باريس- “القدس العربي”: توقفت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية عند الانتخابات الإسرائيلية التي أسفرت عن تقدم طفيف لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحلفائه على “كتلة التغيير”، وهي ائتلاف أبرز معارضيه غادي آيزنكوت. ولم يتمكن أي من الطرفين من الحصول على المقاعد الـ61 اللازمة لضمان الأغلبية المطلقة في الكنيست.
ونقلت عن دافيد خلفا، الباحث في مرصد شمال إفريقيا والشرق الأوسط التابع لمؤسسة جان جوريس، قوله إن قدرة معارضي نتنياهو على تشكيل حكومة محدودة للغاية، بسبب الضغوط الأمريكية من جهة، والصعود التاريخي للأحزاب العربية، التي تشير التقديرات إلى حصولها على 19 مقعدًا، من جهة أخرى.
الدروس التي يمكن استخلاصها
الدرس الأول هو أن غالبية الناخبين الإسرائيليين، من اليهود والعرب على حد سواء، عبّروا بوضوح عن رغبتهم في التغيير. فمن المتوقع أن يتراجع عدد مقاعد الائتلاف الحاكم المنتهية ولايته، بقيادة بنيامين نتنياهو، من 64 مقعدًا في عام 2022 إلى نحو خمسين مقعدًا في الانتخابات الحالية، وهو عدد يقل كثيرًا عن عتبة الـ61 مقعدًا اللازمة للحكم. ويمثل ذلك رفضًا سياسيًا كبيرًا؛ إذ يبدو أن رئيس الوزراء المنتهية ولايته لم يعد قادرًا على جمع أغلبية حوله.
أما الدرس الثاني، فيتمثل في تراجع حزب الليكود بزعامة نتنياهو، الذي يُتوقع أن ينخفض عدد مقاعده من 32 إلى 26 مقعدًا. وقد سحب جزء من ناخبي اليمين دعمهم له، واختاروا معاقبته على حصيلة أدائه: إخفاقه الأمني الكبير في مواجهة هجمات السابع من أكتوبر، فضلًا عن أسلوب حكمه الشعبوي الشديد الاستقطاب، الذي أضعف المجتمع الإسرائيلي من خلال تعميق انقساماته.
وتكمن المفارقة اللافتة في أن الليكود يتصدر النتائج، لكنه غير قادر على تشكيل ائتلاف حكومي؛ لأنه استقطب جزءًا من أصوات الأحزاب الصغيرة المنتمية إلى اليمين المتطرف، التي كان يعتمد عليها لتأمين الأغلبية. ولم تتمكن بعض هذه الأحزاب من تجاوز العتبة الانتخابية اللازمة للحصول على مقاعد في الكنيست.
الدرس الثالث، يتعلق بآيزنكوت، الذي لم يكن حزبه موجودًا قبل عام واحد، والذي يُعد وافدًا جديدًا على العمل السياسي، لكنه حقق اختراقًا انتخابيًا لافتًا. ومع ذلك، تقدم عليه الليكود بفارق ضئيل، رغم أن استطلاعات الرأي كانت تضعه في المقدمة.
لقد تمكن نتنياهو من قلب الاتجاه في اللحظة الأخيرة، مستعينًا بما يُعرف باستراتيجية “غيفالت”، وهي خطاب تحذيري قائم على إثارة المخاوف، يستند جزئيًا إلى تهديد حقيقي يتمثل في النظام الإيراني، لكن نتنياهو ضخّم هذا التهديد لتأجيج المخاوف وحشد ناخبيه. وقد مكّنته هذه المناورة التكتيكية من تجاوز آيزنكوت في اللحظات الأخيرة، بفارق يقارب أربعة مقاعد، ووضع حزب الليكود في صدارة الانتخابات، من دون أن ينجح، حتى الآن، في تشكيل ائتلاف حكومي.
ما الذي يطالب به كل طرف بعد الانتخابات؟
يسعى كل معسكر الآن إلى فرض تفسيره الخاص لنتائج الاقتراع. ويتمسك حزب الليكود بتصدره النتائج للمطالبة بحقه في تشكيل الحكومة، استنادًا إلى العرف السياسي الذي يقضي بأن الحزب المتصدر يباشر مفاوضات تشكيل الائتلاف.
أما المعارضة، فتركز على موازين القوى الإجمالية، التي تصب في مصلحة الكتلة المناهضة لنتنياهو، مستندة إلى الحسابات البرلمانية البحتة: 48 مقعدًا لآيزنكوت، إضافة إلى 19 مقعدًا للأحزاب العربية. وهنا تكمن أهمية إعلان آيزنكوت أنه مرشح قادر على تشكيل حكومة، رغم أن فرص تحقيق ذلك تبدو آخذة في التراجع.
لماذا؟ لأسباب عدة. أولًا، بسبب الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على الطبقة السياسية الإسرائيلية. فقد سرّبت الحكومة الأمريكية، يوم الأربعاء، معلومات تشير إلى وجود ضغوط في هذا الاتجاه، فيما يجري حاليًا بحث احتمال تشكيل حكومة وحدة وطنية بالتنسيق مع واشنطن.
ويريد دونالد ترامب فرض ائتلاف يستبعد اليمين المتطرف، والأحزاب الحريدية، والأحزاب العربية.
ويتمثل الهدف الأمريكي في الاعتماد على قوى معتدلة لإنهاء المواجهة مع إيران في المرحلة الأولى، ثم توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام.
ويقوم هذا التصور على صيغة غير مسبوقة لتناوب ثلاثة قادة على رئاسة الحكومة: بنيامين نتنياهو حتى عام 2028، ثم غادي آيزنكوت، يليه نفتالي بينيت، بحيث يتولى كل من الأخيرين المنصب لمدة 18 شهرًا.
وما الأسباب الأخرى؟
الصعود الكبير للأحزاب العربية، وهو صعود تاريخي. فقد كان الرقم القياسي السابق لهذه الأحزاب 15 مقعدًا، تحقق في عام 2020، بينما تشير التوقعات الحالية إلى حصولها على ما بين 17 و19 مقعدًا.
وتؤكد هذه النتيجة واقعًا ديموغرافيًا، يتمثل في أن الفلسطينيين من مواطني إسرائيل يشكلون 21% من السكان، كما تعكس واقعًا سياسيًا يتمثل في إصرارهم على ممارسة دورهم الكامل في الحياة الديمقراطية للبلاد.
لكن آيزنكوت كان قد تعهد خلال حملته الانتخابية بعدم التحالف مع هذه الأحزاب.
هل يمكن تجاوز هذا المأزق؟
الحسابات البرلمانية واضحة ولا تترك مجالًا كبيرًا للتأويل: لا يستطيع آيزنكوت الحصول على أغلبية من 61 مقعدًا من دون دعم الأحزاب العربية.
ويمكنه، بالطبع، محاولة تشكيل حكومة من دونها، لكنه لن يحصل إلا على ما بين 53 و55 مقعدًا. أي أنه سيظل بحاجة إلى عدة مقاعد إضافية للوصول إلى الأغلبية المطلقة.
ومن هذا المنظور، ينبغي وضع تصريحات آيزنكوت خلال الحملة الانتخابية في سياقها السياسي.
فقد كان استبعاده أي تحالف مع الأحزاب العربية يهدف أساسًا إلى طمأنة الناخبين اليمينيين الذين قد يتخلون عن الليكود، واستقطاب جزء من قاعدته الانتخابية.
أما التحدي الأساسي الذي يواجهه الآن، فيتمثل في إقناع أفيغدور ليبرمان، أحد أبرز شخصيات المعارضة ووزير الدفاع السابق، الذي يرفض التحالف مع الأحزاب العربية، بل جعل هذا الرفض مسألة مبدئية.
وبالتالي، سيتعين على آيزنكوت المفاضلة بين مطلبين متناقضين: احترام تعهده الانتخابي بعدم التحالف مع حزب عربي، أو تأمين أغلبية برلمانية تمكّنه من الحكم. وهو لا يغلق الباب أمام هذا الاحتمال، لكنه يضع شروطًا له.
ما هذه الشروط؟
هناك ثلاثة شروط: الاعتراف بالطابع اليهودي لإسرائيل وبالقيم التأسيسية التي تقوم عليها الدولة. وضمان المساواة في الحقوق المدنية بين المواطنين اليهود والعرب. والالتزام بهدف القضاء على حركة حماس، سواء عبر المسار الدبلوماسي أو العسكري.
لكن، إذا تراجع آيزنكوت عن تعهده، فكيف يمكن للأحزاب العربية التفاوض على مشاركتها في الحكومة والاستفادة منها سياسيًا؟
تتمحور مطالب هذه الأحزاب حول مكافحة الجريمة داخل المجتمع العربي، وتحسين فرص الحصول على السكن، ومكافحة التمييز. لكن من الضروري أيضًا التذكير بأن ما يُسمّى “الأحزاب العربية” في إسرائيل ليس كتلة متجانسة، وأن هذه الأحزاب لا تتبنى المطالب نفسها. فالمشهد السياسي العربي منقسم، ويتمثل الخلاف الأساسي بينها في مسألة التعاون مع الأحزاب اليهودية، والاعتراف بالطابع اليهودي لدولة إسرائيل.
وقد اتخذ حزب “القائمة العربية الموحدة” منحى براغماتيًا، إذ قبل بهذا الواقع، وأدرج نائبًا يهوديًا في صفوفه، وشارك في ائتلاف حكومي سابق.
وفي المقابل، ترفض التشكيلات القومية المؤيدة للفلسطينيين، حتى الآن، الاعتراف بالطابع اليهودي للدولة.
وقد أسهمت حصيلة أداء الائتلاف الحاكم المنتهية ولايته وتحالفه مع اليمين المتطرف العنصري في دفع الناخبين العرب إلى المشاركة بكثافة، بهدف حرمانه من الأغلبية التي يحتاج إليها لمواصلة الحكم. وبالتالي، لن تتمكن المعارضة من قيادة البلاد إلا إذا قبلت بالتعاون مع المكوّن العربي.
إضافة إلى ذلك، كان الائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو في السلطة منذ أربع سنوات من دون إجراء انتخابات، وهو أمر نادر نسبيًا في إسرائيل. وقد أدت حصيلة أدائه الكارثية، وصدمة الإخفاق الأمني الذي تجلى في هجمات السابع من أكتوبر، ومشاركة جنود الاحتياط وعائلاتهم في النقاش العام، دورًا كبيرًا في حشد الناخبين اليهود والعرب على حد سواء.
كان المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من الغليان. وقد تضافرت مختلف المظالم والمطالب السياسية والاجتماعية لإلحاق هزيمة بكتلة اليمين المؤيدة لنتنياهو.
لكن الانتصار الحقيقي للمعارضة سيتحدد بقدرتها على جمع الحلفاء وبناء أغلبية برلمانية، وهي مهمة لن تكون سهلة على الإطلاق. وفي هذه المرحلة، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو توجه إسرائيل نحو انتخابات جديدة في عام 2027.