كلما تفاقمت الأزمة السياسة الفلسطينية، تعالت الأصوات التي تُطالب بانتخابات عامة، بما في ذلك انتخابات رئاسية وانتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني، والمطالبة بانتخابات «المجلس الوطني»، تشير بشكل خاص إلى الإيمان بضرورة إعادة إحياء منظمة التحرير الفلسطينية، وضخ الدماء فيها من جديد، كما تنطوي على الإيمان بأهمية الدور المنوط بالفلسطينيين في الخارج.
واقع الحال ان الفلسطينيين ليسوا بحاجة لانتخابات أصلاً، لا رئاسية ولا تشريعية ولا مجلس وطني ولا غيرها، إذ إن آخر انتخابات حدثت في عام 2006 كانت خطأ كارثياً، وهو الخطأ الذي أنتج أزمة الانقسام السياسي التي ما زلنا نعيشها حتى اليوم، وهذا الخطأ هو الذي قسَّم الوطن الفلسطيني إلى «ضفة غربية» و»غزة»، وهو الذي أدخل الحياة السياسية الفلسطينية في جمود غير مسبوق، وما زلنا حتى اليوم ندفع ثمن تلك الكارثة.
وفي كل مرة تتم فيها المطالبة بإجراء انتخابات فلسطينية، تكون هذه المطالبات دعوة للهروب إلى الأمام، على اعتبار أننا نكون في مأزق فلسطيني ليس له أي حل، فيذهب البعض إلى الاعتقاد أو إلى الأمل بأن تكون الانتخابات هي الحل لذلك المأزق وأنها الوصفة السحرية لإنهاء الأزمة. الحقيقة أن الانتخابات – أي انتخابات – هي واحدة من أدوات العملية الديمقراطية، أو هي المظهر الرئيس والأهم للنظام الديمقراطي، والديمقراطية لا يُمكن أن تنجح في أي مكان من العالم إلا بتحقق عاملين: الأول وجود دولة، والثاني وجود الحد الأدنى من الرفاه في هذه الدولة، إذ لا يُمكن أن نطلب من الجياع أن يذهبوا الى صناديق الاقتراع، فهذا الجائع ليس لديه الوقت ولا القدرة لقراءة ودراسة أي برنامج انتخابي ولا التمييز بين المرشحين، فضلاً عن أنه سيبيع صوته لأول مشترٍ فاسد سيُصادفه، كما يحدث في العديد من الدول العربية، التي تجري فيها انتخابات صورية يفوز فيها الفاسدون بأصوات الجياع، الذين فضَّلوا أن يبيعوا صوتهم بقروش معدودة من أجل شراء رغيف خبز!
الشعب الفلسطيني يحتاج لإقامة دولته المستقلة أولاً، ثم التفكير بإجراء انتخابات واستخدام أدوات العملية الديمقراطية لإدارة هذه الدولة
في الواقع الفلسطيني لا يتوفر أي من العوامل المطلوبة لنجاح الانتخابات أو العملية الديمقراطية، فضلاً عن وجود العديد من العوامل الأخرى الإضافية التي تجعل الانتخابات عملاً فاشلاً، وفي ما يلي أهم هذه العوامل:
أولاً: لا توجد دولة فلسطينية؛ ويتوجب دوماً التأكيد على أن السلطة ليست دولة، وإنما هي جهاز إداري يُقدم الخدمات للفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال. وعليه فإن أي انتخابات ستحدث ستجري بإرادة وموافقة الاحتلال، كما ستظل معضلة القدس قائمة، وهي المعضلة التي دفعت في السابق لتعطيل الانتخابات.
ثانياً: أي انتخابات تجري في ظل الاحتلال سوف تعني بالضرورة، أن الاحتلال سيتدخل بها، وسيقوم بهندسة نتائجها، إذ يستطيع أن يعتقل من يشاء من المرشحين، ويُطلق آخرين، ويستطيع أن يفرض إجراءات في بعض المناطق ويعزلها عن غيرها، وهذا يتناقض مع أساسيات العملية الانتخابية التي تشترط وجود حرية كافة لعمل المرشحين والأحزاب وأصحاب الرؤى السياسية من أجل حشد جمهورهم.
ثالثاً: هل من المنطقي أن نطلب من سكان قطاع غزة الذين يعيش 90% منهم في الخيام ويفتقدون لأدنى مقومات الحياة، بما في ذلك الطعام والشراب والصرف الصحي، أن يتوجهوا لصناديق الاقتراع؟ وهل من المعقول إجراء انتخابات، فيما لا يزال القصفُ مستمراً ومتواصلاً؟ هذا ضربٌ من العبث.
رابعاً: إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني هو ضربٌ من الخيال، إذ إنه مطلب يستحيلُ تطبيقه، والسبب هو أن هذا المجلس هو الذي يُمثل الفلسطينيين في العالم، وهؤلاء لا يُمكن حصرهم ولا الوصول إليهم، فضلاً عن أن لدينا أزمة يتوجب الاعتراف بها، وهي أزمة تعريف «من هو الفلسطيني؟»، فهل الفلسطيني هو الذي يحمل رقم لجوء في وكالة الغوث؟ أم هو الذي يحمل جواز سفر فلسطينيا صادرا عن السلطة الفلسطينية؟ أم ثمة تعريف آخر للفلسطيني في الخارج؟ وماذا عن أبناء الجيل الثاني والثالث من الفلسطينيين في الخارج، ممن لم يعد لدى كثير منهم أي أوراق تُثبت فلسطينيتهم، كونهم يحملون جنسيات الدول التي يعيشون فيها؟ هل سيتم استثناؤهم وهم بمئات الآلاف وربما بالملايين؟
ودعونا لا ننسى أن المجلس الوطني الحالي ليس منتخباً أصلاً، وإنما قام الراحل ياسر عرفات بتشكيله بالتوافق، وحاول فيه تمثيل كل فئات الشعب الفلسطيني؛ إذ منذ تأسيس منظمة التحرير لم تنشغل المنظمة ولا قيادتها بإجراء انتخابات.
والخلاصة هي أن الشعب الفلسطيني يحتاج لإقامة دولته المستقلة أولاً، ثم التفكير بإجراء انتخابات واستخدام أدوات العملية الديمقراطية لإدارة هذه الدولة، كما إن من يدعو لتنظيم انتخابات أو المشاركة فيها عليه أن يجيب على سؤال: ما هو التالي؟ ماذا عن اليوم التالي؟ فالانتخابات ليست سوى أداة للعمل السياسي وليست حلاً سحرياً للمشاكل والأزمات.
كاتب فلسطيني