نواكشوط – «القدس العربي»: لم يكن قرار المجلس الدستوري الموريتاني بإسقاط عضوية نائبتين معارضتين مجرد إجراء لترتيب أثر حكم قضائي نهائي، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً أوسع يتعلق بحدود الحصانة البرلمانية، ومساحة حرية التعبير التي يتمتع بها المنتخبون، والفاصل بين النقد السياسي الذي تحميه الوظيفة النيابية والخطاب الذي يمكن أن تترتب عليه مسؤولية جنائية.
وبينما يؤكد المجلس الدستوري أن مهمته اقتصرت على التحقق من قيام سبب قانوني لفقدان الأهلية وترتيب الأثر المترتب عليه، ترى قوى معارضة أن القضية تطرح من جديد مدى كفاية الضمانات الممنوحة للنواب عندما تتحول مواقفهم وتصريحاتهم إلى موضوع للملاحقة القضائية.
ولم يكن الخروج من السجن نهاية قضية النائبتين الموريتانيتين مريم الشيخ صمب جنك وقامو عاشور سالم، فالعفو الرئاسي الذي أعادهما إلى الحرية في تموز/يوليو الماضي ترك عقوبة الحرمان من الحقوق قائمة، لتتحول، بعد استنفاد الطعن القضائي، إلى أساس لفقدانهما مقعديهما في الجمعية الوطنية.
وبدأ الملف مواجهة بشأن تصريحات على وسائل التواصل الاجتماعي، وجهت بسببها للنائبتين، تهم الإساءة إلى الرموز الوطنية، ونشر مضامين اعتُبرت عنصرية ومحرضة على الكراهية والعنف، والمساس بالتماسك الاجتماعي، ثم انتقل إلى نزاع أوسع حول حماية الانتداب البرلماني والعلاقة بين القضاء والتنافس السياسي.
وأكد المجلس الدستوري، في قراره حول هذه الموضوع، فقدان النائبتين صفتهما البرلمانية، استناداً إلى حكم قضائي نهائي تضمن حبسهما أربع سنوات، اثنتان منها موقوفتا التنفيذ، وحرمانهما من ممارسة الحقوق الوطنية والمدنية خمس سنوات.
وأوضح المجلس في مداولته أن اختصاصه ينحصر في التحقق من قيام سبب عدم الأهلية وترتيب الأثر القانوني عليه، وفق القانون النظامي المتعلق بانتخاب نواب الجمعية الوطنية.
وعلى مستوى تعويض المقعدين، أفادت مصادر برلمانية أن يوسف ولد أبو مدين سيحل محل النائبة قامو عاشور سالم، فيما ستخلف هابي رباح النائبة مريم الشيخ صمب جنك في الجمعية الوطنية، عقب تأكيد فقدانهما العضوية. وأثار القرار اعتراض حزب إعادة التأسيس والعمل الشامل «الرك» (غير المرخص) واتحاد قوى التقدم، اللذين اعتبرا أن القضية تجاوزت معاقبة تصريحات بعينها إلى المساس بضمانات العمل البرلماني.
لكن فهم هذا الخلاف يقتضي العودة إلى بدايته، حين اصطدمت قراءة النيابة لحالة التلبس بتمسك الدفاع بالحصانة.
القرار أعاد الجدل حول الحصانة وحدود تجريم الخطاب السياسي
فقد بدأت القضية في نيسان/أبريل 2026، عقب بثوث على شبكات التواصل انتقدت فيها النائبتان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني والحكومة، وتناولتا ما اعتبرتاه ممارسات تمييزية.
وفي العاشر من نيسان/أبريل، أعلنت النيابة العامة بدء إجراءات البحث والمتابعة، موضحة أن الوقائع صدرت عبر بث علني مباشر، وأنها تشكل، وفق تقديرها، حالة تلبس تجيز الإجراءات الفورية.
واستندت النيابة إلى المادة 50 من الدستور والمادة 85 من النظام الداخلي للجمعية الوطنية، باعتبار التلبس استثناءً من الحصانة البرلمانية؛ وشددت على أن تطبيق القانون يشمل مرتكبي الأفعال المجرّمة مهما كانت صفاتهم، وربطت المتابعة بحماية المجتمع والمؤسسات وحقوق الأفراد.
وفي المقابل، طعنت هيئة الدفاع عن النائبتين في توفر شروط التلبس، معتبرة أن نشر تصريحات عبر الإنترنت لا يكفي لتجاوز إجراءات الحصانة؛ مؤكدة أن توقيف النائبتين داخل منزليهما، وفق روايتها، ينفي التزامن بين ارتكاب الفعل والتدخل الأمني الذي تتمسك به لتفسير الاستثناء القانوني.
وفي 20 نيسان/أبريل، أحيلت النائبتان إلى السجن بقرار من النيابة، وفق مسطرة التلبس. وبعد أيام، طالب الدفاع بإلغاء المسطرة وإسقاط التهم، معتبراً أن اختيار هذا المسار أتاح اتخاذ قرار الحبس دون إحالة الملف إلى قاضي التحقيق، وحال دون مناقشة رفع الحصانة أمام البرلمان.
وظل هذا الاعتراض الإجرائي محوراً أساسياً في دفاعهما، إلى جانب الاعتراض على مضمون الاتهامات.
القضية تتعلق بخطاب سياسي وحقوقي
وشملت الاتهامات الإساءة إلى الرموز الوطنية، ونشر مضامين اعتُبرت عنصرية ومحرضة على الكراهية والعنف، والمساس بالتماسك الاجتماعي.
أما النائبتان ودفاعهما، فتمسكتا بأن القضية تتعلق بخطاب سياسي وحقوقي، واعترضتا على مشروعية الإجراءات المتخذة بحقهما.
وصدر الحكم الابتدائي في الرابع من أيار/مايو بالسجن أربع سنوات نافذة، قبل انتقال الملف إلى الاستئناف.
وخلال جلسة مطلع تموز/يوليو، انسحبت هيئة الدفاع احتجاجاً على استمرار المحاكمة دون رفع الحصانة، ثم حُجز الملف للمداولة، وفي الثامن من يوليو، خُفض الجزء النافذ من العقوبة إلى سنتين، مع الحرمان من الحقوق المدنية والسياسية خمس سنوات.
وجاء العفو الرئاسي في التاسع من تموز/يوليو ليشمل بقية العقوبة السالبة للحرية والغرامات والمصاريف القضائية، وأُفرج عنهما في اليوم التالي؛ غير أن الحرمان من الحقوق لم يُرفع، فبقيت مسألة استمرارهما في البرلمان معلقة على مآل الطعن؛ وهنا يظهر الفارق الحاسم في القضية: الإفراج لم يُنهِ الأثر السياسي للحكم.
وفي 15 تموز/يوليو، رفض المجلس الدستوري تأكيد فقدانهما العضوية، لأن حكم الاستئناف ظل قابلاً للطعن أمام المحكمة العليا، لكن هذه الحماية المؤقتة لم تُنهِ المواجهة داخل الجمعية الوطنية، حيث أعقبتها إجراءات تأديبية وتعليق لمشاركتهما، أثارا احتجاج أنصارهما ومعارضين آخرين.
العدالة قبل العفو الرئاسي
أما قامو عاشور، فأكدت عقب الإفراج عنها أنها تطالب بالعدالة قبل العفو الرئاسي، في موقف يعكس استمرار اعتراضها على أصل المتابعة.
وحُسم المسار القضائي في 29 أيلول/سبتمبر، عندما رفضت الغرفة الجزائية بالمحكمة العليا الطعن بالنقض، بموجب القرار رقم 2026/181، ضد قرار الاستئناف رقم 110/2026.
وبعد ذلك بيومين، أكد المجلس الدستوري فقدان العضوية، بعدما أصبح الحكم نهائياً، وبذلك اختلف الأساس الإجرائي لقرار تشرين الأول/أكتوبر عن الوضع الذي استند إليه موقف المجلس في يوليو.
وفي الجانب السياسي، دان حزب «الرك» الإجراءات بحق النائبتين، معتبراً أنها تمثل انتهاكاً للحقوق والحريات والحصانة البرلمانية، وربط الحزب الملف بمحاولات صرف اهتمام الرأي العام عن مشكلات المواطنين، مؤكداً أن الترهيب والتضييق لن يحدّا من نشاط المدافعين عن الحقوق.
وتظل هذه قراءة حزبية لدوافع الإجراءات، في مقابل التبرير القانوني الذي قدمته النيابة والمجلس الدستوري.
أما اتحاد قوى التقدم، فركز على تناسب العقوبات وضمانات المحاكمة وسيادة الناخبين، منتقداً توقيف النائبتين دون الرجوع إلى البرلمان، واستباق مكتب الجمعية الوطنية للحكم النهائي بتعليق مهامهما.
واعتبر الحزب أن العقوبة المتعلقة بفقدان الانتداب والاستبعاد من الانتخابات خمس سنوات أشد أثراً من العقوبة السجنية بعد تخفيفها والعفو عنها.
وحذر الحزب من امتداد هذه الممارسة إلى أي نائب يزعج خطابه السلطة، مطالباً بإصلاح التشريع لضمان الاستماع إلى المنتخب المهدد بفقدان انتدابه، ومراقبة تناسب العقوبة، وإلغاء الأحكام الجنائية المستخدمة لقمع النقد السياسي؛ كما عبّر عن تضامنه مع النائبتين وأسرتيهما وفريقهما السياسي والناخبين الذين منحوهما أصواتهم.
وتكشف القضية عن خلاف يتجاوز المقعدين: فالمؤسسات المختصة تعتبر فقدان العضوية نتيجة قانونية لحكم نهائي بالحرمان من الحقوق، بينما ترى المعارضة أن سلامة النتيجة لا يمكن فصلها عن سلامة الإجراءات التي أنتجتها.
وبين الموقفين، تبرز حساسية الجمع بين تجريم بعض المضامين المنشورة عبر الإنترنت والعقوبات التي تمتد إلى الأهلية الانتخابية، بما يجعل أثر الحكم يتجاوز صاحبه إلى تمثيل ناخبيه.
لذلك، ووفقا لقراءة مختصين قانونيين، فقد أنهى قرار المجلس الدستوري مرحلة قضائية، لكنه أبقى السؤال السياسي مفتوحاً: كيف تُحمى المؤسسات والتماسك الاجتماعي، مع ضمان ألا تتحول ملاحقة الخطاب الحاد إلى وسيلة لإبعاد أصحابه عن التمثيل والمنافسة؟ وقد يدفع هذا الملف النقاش نحو مراجعة أوضح لضمانات الحصانة وتناسب العقوبات، بما يحد من تكرار المواجهة بين سلطة الحكم وشرعية الانتخاب.