد المعنى المقصود.