باريس- “القدس العربي”: تحت عنوان “دونالد ترامب يضحي بأوكرانيا من أجل طبق من العدس”، قال موقع “ميديابارت” الفرنسي إن تداعيات الحرب على إيران تجاوزت بكثير ارتفاع أسعار الوقود، لتلقي بظلالها على المشهد الجيوسياسي العالمي، مشيراً إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تتراجع شعبيته بصورة حادة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، يحاول تحقيق اختراق سياسي واقتصادي لتفادي هزيمة انتخابية متوقعة لحزبه.
أبرم الرئيس الأمريكي اتفاقاً مع نظيره الروسي، تتعهد روسيا بموجبه بتزويد الولايات المتحدة بـ300 ألف طن من الديزل خلال شهر أكتوبر، و500 ألف طن في نوفمبر، وأكثر من مليون طن بعد ذلك. وعقب هذا الإعلان مباشرة، رفعت إدارة ترامب جميع العقوبات الأمريكية المفروضة على صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق العالمية، وذلك حتى 7 أبريل 2027. وعلى الرغم من استمرار العقوبات الأوروبية، ستتمكن روسيا من بيع منتجاتها النفطية المكررة وتصديرها إلى جميع أنحاء العالم، وربما تصدير نفطها الخام أيضاً إذا كان مخصصاً للتكرير، من دون أن يتعرض عملاؤها لأي إجراءات عقابية من جانب الولايات المتحدة. وتُعد الهند، إحدى أبرز الدول المستوردة للنفط الروسي، أول المعنيين بهذا القرار.
لعل فلاديمير بوتين لم يكن يتوقع الحصول على كل هذه المكاسب. فمقابل وعود بتزويد السوق الأمريكية بالإمدادات، حصل على إعادة دمج روسيا في سوق الطاقة العالمية وتخلي البيت الأبيض علناً عن أوكرانيا
ولعل فلاديمير بوتين لم يكن يتوقع الحصول على كل هذه المكاسب. فمقابل وعود بتزويد السوق الأمريكية بالإمدادات، حصل على إعادة دمج روسيا في سوق الطاقة العالمية، والأهم من ذلك، على تخلي البيت الأبيض علناً عن أوكرانيا. وكل ذلك من دون أن يُطلب منه تقديم أي تنازلات. فلم يُطالب بوقف الضربات الروسية المتواصلة، التي تزداد فتكاً، ضد البنية التحتية المدنية والحيوية، ولا بوقف إطلاق النار، ولا باستئناف المفاوضات.
اتفاق “غير منصف”
بالنسبة إلى أوكرانيا، يمثّل هذا الاتفاق طعنة في الظهر. ويزداد الأمر سوءاً لأن إعلان دونالد ترامب عنه تزامن مع وجود وفد أوكراني في فلوريدا للتفاوض مع مبعوثَي البيت الأبيض المفضّلين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، بهدف تقييم مسار الصراع والحصول على دعم أمريكي جديد. وعندما علم فولوديمير زيلينسكي بتوقيع هذا الاتفاق، أدان، بمرارة، الاتفاق الذي وصفه بأنه “غير منصف” و”غير نزيه”، بعدما كان يعتقد أنه نجح خلال الأشهر الأخيرة في إعادة ترميم علاقاته مع دونالد ترامب.
وصعّد ترامب ضغوطه على كييف في 10 أكتوبر، عندما قال إنه “حان الوقت لأن يكون لأوكرانيا رئيس جديد”، مطالباً إياها بوقف الهجمات على المصافي الروسية. وفي المقابل، رحب الكرملين بهذه التصريحات، ووصفها بأنها “تاريخية” و”أيقونية”.
ووجد الاتحاد الأوروبي نفسه مهمشاً أمام التفاهم الأمريكي الروسي، حيث حذرت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس من أن تعليق العقوبات على الديزل الروسي يمنح موسكو مزيداً من الإيرادات لتمويل حربها، مؤكدة أن أوروبا لا تعتزم تخفيف الضغط على روسيا، وأنها ستواصل دعم أوكرانيا. لكن واشنطن لم تبد اهتماماً كبيراً بالموقف الأوروبي، رغم أن قرارها يتعارض مع الجهود السابقة الرامية إلى تقليص الإيرادات الروسية من الطاقة، ويزيد من إضعاف وحدة التحالف عبر الأطلسي.
ترامب يسعى إلى تحميل أوكرانيا مسؤولية أزمة الطاقة
واعتبر الموقع الاستقصائي الفرنسي أن الهدف الأساسي لترامب يتمثل في البحث عن طرف آخر لتحميله مسؤولية التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران، التي أدت إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع تكاليف المعيشة والوقود بالنسبة إلى المستهلكين الأمريكيين. ويحاول الرئيس الأمريكي إلقاء اللوم على الهجمات الأوكرانية التي استهدفت المصافي الروسية، مع أن هذه الهجمات كانت تحظى بتشجيع أمريكي منذ الربيع، بدلاً من الاعتراف بأن الحرب على إيران، وتدمير منشآت الطاقة في منطقة الخليج، وتعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تمثل الأسباب الرئيسية للاضطرابات الراهنة.
فالأزمة لا تتعلق أساساً بنقص النفط الروسي، بقدر ما ترتبط بتعطل تدفقات المنتجات النفطية المكررة القادمة من دول الخليج والصين والهند، وهي إمدادات كانت تؤدي دوراً أساسياً في تلبية الطلب العالمي وتحقيق التوازن في الأسواق قبل اندلاع الحرب.
واعتبر “ميديابارت” أن إعلان ترامب السيطرة الكاملة على مضيق هرمز يتناقض مع اضطراره إلى إبرام اتفاق سريع مع موسكو في محاولة لاحتواء الأزمة قبل انتخابات التجديد النصفي. ورأى أن هذا التناقض يكشف حجم الأضرار التي لحقت بسلاسل إمدادات الطاقة، ومدى صعوبة تعويض النقص الناجم عن الحرب.
ونقل “ميديابارت” عن ميشيل بروهارد، المسؤولة عن المخاطر الجيوسياسية في شركة “كبلر” المتخصصة في بيانات وتحليلات أسواق الطاقة، تساؤلها عن مصدر الديزل الذي ستصدره روسيا، مشيرة إلى أن المشكلة الروسية لا تكمن في توافر النفط الخام، بل في قدرات التكرير.
وأشار الموقع الاستقصائي الفرنسي إلى أن الهجمات الأوكرانية منذ الربيع أدت إلى تدمير أجزاء من البنية التحتية النفطية الروسية أو تعطيلها، وأن التقديرات تشير إلى أن موسكو لم تعد تمتلك سوى نحو 60% من قدراتها التكريرية. كما اضطرت روسيا خلال الصيف إلى تعليق صادراتها من المنتجات النفطية المكررة، بما فيها الديزل، من أجل إعطاء الأولوية لتلبية احتياجات السوق المحلية.
وأكد بوتين أن الاحتياطيات الروسية تكفي لتغطية الطلب الداخلي لأشهر عدة، وربما لمدة عام، في حين يواجه بعض سائقي السيارات الروس بالفعل طوابير طويلة أمام محطات الوقود. وقد تلجأ موسكو إلى سحب كميات من مخزوناتها الاستراتيجية لتنفيذ تعهداتها لواشنطن، وفقاً لموقع “ميديابارت”، الذي أوضح أن توفير بضعة ملايين من الأطنان من الاحتياطيات قد يكون أمراً يسيراً بالنسبة إلى روسيا، مقارنة بالمكاسب السياسية والاقتصادية التي ستحصل عليها في المقابل.
أهم المكاسب يتمثل في الدعم الأمريكي الصريح الذي قد يساعد بوتين على إنهاء الحرب في أوكرانيا وفق الشروط التي يريد فرضها، بعد سنوات من استنزاف الموارد الروسية
وأضاف الموقع أن أهم هذه المكاسب يتمثل في الدعم الأمريكي الصريح الذي قد يساعد بوتين على إنهاء الحرب في أوكرانيا وفق الشروط التي يريد فرضها، بعد سنوات من استنزاف الموارد الروسية.
إمدادات لا تغطي سوى أيام قليلة من الاستهلاك الأمريكي
واعتبر “ميديابارت” أن التنازلات الأمريكية من أجل الاتفاق تبدو أكثر إثارة للانتقاد بالنظر إلى محدودية العائد المتوقع منها، مشيراً إلى أن ضخ كميات كبيرة من الاحتياطيات الاستراتيجية الدولية في الأسواق خلال الأشهر الماضية لم ينجح إلا في الحد بصورة محدودة من ارتفاع أسعار النفط، كما أن ضخ الحكومة الفرنسية 10 ملايين طن من احتياطياتها النفطية يُتوقع أن يخفض أسعار البنزين والديزل بما يتراوح بين 0.12 و0.17 يورو لفترة تمتد بضعة أسابيع.
وتعادل شحنة الديزل الروسية البالغة 300 ألف طن نحو 2.25 مليون برميل، استناداً إلى متوسط يبلغ 7.5 براميل لكل طن، في حين يُقدّر الاستهلاك الداخلي الأمريكي من الديزل بنحو 4.4 ملايين برميل يومياً. وبذلك، فإن شحنة أكتوبر وحدها لا تغطي سوى نحو نصف يوم من الاستهلاك الأمريكي.
ولا يعادل إجمالي الشحنات التي تعهدت روسيا بتوفيرها حتى شهر ديسمبر سوى نحو ثلاثة أيام من الاستهلاك الداخلي الأمريكي، وهي كمية لا تكفي لإحداث انخفاض ملموس في أسعار الوقود أو تخفيف الضغوط الكبيرة على الإمدادات.
وتواجه الولايات المتحدة بدورها قيوداً في سوق المنتجات المكررة، حيث تراجعت مخزوناتها الاستراتيجية من الديزل إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1990، فيما تعمل المصافي بنحو 96% من طاقتها، ما يحد من قدرتها على زيادة الإنتاج.
كما أن استمرار موسم الأعاصير يزيد المخاطر، نظراً إلى تمركز عدد من المصافي الأمريكية في جنوب شرقي البلاد والمناطق المعرضة للعواصف. وقد يكون لتوقف بعض المصافي مع وصول إعصار إلى سواحل فلوريدا تأثير أكبر على أسعار الوقود من الإمدادات الروسية الموعودة.
وأوضح “ميديابارت” أن محدودية الشحنات الروسية، إلى جانب هشاشة البنية التحتية للطاقة الأمريكية واضطراب الإمدادات العالمية، تجعل الوعود التي أطلقها ترامب بشأن خفض الأسعار أقرب إلى الدعاية السياسية منها إلى حل فعلي للأزمة.
مكاسب لبوتين وتضييق الخناق على كييف
كما أوضح الموقع الاستقصائي الفرنسي أن الاتفاق لا يمنح روسيا عائدات إضافية فحسب، بل قد يجعل الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية موضع اعتراض مباشر من واشنطن، بحجة أنها تهدد الإمدادات النفطية الأمريكية.
وقد يُقيّد هذا التطور قدرة كييف على استهداف المنشآت التي تمثل مصدراً مهماً للإيرادات الروسية، في وقت تواصل فيه موسكو هجماتها على الأراضي الأوكرانية، ما قد يمنحها مساحة أوسع لمواصلة الحرب، فيما تتراجع قدرة أوكرانيا على استخدام الضغط الاقتصادي والعسكري لرفع كلفة الهجوم الروسي.
واعتبر “ميديابارت” أن هذا التحول لا يمثل مفاجأة كاملة في ضوء ما وصفه بميل ترامب المستمر إلى التعامل مع بوتين بقدر كبير من التساهل، واهتمامه بتأمين الموارد النفطية والمعدنية لصالح الولايات المتحدة. وتعكس تحركات الإدارة الأمريكية في فنزويلا وإيران، إلى جانب خلافاتها مع كندا والدنمارك بشأن غرينلاند، توجهاً يضع السيطرة على الموارد الاستراتيجية في صلب السياسة الخارجية الأمريكية، وفق قراءة الموقع الفرنسي.