لندن- “القدس العربي”: قال السياسي والناشط الإسرائيلي أبراهام بورغ، إن إسرائيل طالما شككت بولاء سكانها العرب، ولكنهم باتوا يعبرون اليوم عن الأمل.
وفي مقال نشرته صحيفة “أوبزيرفر” قال بورغ الذي شغل سابقا منصب رئيس الكنيست: “قبل أسبوعين، تركت سيارتي لدى ميكانيكي عربي، أصلح ما وصفه الميكانيكي بأنه عطل خطير في نظام الفرامل ولم يخطر ببالي قط أن ثقتي به قد تكون خطيرة. وفي اليوم التالي للانتخابات الإسرائيلية، زرت عيادتي المحلية. كان طبيب عائلتنا الرائع قد عمل مع منصور عباس، رئيس حزب راعم (القائمة العربية الموحدة)، في اتحاد الطلاب العرب في مستشفى هداسا، ولم يحاول قتلي قط. ومن هناك، توجهت إلى الصيدلية، حيث ناولني صيدلي عربي دوائي وقد تناولته دون تردد. في ذلك المساء، اصطحبنا الأطفال إلى مطعمنا المفضل في أبو غوش”.
ورغم كل المصاعب والحروب، هكذا تبدو الحياة الإسرائيلية المشتركة في كثير من الأماكن. وهي “التجربة اليومية لملايين الإسرائيليين، الذين نادرا ما يفكرون فيها، ثم تتدخل السياسة، متأخرة دائما عن الواقع بجيل، وفجأة يصبح الطبيب والميكانيكي والصيدلي والطاهي مشتبها بهم خطرين. ليس لسبب سوى رغبتهم في ممارسة حقوقهم المدنية، ومسؤوليتهم في أن يكون لهم رأي في حياتهم ومستقبلهم” و”هذه هي المفارقة العميقة للوجود الإسرائيلي. لقد تعلم المجتمع اليهودي العمل جنبا إلى جنب مع العرب، وتناول الطعام في مطاعمهم، التي تعد من أرقى المطاعم في البلاد والوثوق بهم في شؤون الصحة. لكن السياسة وحدها لا تزال تصر على معاملتهم كغرباء في وطنهم. تسمح لهم الهيمنة اليهودية بالمشاركة في الحياة، بينما تحرمهم من حق المشاركة في وضع القواعد التي تحكم هذه الحياة”.
وقال بورغ إن هذا النظام غير المكتوب رافق الدولة منذ نشأتها، من سنوات الحكم العسكري على المواطنين العرب، إلى إسحاق رابين، الذي أصر على تمرير اتفاقيات أوسلو بأغلبية يهودية، وشعر بالحرج من الاعتراف بالناخبين العرب عندما احتاج إليهم. ولم تقبل الأغلبية اليهودية قط المواطنين العرب في إسرائيل على قدم المساواة. حتى عندما انضم “راعم” إلى الحكومة قبل بضع سنوات، فقد قدمت مشاركته على أنها تسوية محرجة استلزمت اعتذارا ما.
وقد فهم المواطنون العرب الرسالة، فقاطعوا الانتخابات. لكن نسبة مشاركتهم تراجعت تدريجيا حتى انخفضت إلى أقل من نصف السكان، فاليأس والشعور بالاغتراب وقيادة بدت منشغلة بنفسها وإعلام يتحدث عنهم دون أن يخاطبهم أو يشاركهم، كل ذلك حوّل الانتخابات إلى طقس في دولة شعروا فيها بالغربة.
ثم جاءت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة. وخلال أربع سنوات، أقرت تشريعات تمييزية ومارست التحريض المستمر وحوّلت الشوارع إلى مسرح للجريمة والقتل، وسمحت بمذابح في المدن العربية في ظل قوة شرطة يقودها وزير مجرم بنى مسيرته السياسية على كراهية العرب.
وقد سعت هذه الحكومة إلى ترسيخ الهيمنة اليهودية، لكنها أيقظت القوة التي قد تبدأ الآن في تقويضها. ففي يوم الانتخابات، وبينما كان رئيس الوزراء ينشر صورا لطوابير في المدن العربية وكأنها غزو، كان المنتظرون للإدلاء بأصواتهم هم أولئك الذين أدركوا أن صناديق الاقتراع هي إحدى آخر وسائل الحماية المتبقية لهم.
وشارك أكثر من ثلاثة أرباع الناخبين العرب في الانتخابات، وهي نسبة تقارب نسبة الناخبين اليهود.
وقد كان هذا تصويتا للدفاع عن النفس، تحول في نهاية المطاف إلى فعل تمرد مدني. وأولئك الذين توجهوا إلى مراكز الاقتراع لإنقاذ أنفسهم اكتشفوا قوتهم الكامنة.
ويعتقد بورغ أن هذا الشعور ولّد وعيا سياسيا جديدا في هذه الانتخابات، فجيل كامل من العرب في إسرائيل حاول الاندماج دون الحصول على حقوقهم السياسية الكاملة. والآن، اكتشفوا أن الاندماج دون مشاركة في الحكم هو صفقة غير متكافئة.
ويدرك القادة العرب هذا الأمر أيضا، مظهرين نضجا سياسيا يحسدهم عليه نظراؤهم اليهود في المعارضة.
ويعرض عباس الانضمام إلى الحكومة. أما يوسف جبارين، زعيم القائمة المشتركة التي يقودها الفلسطينيون، فمستعد لدعم حكومة أقلية. وكلاهما يدرك أن التأثير الحقيقي يتطلب تخفيف حدة الخطاب الانفصالي.
ولا تزال هويتهم الفلسطينية راسخة، وكذلك نضالهم ضد الاحتلال. لكنهم اختاروا السعي وراء مطالبهم المشروعة داخل أروقة صنع القرار الإسرائيلي، بدلا من البقاء خارجها.
ويقول بورغ إن هذه هي مفارقة اللحظة الراهنة، أولئك الذين لطالما شكك في ولائهم للديمقراطية الإسرائيلية، يعرضون عليها الآن الشراكة التي قد تنقذها، ويظهرون نضجا وشعورا بالمسؤولية يخشى القادة السياسيون اليهود في إسرائيل تبنيهما.
غادي آيزنكوت وأفيغدور ليبرمان، اللذان وعدا ناخبيهما بالتغيير، يكتشفان أن التغيير يمر عبر الأشخاص أنفسهم الذين تعهدا باستبعادهم. والأرقام لا تدع مجالا للغموض، 19 مقعدا للأحزاب العربية، وهو رقم يقترب من نسبتهم في البلاد.
ولن يتمكن المعسكر الديمقراطي في إسرائيل من تشكيل حكومة دون شراكة يهودية عربية. لا مفر من هذه الحقيقة. السبيل الوحيد للحصول على أغلبية برلمانية قادرة على إزاحة اليمين المتطرف يمر عبر الأحزاب العربية، وكل من يرفض هذا الاحتمال، إنما يختار في الواقع استمرار تدمير إسرائيل الديمقراطية.
كما تكمن ثورة هذه الانتخابات في اللحظة التي بدأت فيها الأغلبية اليهودية تكتشف حدود قوتها.
فعلى مدى 78 عاما، استطاعت إسرائيل التظاهر بإمكانية حكم دولة دون وجود خُمس مواطنيها، وانتهى هذا التظاهر يوم الثلاثاء الماضي. وأصبحت إسرائيل بالفعل مجتمعا مشتركا، يدير مسارح وورش صيانة وجامعات ومطابخ. والآن، عليها أن تقرر ما إذا كانت السياسة ستواكب الواقع أخيرًا أم ستبقى منفصلة عنه. هل سنظل ديمقراطية عرقية حكرا على اليهود، أم سننمو لنصبح ديمقراطية بشركاء متساوين؟ وهذا الخيار، قبل كل شيء، سؤال لليهود. فالمجتمع اليهودي الواثق من هويته وثقافته قادر على بناء دولة تزدهر فيها الهوية دون الحاجة إلى استبعاد العرب. أما المجتمع الخائف فسيظل يبحث عن أعداء في عياداته وورشه.
ولأجيال، تم تحذير اليهود من أن المساواة تهدد هويتهم “لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماما. فالشراكة هي ما سيحررنا أخيرا من الخوف”.
وستحاول المؤسسة السياسية سد الثغرة التي أحدثتها هذه الانتخابات في جدار الهيمنة السياسية اليهودية. وقد تنجح في ذلك لفترة، لكن الثورة قد بدأت بالفعل. لقد تغير شيء ما في المفهوم الإسرائيلي للمواطنة تغيرا جذريا، مئات الآلاف ممن اعتادوا أن يعاملوا كضيوف في وطنهم قرروا أن يتصرفوا كمالكين شرعيين له. لقد كفوا عن المطالبة بمكان على المائدة لأنهم أدركوا أن المائدة ملك لهم أيضا. و”هذا هو الفجر، الثورة على وشك أن تشرق في وضح النهار. وربما في إحدى غرف الولادة في إسرائيل، يولد أول رئيس وزراء عربي للبلاد”.