آفي أشكنازي
هكذا تبنى السردية للأجيال القادمة، وهكذا تطهر الذاكرة الجماعية لشعب كامل. قرار رئيس الموساد رومان غوفمان تنحية مسؤولين كبيرين في الموساد هو نوع من الهزة الأرضية. ليس للجمهور الغفير لا معرفة ولا أدوات للحكم على طبيعة الجودة المهنية للرجلين.
معقول الافتراض بأن للرجلين حقوقاً كثيرة. ومع ذلك، الوصول إلى قمة جهاز الاستخبارات وتبوؤ منصب موازٍ للجيش الإسرائيلي هذا لا يكون سهلاً. بالمقابل، لرئيس الموساد الحق في إحالة المسؤولين الكبار عن مناصبهم إذا ما اعتقد بأن مساهمته محدودة بالنسبة لتنفيذ خطة عمله. لكن الموضوع المقلق هنا: هل أحيل الرجلان عن منصبيهما لاعتبارات موضوعية.
كما يذكر، أحال غوفمان نائب رئيس الموساد من منصبه، بعد بضعة أيام من تعيينه. في حينه، لم تثر في الموساد عاصفة؛ إذ بدت الخطوة طبيعية واستوفت الاعتبارات المهنية. أما هنا فلا يدور الحديث ظاهراً عن خطوة طبيعية لتغيير شخصي، بل عن محاولة خلق ستار دخان تختبئ من وراءه سردية جديدة، سردية تضع المستوى المهني وحده في الجبهة مرة أخرى. في الموساد عاصفة دراماتيكية على نحو خاص، وثمة أقوال مقلقة تخرج من داخل الجهاز السري.
ينبغي أن نكون نزيهين: خطة الموساد كانت طموحة، وليس واضحاً فرص نجاحها. ولتنفيذ انقلاب سلطوي، ثمة حاجة لطرح قيادة بديلة ليست موجودة. إضافة إلى ذلك، إن خطوات الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الأقوى بكثير من نتنياهو في الولايات المتحدة وفي أوروبا وفي دول الخليج العربي، كان أكثر ذكاء من خطوات إسرائيل.
وبينما يوجد نتنياهو في نوع من الإقامة الجبرية ولا يمكنه الطيران إلى أي مكان في العالم تقريباً، باستثناء الولايات المتحدة، وحتى هناك يستقبل من الباب الخلفي، أحبط اردوغان خطوة الموساد. فقد أعلن “DON’T ” أمام ترامب، وكان هذا كافياً لطي كل شيء. في العالم، وكذا في الولايات المتحدة، لم يعودوا يحصون نتنياهو وحكومة إسرائيل، خصوصاً حين يكون الأتراك والقطريون والسعودية حيالهم. هم من حسموا الأمر في صالح النظام الإيراني، الذي برأيه اجتاز بالنصر الحروب حيال الولايات المتحدة وإسرائيل.
يفهم الموساد بأن غوفمان، الذي كان حتى وقت أخير مضى السكرتير العسكري لنتنياهو ومن المؤيدين المتحمسين لخطة الموساد، ينفذ في هذه اللحظة خطوة تثبيت السردية
يفهم الموساد بأن غوفمان، الذي كان حتى وقت أخير مضى السكرتير العسكري لنتنياهو ومن المؤيدين المتحمسين لخطة الموساد، ينفذ في هذه اللحظة خطوة تثبيت السردية. وبذلك، يسير الموساد في طريق الشرطة و”الشاباك” والجيش الإسرائيلي – من أجهزة رسمية وأصول تعود لشعب إسرائيل ودولة إسرائيل يتحولون في قسم منهم إلى أصول حزبية للزعيم الأعلى وحزبه.
بعد قليل، سيكون قد مر على مذبحة 7 أكتوبر ثلاثة سنوات. ولو كان هذا منوطاً بهذه الحكومة، فلن تقوم لجنة تحقيق رسمية ما دام الزعيم الأعلى يحكم. رئيس الأركان إيال زمير لا يعقد لجنة الأوسمة وإشارات البطولة، رغم أنه كان في هذه الحرب عدد لا يحصى من قصص البطولة للجنود والشرطة ومقاتلي “الشاباك” والموساد، ممن ضحوا بأرواحهم أمام العدو. ولماذا لا تنعقد اللجنة؟ لأن انعقادها بالضرورة هو فتح الجروح التي لا يريد الزعيم الأعلى والحكومة أن تفتح، خصوصاً عشية الانتخابات.
كلما مر الوقت، تنسى الأمور بطبيعة الحال. أطر عسكرية تتبدل. فلا قائد كتيبة أو لواء بقي في منصبه منذ 7 أكتوبر. لشدة الأسف، بعض من القادة أصيب، بعضهم سقطوا في المعارك، وآخرون اعتزلوا. في بعض الحالات، ليس هناك من يوصي للمقاتلين بالوسام. هذه أيضاً وسيلة لتغيير التاريخ وإخفاء إخفاق إسرائيل الأكبر منذ قيامها.
معاريف 9/8/2026