ترامب العاقل ونتنياهو المجنون!


أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حوار مع صحيفة «نيويورك بوست» نشر أمس الأربعاء، وصفه رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بـ»المجنون تماما»، وذلك في سياق انزعاجه من تهديد نتنياهو بمهاجمة الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت لأن هذا الهجوم سيعيق محادثات السلام مع إيران.
حاول ترامب تخفيف أثر هذا التعبير بالقول إنه ونتنياهو «عملا معا بشكل جيد للغاية» وأنه «يحب بيبي (لقب التحبب لنتنياهو) كثيرا»، لكن الواقعة توضّح الأهمية التي يوليها الزعيم الأمريكي لنجاح المفاوضات مع إيران، كما توضّح، من جهة أخرى، المساعي التي يبذلها رئيس حكومة إسرائيل لتخريب أي اتفاق مع طهران.
يقدّم توصيف ترامب لنتنياهو الذي يلبس على وجهين، غاضب، من جهة، ومادح، من جهة ثانية، كشفا واضحا لتناقضات الرئيس الأمريكي نفسه، الذي اندفع وراء «مزامير» نتنياهو التي تزيّن الحرب ضد إيران من إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية وتركيب حاكم ألعوبة داعم لإسرائيل، إلى «تغيير هندسة الشرق الأوسط»، وإقامة «محور عالمي من الهند الى الإمارات فأثيوبيا مناهض للتطرف الإسلامي» الخ.
كان نتنياهو يعرض تلك الخطط الخلّبية الملونة على مسامع الرؤساء الأمريكيين السابقين، ورغم تفاني كل هؤلاء في خدمة إسرائيل، لكن أحدا منهم لم يكن – على ما أظهرته تداعيات هذه الحرب – «مجنونا» كفاية ليقتنع بوعود نتنياهو ورئيس استخباراته الخارجية عن سقوط سريع للجمهورية الإسلامية، ثم ليعلن تفاجؤه من قصفها دول الخليج العربي، وإغلاقها مضيق هرمز، ورفضها لكل مطالب الحرب ضدها، وليتخبّط في كيفية الخروج من تلك الحرب التي ضربت آثارها العسكرية والسياسية والاقتصادية المنطقة والعالم، على الشكل الذي نراه في تصريحات متقلّبة متناقضة تبدأ بإعلان مسح «القيادة الإيرانية» عن بكرة أبيها، وتنتهي بإعلانه في الحوار المذكور أمس رغبته في لقاء مرشد الجمهورية مجتبى خامنئي.
علقت إدارة ترامب في الفخ المنصوب لها، وبدأت تعاني من آثارها أيضا على الساحة الداخلية مع الخوف من تأثيراتها على الانتخابات النصفية، ومطالب صقورها، والموالين الكثر لنتنياهو ولإسرائيل، في استكمال الحرب مهما كانت النتائج، وهو ما دفع ترامب لإعلان وقف إطلاق النار، مع محاولة الحفاظ على مظهر الدولة العظمى التي ستفرض بالقوة مطالبها على إيران الضعيفة.
بيان ذلك يمكن أخذه من وقائع اليوم نفسه لنشر هذا الحوار كانت الولايات المتحدة وإيران تخوضان واحدة من أعنف جولات الهجوم منذ بدء وقف إطلاق النار في نيسان/ إبريل عندما قام الجيش الأمريكي بإطلاق صاروخ على ناقلة نفط ترفع علم بوتسوانا كانت متجهة الى ميناء إيراني في جزيرة خرج، وردت إيران على ذلك بإطلاق صواريخ على سفينة ترفع علم ليبيريا، ليعاود الجيش الأمريكي قصف محطة تحكم أرضية عسكرية إيرانية في جزيرة قشم، قرب مضيق هرمز، لترد طهران مجددا بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة على الكويت والبحرين بدعوى استهداف قاعدة جوية ومروحيات أمريكية ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، مما أدى لمقتل مقيم هندي وإصابة 63 شخصا في الكويت واستدعى انتقادات حادة من دول الخليج للعدوان الإيراني عليها.
تبدى ذلك أيضا في كيفية تعاطي إدارة ترامب مع الساحة اللبنانية بعد التهديدات الخطيرة التي أطلقها نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس بالهجوم على بيروت، ففي الوقت الذي كانت فيه واشنطن تستضيف وفدا أمنيا ممثلا للدولة اللبنانية للتفاوض مع نظير إسرائيلي له، فبعد إعلان إيران أنها سترد على الهجوم الإسرائيلي بقصف المستوطنات وإغلاق مضيق هرمز ووقف المفاوضات، وهو يعني اعتبار لبنان ملفا إيرانيا، قام ترامب بالمكالمة الغاضبة آنفة الذكر مع نتنياهو، وزعم أنه أجرى اتصالات مع «حزب الله» (عبر ممثلين رفيعي المستوى)، وهو اعتراف بإلحاق لبنان بإيران، من ناحية، وتجاهل للدولة اللبنانية، ولوزن المفاوضين الذين يمثلونها في واشنطن، وهو أمر يخالف العقل والحكمة والدبلوماسية، كما يضير حلفاء أمريكا العرب، وخصوصا في دول الخليج العربي، التي تتعرّض لأكبر أضرار الحرب.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *