«الأنا» عند محمود درويش… فردية أم صوت في المجموع؟


وقع بين يديّ كتاب لصفاء المهداوي بعنوان «الأنا في شعر محمود درويش» (عمان: 2013)، والكتاب وفق العنوان الفرعي دراسة سوسيو ثقافية في دواوينه من 1995- 2009 وفي هذا العنوان، وفي حدوده، ما لا يصحُّ قطعا. فالدراسة نفسية أكثر منها سوسيولوجية ثقافية. والانطلاق في الدراسة جاء عن طريق علم النفس، ومن ينظر في مراجعها يجدها مراجع غلبت عليها الدراسات النفسية. فمنها علاوة على الكتب التي تبحث في الأنا، وفي الذات، «موسوعة علم النفس، والذات في مواجهة العالم»، وهو كتابٌ يبحث في الاغتراب، ومنها كتاب «من النرجسية إلى المرآة»، قراءة في التحليل النفسي و»مرايا نرسيس» وهو كتاب يهتم بالنرجسية، وحب الأنا. و»الشخصية في ضوء التحليل النفسي» و»موسوعة علم النفس» لمؤلفين آخرين غير التي ذكرت. و»معجم علم النفس الطبي». وقلما تذكر مرجعا متصلا بالسوسولوجيا الثقافية إلا من ذكرها «مرايا الأب والسلطة دراسة سوسيو ثقافية في السيرة»، ومع هذا فإن الكتاب يبحث، بلا ريب، في النواحي النفسية التي تتركها الأبوية البطركية في الطفل، وفي الإنسان، ذكرا وأنثى، ومن هؤلاء بالطبع الشاعر، إن كان محمود درويش أم غيره.
وكتاب صفاء يتحدث عن الأنا في شعره، لكنها اختارت دواوين صدرت بين عامي 1995 و2009 وهذا الأخير لا ينسحب إلا على ديوان صدر بعيد وفاته 2009 وهو ديوان « لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي». والاعتراض على هذا يأتي من حيث أن الدواوين التي وقع عليها الاختيار، هي تلك التي تغيَّبت فيها الأنا الافتراضية عن شخصيته وشعره. فالمعروف أن السنوات الأولى من حياة الشاعر، أو الكاتب، أو الفنان، على رأي علم النفس، وزعيمهم المتوَّج فرويد، هي التي تشهد تكوُّن الأنا، وظهور ما تتصف به لاحقا من نوازع، ودوافع، شخصية، وغير شخصية، وتبعا لذلك كنا نفضل ألا تستثني من الدراسة بواكيره من «عصافير بلا أجنحة»، مرورا «بأوراق الزيتون»، فـ»عاشق من فلسطين»، و»آخر الليل»، وجل ما نشره بعيد ذلك. وهذه الدواوين كثيرة، وقد تجعل عبء الباحثة كبيرا يتأبى على الإنجاز، ومن أجل ذلك كانت تستطيع التوقف عند الديوان الأخير الصادر عام 1995 وهو ديوانه «لماذا تركت الحصان وحيدا». على أنَّ المستغرب هو ذكر المؤلفة للدواوين المبكرة في ثبت المصادر، ولم تستثن ما صدر قبل عام 1995 فكيف يستقيم التحديد المنصوص عليه في العنوان مع الثبَت التي يتضمَّن ما يستثنيه.
واللافتُ، إذا تجاوزنا ما ذكر عن العنوان، ومحدِّدات البحث، أن المؤلفة ترى في شعر درويش تحولا من الأنا الجماعية المعبرة عن صوت الشعب الفلسطيني، إلى أنا فردية تهتم برؤيتها الشعرية تجاهَ الذات، هذا رأي خطير جدا، قد يفهم منه أن درويش لم يعد معنيا بالتعبير عن صوت الشعب، ولا عن همومه الوطنية، وكأنه تحول إلى شاعر يشبه أبا العتاهية، أو ابن الفارض، أو نزار قباني، في بعض أطواره.
وفي تقسيمها لمراحل الأنا تبدأ في ديوانه «عصافير بلا اجنحة»، ثم ديوان «أوراق الزيتون» أي من عام 1964 مع أنها أسقطت هذه الدواوين من خطة البحث، ومع ذلك لا يستطيع القارئ أن يفهم كيف تدرج قصيدة «سجل أنا عربي» في ما تسميه المؤلفة الأنا الجماعية، مع أن المؤلف يكرر الضمير أنا مرارا، وكيف يمكن مساواة هذه القصيدة بأخرى من عاشق من فلسطين، لا تظهر فيها أناه على الإطلاق، بل ضمير هي، هو الذي طغى على القصيدة. والواقع أن محمود درويش في بواكيره هذه، يحاول أن يكون مفردا بصيغة الجمع. فلا هو معنيٌّ بالأنا الفردية، ولا بالأنا الجمعية، إنما هو في جلّ ما يصدر عنه من شعر، أو من نثر، واحد في مجموع، وشعره تعبير عن هذا، لا عن ذاته، فحتى في القصيدة الموسومة بعنوان «ريتا» يقول:
بين ريتا وعيوني بندقية
والذي يعرف ريتا
ينحني، ويصلي
لإله في العيون العسلية
ولا يُعرف عن باحثٍ قيامه بفصل الأنا عن الآخر، الذي يتهدَّد الاثنين بالبندقية. فالأنا لا تنفصل قطعا عن أولئك الذين يتهدَّدون الحب بالسلاح، ولذلك حبّه غير سوي، فالجدار الذي يفصل المحبَّ عمَّن يهواه جدارٌ سميكٌ، دونه الموت. والمؤلفة لا تملُّ الحديث عن تحولات في شعر درويش من الأنا غير الفردية إلى أخرى فردية، فتأتي بالشاهد الآتي من ديوانه «هي أغنية هي أغنية « وهو شاهدٌ لا يشهد لها، بل عليها فكأنه دون معرفة مسبقة يرفض ما تدعيه:
من ثلاثين سنة
يكتب الشعر وينساني
وقعنا عن جميع الأحصنة
ووجدنا الملح في حبة قمح
وهو ينساني، خسرنا الأمكنة
وهو ينساني، أنا الآخرُ فيه.
يُلحُّ الشاعر في هذه الأبيات وفي غيرها من القصيدة على حقيقة عُرفت في بواكيره، وهي أنه لا يستطيع أن يستل نفسه من آخَرِه. وآخَرُهُ ها هنا ليس الأعداء من بني إسرائيل، أو يهودا من قوم موسى، بل هو شعبه الذي ينسيه نفسه فيكتبُ الشعر، ويكتب، ثم يكتبُ، ناسيا، بل مُنكرا أناه. فالأولوية لديه للآخرين الذين يعانون ما يعانون، ويعاني هو الآخرُ مما يعانون. وهذا ما لم تتنبَّه له مؤلفة الكتاب. فمحمود درويش في جلّ المراحل المبكرة من شعره، والمتأخرة، لا يستقيم الإحساس لديه بالأنا، من دون الإحساس بالآخرين، فكأنه لكي يحسُّ بها على انفراد ينبغي له أن يقتُلَ نفسه:
آن للشاعر أن يقتل نفسه
لا لشيء بل لكي يقتل نفسه
وفي الفصل الثالث من كتابها ترى المؤلفة ضرورة الحديث عن الآخَر، مع أن الكتاب هو الأنا في شعر محمود درويش، ولم يذكر الآخر في العنوان. ولكن هذا الحديث الذي اندفعت إليه، ربما كان بهدف توضيح ما التبس علينا من الأنا «فبضدها تتميز الأشياءُ»، على رأي أبي الطيب المتنبي. على أنّ القارئ يستغربُ دمج الحديث عن الآخر بالحديث عن ثنائية الحياة والموت، أو مقاومة الأنا للاستسلام له، وكأن الموت هو الآخر:
فيا موتُ انتظرني ريثما أنهي
تدابير الجنازة في الربيع
فلا يُعْرف ما الذي تعنيه المؤلفة بالآخر ها هنا، إلا أن يكون ملاك الموت هو الآخر. والآخر، وفق ما هو مفهوم، وشائع، ومتداول في الدراسات الأدبية، هو نقيضُ الأنا، أو الذات، هويةً وثقافةً وإثنية. فالآخر بالنسبة للفلسطيني هو الإسرائيلي، أي المحتل بصفته الشخصية، كريتا في القصيدة التي سبق ذكرُها، أو شولميت في قصيدة مشهورة للشاعر، وشولميت هي عضو الكنيست. والآخر بالنسبة للافريقي هو الأبيض المستعمِر. والآخر بالنسبة للشرق هو الغرب. والآخر في رواية الطيب صالح هو جين موريس وغيرها من البريطانيين، مقابل السوداني مصطفى سعيد. ونظن أن جل ما جاء ها هنا عن الآخر لا علاقة له بالموضوع، وحذفه من الكتاب أوجه، وأكيس. وقد تنبهت الباحثة لما وقعت فيه من خطأ في المبحث الثاني من الفصل، فالحديث تحول للآخر الصهيوني وذلك ينسجم مع تناول شكري الماضي للآخر في شعر درويش. أما الحديث عن الشهداء، ومنتسبي الفصائل، والأحزاب الفلسطينية المتنافسة، فخطأ كخطأ الحديث عن ثنائية الموت والحياة.
فالشاهد الذي أوردته من ديوان «لماذا تركتَ الحصان وحيدا « شاهد مناسب لهذا الموضوع، فهو يشير لجندي إسرائيلي اقتحم بيت العائلة ـ عائلة المتكلم- وأراد أن يأخذ قسطا من الراحة، بعد أن قَتَل منْ قتل، على كرسي جده. ثم ادعى الضيافة، وأخذ يداعب بأصابعه فرو القطة، وانتهى الشاعر بالقول:
سلم على بيتنا يا غريب
فناجين قهوتنا ما تزالُ على حالها
هل تشمّ أصابعنا فوقها؟
هنا يتجلى الفرق بين ما تذكره عن الآخر، وما ذكرته في السابق. فالغريب هو نقيض الأنا ثقافةً وهويةً بدليل مخاطبة المتكلم له بكلمة يا غريب، فالشاعر، أو المتكلم، أو من ينوب عنهما، يمثل الأنا في ما يمثل الغريب ذلك الآخر. وقد كنا نتوقع أن تهتم المؤلفة بقصيدته «جندي يحلم بالزنابق البيضاء» حيث صورة الآخر في أدقها وضوحا، لكنها عزفت عنها لأنها من ديوان آخر الليل، وهو من الدواوين التي استبعدتها بموجب التحديد من 95- 2009 مع أنها لم تلتزم بهذا، وتناولت قصائد من «أوراق الزيتون» ومن «عاشق من فلسطين».

كاتب أردني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *