تراجع العلاقة مع الكتب..


ماذا تقرأ؟ سؤال بسيط ظاهرياً، لكنه صار من الأسئلة النادرة. قبل أيام، وخلال تظاهرة ضد العنف والجريمة المنتشرة جداً في المجتمع العربي داخل منطقة الـ 48، تقدم مني رجل صافحني أعرف ملامحه منذ سنوات، وأنه طبيب من بلدة مجاورة، لكني لم أستطع تذكر اسمه الشخصي، بل اسم عائلته فقط، وكان سهلاً أن أرد تحيته بـ “أهلا دكتور”، مال عليّ وسألني فجأة وكأنه يتابع حديثاً دار بيننا: وماذا تقرأ في هذه الأيام؟
ارتبكت للحظة، لم يكن السبب أنني لا أقرأ، بل لأن علاقتي بالقراءة نفسها تغيّرت، ذهبت تلك الأيام التي كنت أقرأ رواية في يوم أو يومين. قلت له بعد تردد، إنني أقرأ رواية للأفغاني الأمريكي خالد حسيني.
-أي منها؟
-“وردّدت الجبال الصدى”! بدأ يمدح الكاتب ومتعة قراءته، ولكن الترجمة إلى العربية تتأخر سنوات عن لغات أخرى.
الحقيقة أنني كنت قد قرأت الفصل الأول فقط قبل أيام، ثم تركتها قرب السرير بانتظار فرصة لا أعرف إن كانت ستأتي.
كانت هذه الرواية قد وصلتني هدية من صديق زار المغرب قبل شهر، اختار بضعة كتب ليهديها إلى أصدقائه، وبما أنّني أتعامل في المجال فقد خيّرني بين خمسة كتب أحضرها معه، لم يكن الخيار صعباً لأن رواية الحسيني هي الوحيدة من بينها التي لم أكن قد قرأتها. الأربعة الأخرى هي كلاسيكيات قرأتها منذ زمن بعيد.
سؤال الدكتور، يفترض أنني قارئ ممتاز، أيقظ بي شيئاً ما كما يبدو غفلت عنه، رويداً رويداً فترت رغبتي في مطالعة الكتب، وخصوصاً الروايات الطويلة، أبدأ في قراءة أكثرها وأتوقف بعد فصل أو اثنين، على أمل العودة إليها لاحقاً ولكن لا أعود.
في السنوات الأخيرة، صرت أبدأ في قراءة كثير من الكتب ولا أكملها. تتراكم بجانب سريري روايات ودراسات وكتب فلسفة وشعر، بعضها ما زال داخل النايلون. زوجتي تطلب مني دائماً بإعادتها إلى المكتبة في الغرفة الأخرى، وإلا سوف تتخذ إجراءات من طرف واحد.
لكن الكتب تبقى هناك كأنها شهود على رغبات مؤجلة. أحيانًا أتناول مختارات لـ (ريلكه) مترجمة إلى العربية مع النص الألماني، فأحاول التقاط بعض الكلمات الألمانية مقارنة بالعربية، ثم أتعب وأعيده إلى مكانه، وتمضي أشهر دون لمسه. أحياناً، أفتح كتاباً بعنوان “الفلسفة الألمانية”، عندما أبدأ في قراءة أفكار وفلسفة (كانت)، فأشعر أنني بحاجة إلى ذهن أكثر صفاءً وصبراً أكثر مما أملكه الآن.
الحقيقة أن علاقتنا بالقراءة تغيّرت جميعاً، هكذا أشعر. القارئ اليوم يريد الوصول السريع إلى الفكرة، لا يريد المقدمات الطويلة ولا الوصف المتمادي ولا “الّلت والعجن” كما نقول بالعامية. الرواية التي كانت تحتاج أسبوعاً من القراءة.
صار بالإمكان سؤال الذكاء الاصطناعي عن معظم الروايات والكتب، والحصول على خلاصة جاهزة، رغم أنه غير دقيق في بعض الأسماء والمؤلفات ويجب الحذر منه.
أشعر أحياناً أن الحاجز بين القارئ والرواية الطويلة يزداد سماكة يوماً بعد يوم.
أنظر إلى مكتبتي الخاصة الموزّعة في غرفتين، وأفكر أحياناً بمصيرها؛ ليس لأن أولادي أو أحفادي لا يقرأون، بل لأن اهتماماتهم مختلفة، تنتمي إلى عالم آخر. أفكر أحياناً أن هذه الكتب ستتحول بعد رحيلي إلى عبء ثقيل على من سيأتي بعدي، أتذكر أن هذا ما فعله أبناء البروفسور الراحل فاروق مواسي عندما تبرعوا بمكتبته الكبيرة والغنية للمكتبة العامة في مدينته باقة الغربية، أذكر كم كان يتباهى بمكتبه، وكيف كان يتصل أحياناً بدار نشر ليسأل عن مجلة أو كتاب ينقصه من سلسلة ما.
لكن كلما اقتربت من رفوف الكتب القديمة أدركت أن هذه المكتبة ليست مجرّد ورق، بل سيرة حياة كاملة.
شقيقي الأكبر، الذي اضطر إلى ترك المدرسة الابتدائية مبكّراً ليساعد والدي في إعالة الأسرة المؤلفة من تسعة أولاد وبنات، كان صاحب الفضل الحقيقي في تأسيسها.
اشترك منذ أواخر الستينيات في منشورات مكتبة فؤاد دانيال في الناصرة، التي كانت تعيد طباعة كتب عربية وتوزعها على المشتركين كل ثلاثة أشهر. كان وكيل المكتبة يزور البيوت بإصرار غريب، كي يقنع بعض الناس بالاشتراك السنوي، لتصل رزم الكتب إلى بيوتنا، خمسة أو ستة كتب دفعة واحدة، مطبوعة بطباعة رديئة، على ورق يشبه ورق الصحف، لكنها تحمل عوالم كاملة.
من هناك بدأت علاقتي الحقيقية بالقراءة، مع هذه الكتب الصفراء المهلهلة.
قرأت مارون عبود، واستمتعت بسخريته اللاذعة في “مجددون ومجترون” و”الرؤوس”. وقرأت توفيق الحكيم وقصصه الفلسفية التي بقي بعضها عالقاً في ذاكرتي حتى اليوم، خصوصاً قصة الشيخ عليش في مجموعة “أرني الله”، وقرأت ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران وعباس محمود العقاد وطه حسين، ومنها الأيام التي جعلتني أشعر أن الأدب ليس ترفاً بل معركة حياة.
أتذكر أيضًا أنني قرأت رواية “أيام معه” لكوليت خوري وأنا في الرابعة عشرة تقريباً، شعرت وقتها أنها جريئة بصورة غير مألوفة. وعندما سمعت قبل أقل من شهرين خبر وفاة الكاتبة كوليت خوري فوجئت، فقد كنت أظنّها قد رحلت منذ زمن بعيد.
في كثير من الأحيان أمنح كتاباً أحببته من مكتبتي لزميل أو صديق كي يقرأه، ويأخذه ولا يرده غالباً، لكن الأغرب أنني عندما كنت أطلب من بعضهم الكتاب الذي أعرته لهم، يردون بكل بساطة “سوف أبحث في البيت إذا يوجد عندي كتابك هذا” أصف لهم الكتاب ولون جلدته ولكن عبثاً.
أجمل من أعرته كتاباً كانت طالبة جامعية، الكتاب كان توثيقياً حول النكبة، توقعت أن الكتاب لن يعود، لكنني فوجئت بعد حوالي شهرين بوالدها يحضر الكتاب هو وابنته ليشكراني وليقدما لي علبة شوكولاتة فاخرة. كانت مفاجأة الشكولاتة حقيقية، وهذا التقدير بلا شك أنها حادثة نادرة على مستوى العالم العربي.
من أغرب ذكرياتي مع مكتبتي أنني أهديت ذات يوم كتاب “أمنا الأرض” للكاتبة المصرية جاذبية صدقي إلى صديق زمن المراهقة دعاني إلى عيد ميلاده، في زمن لم تكن فيه إقامة أعياد ميلاد عادة منتشرة، لم يكن معي مال لشراء هدية، فأهديته كتاباً من كتب دانيال. زميلي هذا لم تكن تبدو عليه أي بوادر قارئ. بعد نصف قرن وأكثر، عندما نلتقي وبعد أن يدور بيننا قليل من الكلام يبتسم ويذكّرني أنه يحتفظ بكتاب “أمنا الأرض” حتى اليوم، لكنه لم يقرأه بعد.
حدثني الناشر الصديق صالح عباسي صاحب دار نشر مكتبة كل شيء في حيفا، أنه عندما قرر المرحوم فؤاد دانيال بيع مكتبته قبل حوالي عقدين، عرضها عليه بكل ما فيها، أما عن الثمن فقد قرّرا أن يكتب كلُّ واحد منهما على ورقة ثمن الكتب، وعندما كشف صالح ورقته التي كتب فيها المبلغ الذي يقترحه، وكتب دانيال على ورقته “أنا موافق يا صالح على أي مبلغ تكتبه”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *