الاتفاق المحتمل بين أمريكا وإيران حول إنهاء الحرب – لم تتضح شروطه بعد – يتشكل في ظل مواجهة إسرائيل لثلاث جبهات حرب لم تحسم بعد. حماس ضعيفة ولكنها تسيطر في غزة، وحزب الله الذي انهار بعد عملية “البيجرات” تعافى وما زال يخيف حكومة لبنان، وإيران ما زالت تمتلك قدرة نووية رغم ما تعرضت له في عملية “شعب كالأسد” و”زئير الأسد”. وقد أثبت استغلالها لمضيق هرمز، المورد الكبير الذي تملكه، أنه ناجح.
لهذا الواقع تداعيات أمنية وسياسية أيضاً، إضافة إلى التداعيات الاقتصادية التي لا تقل أهمية. فلن تقتصر هذه التداعيات على ردة فعل أسواق الأسهم وأسعار النفط التي ستبارك وقف الحرب، بل ستشمل بالدرجة الأولى ميزانية الدولة وما يترتب على ذلك من عجز وضرائب وميزانيات مدنية.
حتى قبل أن تتضح معالم نهاية الحرب، كان واضحاً أن ميزانية الدفاع ستشهد ارتفاعاً كبيراً في العقد القادم نتيجة صدمة أحداث 7 أكتوبر. ومع انفتاح ساحات القتال المذكورة آنفاً، ستزداد طلبات الجيش وقوات الأمن الأخرى صرامة. قد لا يتحقق نصر مطلق، لكن ستكون هناك متطلبات مالية كبيرة جدا.
لجنة نيغل التي نشرت توصيتها بشأن ميزانية الدفاع للعقد القادم في كانون الأول 2024، كتبت في تقريرها عن التهديد الإيراني: “هو تهديد خطير يجب إحباطه في أسرع وقت ممكن، بأي ثمن وبأي طريقة، مباشرة أو غير مباشرة”، كان هذا قبل عملية “شعب كالأسد” و”زئير الأسد”. لم يتم إحباط التهديد رغم الجهود الجبارة التي بذلت واستثمار أكثر من 50 مليار شيكل، وما ترتب على ذلك من ضرر اقتصادي يقدر بعشرات المليارات.
إذا تم تنفيذ التوصية بإحباط هذا التهديد، بأي طريقة وبأي ثمن، فسنكون على أهبة الاستعداد لجولات أخرى مع إيران، حتى لو سعى الرئيس ترامب إلى اتفاق لإنهاء الحملة الحالية. وإذا أدى الاتفاق الموقع مع الجمهورية الإسلامية إلى تخفيف العقوبات المفروضة عليها وإنعاش اقتصادها، فسيبدأ سباق تسلح إقليمي متسارع. قد تستفيد إسرائيل من ذلك كدولة مصدرة لمنظومات السلاح والذخيرة وأنظمة الدفاع الجوية، ولكنها ستضطر إلى تخصيص موارد كبيرة لتعزيز قدراتها.
إضافة للميزانية، لكن على أي أساس؟
الرقم الذي يشير إليه نتنياهو بين حين وآخر هو 350 مليار شيكل. هذه هي الإضافة لميزانية الدفاع في السنة القادمة، ومن المفروض أن تشمل 50 مليار شيكل من زيادة نجاعة الجيش الداخلية. وزارة المالية غير متحمسة لإضافة 350 مليار شيكل لميزانية الدفاع. ولكن يقلقها سؤال آخر: إضافة، لكن على أي أساس؟ إذا كنا نتحدث عن ميزانية الدفاع التي كانت قائمة قبل 7 أكتوبر والتي بلغت 70 مليار شيكل، فإنه أمر تحت السيطرة، أما إذا كانت هذه الزيادة ستضاف إلى ميزانيات الدفاع التي وضعت في سنوات الحرب، فهذا شيء مختلف كلياً. ففي هذه السنة مثلاً، تمت الموافقة على ميزانية دفاع تبلغ 112 مليار شيكل. ولكن بعد عملية “زئير الأسد” ارتفعت إلى 143 مليار شيكل. مع ذلك، تطلب المؤسسة الأمنية زيادة تبلغ 34 مليار شيكل. وإذا تمت الموافقة عليها فسيبلغ إجمالي ميزانية الدفاع 177 مليار شيكل هذه السنة.
قبل أسبوعين، طلبت وزارة الدفاع زيادة تبلغ 11 مليار شيكل، والآن تبلغ الميزانية المطلوبة 188 مليار شيكل. وقد زاد الطلب نظراً لتقديرات الحاجة إلى الحفاظ على منطقة أمنية موسعة في لبنان حتى نهاية السنة، والحاجة إلى 80 ألف جندي احتياط طوال السنة.
لذلك، يبرز السؤال المهم: ما هي ميزانية الدفاع الأساسية؟ وإلى أي مبلغ يجب إضافة الـ 350 مليار شيكل في العقد القادم؟ لا أحد يملك إجابة على هذا السؤال. وهو أكبر علامة استفهام تخيم على ميزانية الدولة لهذه السنة وللسنوات القادمة. أمور كثيرة ستحدد بناء على ذلك، مثل نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، والإنفاق على الخدمات المدنية، ومعدل العجز، ومتى وكيف سترفع الحكومة الضرائب على المواطنين. لن يحدث ذلك في ظل هذه الحكومة، لكن الحكومة القادمة ستكون ملزمة بذلك.
فقدان السيطرة
تعكس الفجوة بين طلبات المؤسسة الأمنية وما أقرته الحكومة حتى الآن ثلاث ظواهر معقدة: حرب طويلة ومتعددة القطاعات لا تنتهي، ونقص شديد في الجنود يستدعي تعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط لفترة طويلة، وفرض العبء على فئة محددة والحاجة إلى مكافأتها، وكلها تعكس صدمة وطنية تملي الكثير من القرارات وتؤدي إلى فتح الخزينة العامة دون رقابة أو إشراف.
لقد أدى غياب الرقابة إلى تأخر المؤسسة الأمنية في تسديد مستحقات الصناعات الأمنية التي تشتري منها بمليارات الشواقل. فقد ذكرت شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، وهي شركة مقاولات أمنية كبيرة، في تقاريرها المالية في الربع الأول من 2026، التي نشرت في هذا الأسبوع، أن “عدم اليقين بشأن ميزانية الدفاع يتسبب أحياناً بتأخير مؤقت في تسديد وزارة الدفاع لدفعات الصناعات الأمنية الكبيرة، بما فيها هذه الشركة، مقابل المنتجات والخدمات المقدمة لها. من جهة أخرى، لأسباب تتعلق بالميزانية، قد تدفع الوزارة بين حين وآخر دفعات للشركات مقدماً”.
هذه الصياغة اللطيفة تنبع من الظروف. فالصناعات الأمنية تسجل أرباحاً قياسية وأعلى تراكم للطلب في تاريخها، ويزداد الطلب على منتجاتها. فما الذي يهم إذا تأخر زبونها الرئيسي بضعة أشهر في التسديد؟
هناك فقدان سيطرة يعد الأخطر يحدث في قوات الاحتياط. لقد تعهد الجيش الإسرائيلي في السابق بتقليص مدة خدمة الاحتياط، بل وحتى حصل على نصيب بمبلغ 8 آلاف وظيفة للخدمة الدائمة قصيرة الأجل لمدة تبلغ سنتين، بهدف تخفيف العبء على جنود الاحتياط، ولكن هذا لم يتحقق. ويعود ذلك إلى توسيع الجيش الإسرائيلي للمنطقة الأمنية في لبنان وفشله في استقطاب الحريديم للخدمة في الجيش، ومطالبة جنود الاحتياط العودة للخدمة مراراً وتكراراً. ولضمان قدرة الاحتياط على تحمل هذا النقص، يرتب لهم القادة المزيد من الإجازات حتى لا ينهاروا ويتوقفوا عن الحضور.
نتيجة لذلك، تصل تكلفة كل 10 آلاف جندي احتياط إلى حوالي 400 مليون شيكل في الشهر، أي تقريباً 5 مليارات شيكل في السنة. وكان من المفروض، حسب الخطة الأصلية، أن يبقي الجيش على ما معدله 40 ألف جندي احتياط على مدار السنة. ولكنه في الواقع يبقي على أكثر من ضعف هذا العدد.
لم تكشف بعد تفاصيل الاتفاق مع إيران، أو البنود المتعلقة بالساحة اللبنانية، التي تحاول إيران ربطها بالاتفاق الشامل. وتقود إدارة ترامب المفاوضات بمشاركة محدودة من قبل إسرائيل. وحسب الرئيس ترامب، “نتنياهو سيفعل ما أطلبه منه”. بكلمات أخرى، قد تجد إسرائيل نفسها أمام ثلاث ساحات لم يتم حسمها، ولكنها مكبلة، ولن يمنع ذلك المؤسسة الأمنية من المطالبة بأموال كثيرة استعداداً للحظة التي سترفع فيها القيود.
سامي بيرتس
هآرتس/ ذي ماركر 25/5/2026