من 9 إلى 18 اكتوبر موعد معرض الكتاب العربي الدولي الـ67 في بيروت
بيروت ـ «القدس العربي»: مهما قست الظروف من اقتصادية أو اعتداءات صهيونية وغيرها، يبقى معرض بيروت العربي الدولي للكتاب موعداً ينتظره أهل الكتابة والقراءة. فعشق الحرف عادة ترافق مع هؤلاء وامتلك أحاسيسهم في متعة ملامسة الورق وفلفشة الصفحات ولون الحبر على الأصابع. إنه موعد يُطلق العنان لأنواع المعرفة والثقافة والتثقيف عبر عروض دور النشر وأيضاً في الندوات والمحاضرات التي تقام على هامش المعرض وقد قاربت الـ 250 مشاركا/محاضرا في حوالي 90 ندوة، إلى جانب حفلات تواقيع الكتب في علاقة تبادلية ثقافية/اجتماعية بين المؤلف والقارئ. لقد حال عدوان العام الماضي دون تنظيم المعرض، لكنه عاد هذه السنة ما بين 9 و18 تشرين الأول/اكتوبر في دورته 67، بمشاركة 168 دار نشر، بينها 23 دار نشر عربية.
طقس سنوي تحتفل به العاصمة بيروت ويستفسر عن حاله الرواد من تلامذة المدارس. وينتظره كل من أعد لائحة بالعناوين الجديدة، فكتب المعرض مدعومة بالحسم المغري أحياناً، والمحدود غالباً.
في العام 1956 أقام النادي الثقافي العربي أول معرض للكتاب في بيروت فاكتسب الرقم بين المعارض اللاحقة. وتعرض المعرض لسوسة ضربت قيامه فأنفضت عنه «نقابة اتحاد الناشرين في لبنان»، ونظّمت معرضاً منفصلاً لسنوات. لكن اللحمة عادت بين النادي وبين الناشرين وبات الإنقسام من الماضي ما أشاع جواً من الارتياح. في المعرض الـ67 حاول النادي جمع شتات الناشرين، حيث تعذّر على بعضهم المشاركة خاصة الدور المقيمة في جنوب لبنان، حيث دمّرت المنازل والمكتبات ودور النشر.
والإشارة ضرورية إلى حفل التكريم الذي أقامه المعرض للفنان شوشو بمناسبة مرور 50 سنة على رحيله، والفنان أحمد قعبور الذي غادرنا هذا العام.
هنا حوار مع رئيسة النادي الثقافي العربي ورئيسة معرض الكتاب سلوى السنيورة بعاصيري:
○ لماذا خلا معرض الكتاب العربي الدولي من شعار ثقافي في دورته الـ67؟
• في الحقيقة شعار المعرض من ضمنه. معرض بيروت العربي الدولي للكتاب. إذاً هو يُقارب في آن العربي والدولي والكتاب. ولأن هدف المعرض واسع وشامل فمن الصعب اختصاره بكلمات، خاصة وأنه يشمل العديد من الأمور والشؤون، ومن الأفضل عدم حصره في تسمية ما.
○ معرض الكتاب العربي الدولي في بيروت عميد المعارض العربية فما الذي يميزه عن معارض القاهرة ودبي والشارقة وجدّة ودمشق وغيرهم؟
• العميد هنا يأتي بمعنى أنه من بين الأوائل ولا يلغي دوراً لغيره. نحن سعداء جداً للتطور الكبير في عادات معارض الكتب في الدول العربية، وهذا يشكل إثراءً للجميع وللمثقف والمواطن العربي. وعندما يكون الكتاب في حالة جيدة في بلد ما من العالم العربي، فهذا ينعكس على مجمل الدول العربية.
○ تحديات متشعبة تواجهكم في هذا المعرض. فما هو التحدي الأكبر بينها؟
• إنها حالة الإرباك المسيطرة والتي تؤدي إلى الإحجام عن القيام بعمل ما. فالإرباك ناتج عن عدم اليقين بما يدور حولنا. بعضهم يعالج هذا الأمر بالإحجام والإكتفاء بالمراقبة من بعيد. إنما نؤمن بأن الثقافة ليست للظروف العادية فقط. هي أيضاً لتعالج أزمات. إذا غابت عن الحالة التي تتطلب وجودها، فهذا نوع من التخلي، وليس هذا المطلوب، بل المطلوب أن تكون الثقافة آداة استنهاض، ورفع وعي للخروج من الأزمات.
○ يضم المعرض 163 دار نشر. هل من دور ترددت؟
• إن غالبية الدور الكبرى تشارك في المعرض. قد تكون عدم مشاركة البعض لأسباب اقتصادية، أو انتكاسة في عمل بعض الدور نتيجة ما يعيشه جنوب لبنان والظروف الأمنية القائمة. فالغياب نتيجة هذا الأمر وليس لسواه. ودور النشر ليست محصورة فقط في العاصمة بيروت. والظرف القائم الآن حال دون مشاركة العديد من الدول العربية.
○ مشاركة مَن يفتقدها المعرض الحالي؟
• إنها المؤسسات الرسمية المتمثلة بوزارات الثقافة من دول عربية عدة وكانت تشارك وحالت الظروف الراهنة دون مشاركتها حالياً. ولكن أشير إلى أن عدد الدور العربية الخاصة المشاركة في المعرض بلغ 23 داراً.
○ كيف تتوقعين التفاعل الشعبي مع المعرض في هذا الظرف الاقتصادي الذي يرزح تحته المواطن؟
• نحن ندرك جيداً ما تعانيه القوة الشرائية لدى المواطن. لكن دائماً توجد أولويات في حياة الإنسان، خاصة أن معرض الكتاب يقام مرة واحدة في السنة، ومن المفروض لأي مهتم أن يقيم موازنة جانبية تمنحه متعة شراء الثقافة ولو على حساب سلوكيات ترفيهية أقل حاجة. فالزيارة هي حالة ثقافية بحد ذاتها. وزمن المعرض أيام عشرة، ويشكل نوعاً من الإطلالة الثقافية المُكثّفة التي يستطيع أي فرد الإستفادة منها وليس بالضرورة أن يُنفق الكثير بشأنها.
○ هل لديكم أرقام عن أعداد الإصدارات الجديدة؟
• هذا الأمر يعتمد عادة على التواقيع ونحن بصدد الحصول على هذه الإحصاءات ولم نستوفها بعد.
○ في برنامج المعرض حوالي 100 ندوة و250 مشاركا/محاضرا وهو حشد معرفي ثقافي كبير. كم سيتفاعل معه الجمهور برأيك؟
• دائماً أمام الإنسان خيارات، وعليه أن ينتقي ما الذي يروقه أكثر. ليست الدنيا أمام أمر محدد واضح وثابت وليس من بديل له. نريد مخاطبة جميع الشرائح الفكرية والفئات العمرية. ويعود للشخص نفسه أن يقرر ماذا يريد.
○ شكّل معرض الكتاب جاذبية لأكثر الأسماء شهرة وإنتاجاً ثقافياً في عالمنا العربي وبعضهم يشكلون رموزاً. كم أنتم مصممون على الاستمرار في هذه الاستضافات التي تُشكل قاعدة معرفية واسعة؟
• بين المشاركين في الندوات من الدول العربية أسماء مرموقة في مجال الأدب والفكر والمعرفة. ويشاركنا في الندوات مجموعة من الكُتاب الفرنسيين، ويضاف إليهم كتّاب لبنانيون ذوو أسماء مرموقة جداً لها إصداراتها وحضورها. ولبنان يزخر بالكتّاب والمؤلفين والذين ستكون لهم منصة خلال المعرض، والبرنامج بحد ذاته يعكس هذه الأسماء.
○ هل من أسماء ترددت في المجيئ إلى لبنان؟
• لا شك أن هناك بعض الأسماء التي ترددت. وقد يكون الإعتذار نتيجة لإرتباط آخر، وليس بالضرورة لظرف أمني. عندما نبدأ بإعداد البرنامج نستطلع الأسماء ونتصل، قد نوفق وقد لا نوفق، ولعدة اعتبارات.
○ عودة النادي الثقافي العربي للمشاركة مع نقابة اتحاد الناشرين في لبنان في تنظيم المعرض ترك ارتياحاً. كيف تم التوافق مجدداً؟
• الأمر الطبيعي هو المشاركة. والأمر الإستثنائي هو الإنفصال. لقد عملنا على إلغاء الإستثناء وحافظنا على الأمر الطبيعي.
○ خسائر جنوب لبنان من العدوان الصهيوني من بشر وحجر تفوق الوصف، وكذلك تدمير المكتبات التي تضمّ أمهات الكتب التراثية النادرة. كيف تتوقعين تعويضها في المستقبل؟
• هذا أمر مؤلم جداً وخاصة أن الكتاب يعني لنا الكثير. وتشكل المكتبة خزيناً معرفياً جُمع على مدى عقود وبجهد شخصي وجماعي كبير. تُعلمنا الحياة دائماً أن هناك خسارات، لكن هناك محاولات لإعادة البناء. وهذا ما علينا التأكيد عليه أننا نعترف بهذه الخسارة الكبيرة والتي كنا نتمنى أن لا تحصل، ولكن بما أنها حصلت فعلينا أن نتعلّم الدروس منها، وأن نحاول إعادة البناء من جديد، والوقوف على أقدامنا من جديد.
○ شئنا أم أبينا يُشغلنا الجيل الجديد. كيف تقرأين في الواقع التربوي خاصة على صعيد المدرسة الرسمية؟ وهذا الجيل من المفترض أن يكون من جمهور الكتاب والمعرض بعد سنوات؟
• هناك أسباب متعددة خلف هذا الفقد المعرفي والتربوي لدى الجيل الجديد، ويبدأ بعدد الأيام التي كان فيها انقطاع عن الدراسة، وأيضاً طريقة مقاربة المعلومة باستخدام أدوات تقانة حديثة قد تُعرِّض طالب العلم إلى عدم بذل الجهد الكبير الذي يستوجبه إعمال التفكير. ليست المسألة إن كنت أقرأ رقمياً أم ورقياً فقد أمسك بكتاب وقد أحمل اللابتوب. وفي الحالتين يجب أن تكون هناك حالة من التركيز والتعمّق في ما أقرأه وصولاً إلى الغاية. لكن المخيف هو في القراءة السطحية وليست الآداة أو الوسيلة المستخدمة في القراءة.
○ نعرف أن النادي الثقافي العربي ساهم في تأسيس فرقة موسيقية مع المايسترو سليم سحّاب وفرقة دمى للأطفال وفي تنظيمه لمعارض الرسم وفعاليات ثقافية متعددة أخرى. لماذا تراجع هذا الاهتمام؟
• أبداً. إلى الآن نقيم المعارض للمبتدئين في الرسم. ويستطيع الفنان التشكيلي المبتدئ عرض لوحاته في مقر النادي، وهو أمر ما يزال قائماً. وأي نشاط يتطلب توفير غطاء ودعم من النادي فما يزال مفتوحاً. إنما الظروف الأمنية هي التي أدت إلى التراجع أكثر من كونها ظروف خاصة بالنادي الذي لم يُغلق أبوابه يوماً بوجه أحد. وعلى ذكر فرقة سليم سحاب فإن الفنانة ريما خشيش التي كانت من الأطفال الذين وجدوا موهبتهم عبر هذا المايسترو هي من أحيت يوم افتتاح المعرض بتنظيم من النادي. وهذا دليل على أننا لم نتوقف عن كل أولوياتنا.
○ نعرف أن تخصصك الجامعي اقتصادي وتشغلين موقعاً ثقافياً وأدبياً. هل يشعرك هذا بنوع من التضارب؟
• أبداً. العلوم تكمل بعضها البعض. عندما تدخلين في حقل أو اختصاص ما تكون الدراسة لتوسعة الأفق المعرفي، وتمرين للقدرة على إستشفاف المعنى في أي حقل كان. فالدراسة تشكّل مقاربة لتحسين الأدوات المعرفية في الحقول كافة ولا تنتهي دراسة الإنسان مع الانتهاء من المدرسة أو الجامعة، بل هي بداية الطريق بأدوات أفضل وفي كافة المعارف.
○ كم بمقدور معرض الكتاب في لبنان أو غيره من البلدان العربية من لعب دور النبذ للعصبيات وفي الدعوة للتضامن الذي بات حاجة ماسة للجميع؟
• إن دور الكتاب هو رفع الوعي و ليس للتحرض أو تزييف الحقائق، ونشر للمغالطات. وهنا يكمن التحدي.
○ فلسطين خبر عالمي دائم، والإبادة متواصلة في غزّة، وتهويد الضفة الغربية على قدم وساق، والكتّاب والفنانون وأصحاب الرأي يدينون السلوك الصهيوني. هل في المعرض ومن خلال الندوات ما يمت بصله لهذه الحالات؟
• إن مراجعة المُدرج في البرنامج الثقافي للمعرض تفيد بوجود نصيب وافر للجنوب اللبناني وغزّة والوضع الإنساني ككل في فلسطين. وكيفما التفتنا في البرنامج سنجد الجواب على سؤالك.
○ أدب السجون في فلسطين بات منظورا جداً. هل ترحبون بسجين محرر يأتي لحفل توقيع على سبيل المثال؟
• إذا كان الكتاب مُدرجاً في دور النشر المشاركة، فحكماً قد يكون من ضمن الندوات المطروحة أو من ضمن التواقيع المحددة من قبل دور النشر. وحُكماً سيأخذ حقه عبر دار النشر الذي يتعامل معه.
○ هل ما يزال لبنان قبلة لتقديم الكتاب بحلة جميلة كصناعة؟
• نحن من بين آخرين وهذا عامل نفتخر به بأننا كنّا الروّاد والملهمين للآخرين، واستطعنا أن نخلق هذه الحالة عندهم.