بعد الانسحاب الأمريكي لمن يبقى السلاح؟


إذا مضت الترتيبات المعلنة كما هو مقرر، فإن الثلاثين من أيلول/سبتمبر المقبل لن يكون مجرد تاريخ آخر في روزنامة السياسة العراقية. ففي ذلك اليوم يفترض أن تُطوى صفحة الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق، بعد ثلاثة وعشرين عاماً من الغزو والحرب والانسحاب والعودة، وفي اليوم نفسه تريد حكومة علي الزيدي أن تطوي صفحة أخرى لا تقل تعقيداً: السلاح الذي ظل خارج سلطة الدولة، أو موازياً لها، أو متداخلاً مع مؤسساتها إلى درجة يصعب معها أحياناً معرفة أين تنتهي الدولة وأين تبدأ الميليشيا.
أكد الزيدي، بعد اجتماعه بقائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر، أن 30 سبتمبر هو «الموعد الثابت والنهائي» لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي واستكمال مغادرة قواته. وكانت واشنطن وبغداد قد اتفقتا منذ عام 2024 على إنهاء مهمة التحالف، بعدما تقلص الوجود الأمريكي الذي بلغ في ذروته أكثر من 170 ألف جندي إلى قوة محدودة تولت التدريب والإسناد وملاحقة تنظيم الدولة (داعش). لكن اللافت أن الحكومة العراقية اختارت التاريخ نفسه موعداً لإنهاء وجود السلاح خارج الدولة، في ربط سياسي مقصود بين خروج القوات الأجنبية وانتهاء المبرر الذي استندت إليه «فصائل المقاومة» للاحتفاظ بسلاحها، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، ولا تنتهي.
فإذا كان الوجود الأمريكي هو «الاحتلال»، الذي بررت به تلك الفصائل سلاحها وعملياتها طوال سنوات، فماذا سيقاوم هذا السلاح بعد مغادرة آخر جندي أمريكي؟ ومن سيكون عدوه؟ والأهم لمن ستكون طاعته؟ ما تقوله بعض الفصائل يشير إلى أن المسألة لم تعد مرتبطة أصلاً بوجود القوات الأمريكية. فحركة النجباء، وهي من أبرز الفصائل المرتبطة بما يسمى «محور المقاومة»، أعلنت بوضوح أنها لا تنوي تسليم سلاحها، واعتبر متحدث باسمها أن مشروع حصر السلاح بيد الدولة يخدم «مطالب أمريكية وصهيونية وغربية وخليجية»، مؤكداً أن سلاح الفصائل «عقائدي وشعبي» وأن الحركة «لن تسلم سلاحها». والأمر لا يقتصر على النجباء؛ فكتائب حزب الله وكتائب سيد الشهداء ما زالت، وفق التقارير المتاحة، ضمن القوى الرافضة لنزع السلاح، فيما يقول ناشطون مقربون من هذه الجماعات إن «محور المقاومة لن يسلم سلاحه حتى بعد انسحاب الأمريكيين»، بل وصل خطاب التحدي لدى بعضهم إلى قلب الشعار الحكومي رأساً على عقب بالدعوة إلى «حصر سلاح الدولة بيد الفصائل».

بغداد أمام معادلة تكاد تكون مستحيلة: واشنطن تريد منها إثبات قدرتها على إخضاع السلاح لسلطة الدولة، وطهران لا تريد خسارة واحدة من أهم أوراق نفوذها الإقليمي، والفصائل تعرف أن الوقت يعمل لمصلحتها كلما تأجل الحسم

وبذلك تنتقل القضية من خلاف حول توقيت تسليم السلاح إلى خلاف حول مصدر الشرعية ذاته. وقد ذهبت أصوات محسوبة على بعض الفصائل الأكثر تشدداً إلى اعتبار السلاح قضية «عقائدية»، وربطت التخلي عنه بظهور الإمام المهدي، وهو خطاب أثار اعتراضاً حتى داخل قوى قريبة من «المقاومة». فقد وصف حسين الشيحاني عضو المكتب السياسي لحركة «صادقون»، ربط حصر السلاح بظهور الإمام المهدي بأنه «غير منطقي وغير مسؤول»، مؤكداً أن السقف المنطقي الذي تطرحه قوى المقاومة الرافضة للتسليم هو خروج القوات الأمريكية.
وهنا تصبح المفارقة أكثر عمقاً، فالإمام المهدي، في المعتقد الشيعي الاثني عشري، إمام غائب ينتظر المؤمنون ظهوره، وليس مؤسسة دستورية في الدولة العراقية يمكن إحالة ملكية السلاح، أو قرار استخدامه إليها. وحين يصبح السلاح «وديعة عقائدية» لا تستطيع الحكومة المنتخبة ولا القائد العام للقوات المسلحة التصرف بها، فنحن لا نعود أمام مشكلة أمنية قابلة للحل بتسجيل البنادق، أو إغلاق المعسكرات، بل أمام تصور للشرعية يضع نفسه، عملياً، فوق الدولة والدستور. ومن هنا أيضاً يمكن فهم لماذا لا يؤدي خروج القوات الأمريكية تلقائياً إلى نهاية الفصائل المسلحة؛ فبعض هذه التنظيمات لا ترى نفسها مجرد تشكيلات عراقية نشأت لمواجهة ظرف أمني محدد، وإنما جزء من «محور مقاومة» عابر للحدود يرتبط عضوياً باستراتيجية إقليمية تقودها إيران. وهذا يضع طهران في قلب المعضلة. فالزيدي ذهب إليها طالباً المساعدة في إقناع الفصائل المرتبطة بها بالتجاوب مع قرار الدولة. وتفيد تقارير دبلوماسية بأنه طلب من الإيرانيين التعاون مع بغداد، وتسهيل تنفيذ قرار حصر السلاح عبر حث الفصائل على الاستجابة، محذراً من أن عرقلة العملية قد تعرض العراق والفصائل نفسها لتداعيات وضغوط وضربات جديدة. والأكثر دلالة أن معلومات أحدث تذهب أبعد من ذلك. فمصادر عراقية تحدثت عن مسؤولين إيرانيين يرون أن توقيت حملة حصر السلاح «سيئ للغاية»، لأن ظروف الصراع الإقليمي تستدعي، من وجهة نظرهم، تمسك حلفائهم بالسلاح، ولا سيما في العراق، فيما تحدثت المصادر عن ضغوط على قوى «الإطار التنسيقي» لتأجيل تنفيذ الخطة. وهكذا تجد بغداد نفسها أمام معادلة تكاد تكون مستحيلة: واشنطن تريد منها إثبات قدرتها على إخضاع السلاح لسلطة الدولة، وطهران لا تريد خسارة واحدة من أهم أوراق نفوذها الإقليمي، والفصائل تعرف أن الوقت يعمل لمصلحتها كلما تأجل الحسم.
لكن أغرب مشاهد هذه الحكاية ربما جاء من بغداد نفسها، فقد أعلنت وزارة الداخلية إغلاق 71 مقراً «وهمياً» للحشد الشعبي ضمن إجراءات تنظيم السلاح، ثم سارعت هيئة الحشد إلى القول، إن تلك المقرات «لا تمت إليها بأي صلة»، وإن القائمين عليها كانوا يدّعون الانتساب إليها. تعبير «المقرات الوهمية» يستحق التوقف عنده، فالمقر الوهمي عادة عنوان لا وجود له، أما مقر قائم فعلياً، يشغله مسلحون ويرفع اسماً أو راية ويعمل على الأرض، فلا يصبح وهمياً لمجرد أن المؤسسة التي استخدم اسمها تنفي علاقتها به. السؤال هنا ليس لغوياً: كيف استطاع 71 مقراً أن يعمل تحت اسم الحشد من دون أن يكون تابعاً للحشد؟ ومن كان يحمي هذه المقرات؟ ومن أين جاءت أسلحتها؟ ومن سمح لها باستخدام اسم مؤسسة أمنية رسمية؟ ولماذا احتاج اكتشاف «وهميتها» إلى حملة حصر السلاح في عام 2026؟
إن صورة الدولة تصبح أكثر التباساً عندما نعرف أن محاولة سابقة لمداهمة موقع يُعتقد أنه تابع لحركة النجباء في جرف النداف، قيل إنه يضم منشأة لتصنيع الطائرات المسيّرة، انتهت بانسحاب القوة المشتركة من دون تفتيش الموقع، رغم أن القوة ضمت قيادة عمليات بغداد والشرطة الاتحادية ومديرية أمن الحشد الشعبي. وقد دفع فشل الاقتحام، حسب مصدر سياسي، إلى تعديل التفكير الحكومي من اقتحام مقرات الفصائل إلى تطويقها وتقييد حركتها. وهذا ربما يختصر المسافة بين إعلان «حصر السلاح» والقدرة الفعلية على حصره. لذلك لا تبدو معركة الزيدي معركة جمع بنادق بقدر ما هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والقوة المسلحة، فالفصائل ليست مخازن أسلحة فحسب؛ لبعضها أذرع سياسية ونفوذ اقتصادي وقواعد اجتماعية ومواقع داخل مؤسسات الدولة نفسها. وتلك هي المفارقة العراقية التي تجعل المهمة أشد تعقيداً: الدولة مطالبة بنزع سلاح جماعات يعمل قسم من عناصرها ويتقاضى رواتبه داخل مؤسسة رسمية تابعة للدولة، بينما يحتفظ في الوقت نفسه بانتماء تنظيمي وعقائدي وقرار عسكري يقع خارج التسلسل الرسمي. وقد وصف أحد التقارير هذه الحالة بأنها «ازدواج وظيفي وهوية مركبة» بين الحشد بوصفه مؤسسة رسمية وفصائل المقاومة بوصفها فاعلاً يتجاوز سلطة الدولة. ولهذا أيضاً سيكون من الخطأ اختزال مطلب حصر السلاح في كونه مطلباً أمريكياً. إنه مطلب عراقي سبق المواعيد الأمريكية الحالية بسنوات، وبرز بقوة خلال احتجاجات تشرين 2019 مع تصاعد السؤال عن الجماعات المسلحة والإفلات من العقاب وسيادة القانون. قد تضغط واشنطن، وقد ترى دول المنطقة في سلاح الفصائل تهديداً لأمنها، لكن السؤال في جوهره يظل عراقياً: هل توجد دولة واحدة وقرار واحد وسلاح شرعي واحد، أم أن السيادة يمكن توزيعها بين الحكومة وفصائل ومراجع سياسية وعقائدية ومراكز قرار خارج الحدود؟
سيكون خروج القوات الأمريكية، إذا اكتمل في موعده، حدثاً مهماً بلا شك، لكنه قد يؤدي، على نحو مفارق، إلى نزع الغطاء عن مشكلة أعمق ظلت مختبئة خلف شعار «مقاومة الاحتلال». فبعد 30 سبتمبر لن يكون السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا بقي الأمريكيون كل هذه السنوات؟ بل لماذا يبقى السلاح خارج الدولة بعد رحيلهم؟ وعندئذ سيكون على الفصائل التي جعلت من الوجود الأمريكي مبرراً لسلاحها، أن تقدم للعراقيين جواباً جديداً. وسيكون على الحكومة، في المقابل، أن تثبت أن «حصر السلاح بيد الدولة» ليس شعاراً من الشعارات التي استهلكتها الحكومات المتعاقبة. فاختبار السيادة الحقيقي لا يبدأ عندما يغادر الجندي الأجنبي أرض العراق، وإنما عندما يصبح قرار استخدام القوة داخل العراق عراقياً، دستورياً، ومحصوراً بمؤسسات الدولة. ولهذا سيكون الثلاثون من سبتمبر المقبل بداية السؤال، لا نهايته: عندما يرحل الأمريكيون، لمن سيبقى السلاح؟

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *