الجزائر- “القدس العربي”: بعد نحو أسبوع من إعلان المحكمة الدستورية النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، ينتظر أن يتم تنصيب الأعضاء الجدد للغرفة الأولى للبرلمان الجزائري يوم الثلاثاء 28 يوليو، إيذانا بانطلاق العهدة التشريعية الجديدة، وسط مشاورات غير علنية داخل أحزاب الأغلبية للتوافق على الشخصية التي ستقود المؤسسة التشريعية خلال السنوات المقبلة.
ويأتي تنصيب المجلس الشعبي الوطني تطبيقاً للمادة 133 من الدستور، التي تنص على أن الفترة التشريعية تبدأ وجوباً بعد الأيام التي إعلان المحكمة الدستورية النتائج النهائية للانتخابات. وستنعقد الجلسة الأولى برئاسة أكبر النواب سناً، بمساعدة أصغر نائبين، في إطار مكتب مؤقت يتولى الإشراف على إجراءات إثبات العضوية وافتتاح العهدة البرلمانية الجديدة.
وقبل الجلسة الرسمية، برمج المجلس الشعبي الوطني يومي 26 و27 يوليو لاستقبال النواب المنتخبين عن الولايات داخل الوطن ودوائر الجالية بالخارج، من أجل استكمال إجراءات التسجيل وإيداع الملفات الإدارية، فيما تلقى النواب المنتخبون رسائل نصية تحدد موعد جلسة إثبات العضوية التي تنطلق صباح الثلاثاء.
ولا تقتصر أهمية جلسة التنصيب على الجانب البروتوكولي، بل تشكل بداية المسار التنظيمي للمجلس الجديد، إذ ينتظر أن ينتخب النواب في اليوم الموالي رئيس المجلس الشعبي الوطني، قبل الانتقال في اليوم الثالث إلى انتخاب نواب الرئيس ورؤساء اللجان الدائمة ونوابهم والمقررين، بما يسمح بانطلاق العمل التشريعي والرقابي للمؤسسة.
وينص الدستور في مادته 131 على أن رئيس المجلس الشعبي الوطني ينتخب لعهدة تشريعية كاملة، بينما تحدد المادة 134 آليات تشكيل أجهزة المجلس المختلفة، بما يضمن مباشرة البرلمان لمهامه في دراسة مشاريع القوانين ومراقبة عمل الحكومة.
ورغم أن النصوص القانونية تضبط إجراءات الانتخاب، إلا أن اختيار رئيس المجلس ظل في التجارب السابقة محكوما أيضا بالتوازنات السياسية والمشاورات التي تجري بين أحزاب الأغلبية ومختلف صناع القرار بالنظر لحساسية المنصب. وفي حال التوافق على اسم واحد، تمر العملية بسلاسة، أما إذا تعدد المرشحون، فيحتكم النواب إلى الاقتراع السري، حيث يشترط حصول المترشح على الأغلبية المطلقة في الدور الأول، وإذا تعذر ذلك ينظم دور ثان يفوز فيه صاحب الأغلبية النسبية.
ويكتسي منصب رئيس المجلس الشعبي الوطني أهمية خاصة، باعتباره يحظى بترتيب بروتوكول متقدم في الدولة، كما يمنح شاغله دوراً محورياً في تسيير العمل التشريعي، وتمثيل المجلس داخليا وخارجيا، والإشراف على جدول الأعمال، فضلا عن المشاركة في عدد من المشاورات والمؤسسات الدستورية.
وتتجه الأنظار حاليا إلى هوية الرئيس الجديد لمبنى زيغوت يوسف، في ظل عدم استقرار أحزاب الأغلبية على اسم معين. وتتداول الأوساط السياسية والإعلامية أسماء عدة، من بينها المحافظ السابق عطاء الله مولاتي وهو شخصية تكنوقراطية تقلبت في دواليب الإدارة، إضافة إلى منذر بوذن الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي حلّ ثانيا في ترتيب الأحزاب وهو نائب رئيس المجلس المنقضية عهدته.
غير أن بوذن قد لا يحظى بدعم جبهة التحرير الوطني نظرا للحساسية الموجودة بين الحزبين الغريمين على الرغم من انتمائهما المشترك لمعسكر الموالاة. وقد يدفع ذلك لاختيار شخصية محايدة يمكنها أن تضمن التوافق بين مختلف الكتل، وهو الأمر الذي حدث في العهدة المنقضية بانتخاب إبراهيم بوغالي المنتمي لكتلة الأحرار رئيسا للمجلس الشعبي الوطني. وقد تلعب التوازنات الجهوية دورها أيضا في المسألة. ففي الفترات السابقة، كان التوجه الغالب هو في اختيار شخصية من ولايات الجنوب الجزائري لرئاسة المجلس، وهو ما قد يرجح كفة عطاء الله مولاتي أو شخصية أخرى من هذه المنطقة في الأخير.
ويدخل المجلس الجديد عمله في ظل تركيبة برلمانية أبقت على تفوق أحزاب الموالاة، بعدما ثبتت المحكمة الدستورية في نتائجها النهائية تصدر جبهة التحرير الوطني بـ91 مقعداً، يليها التجمع الوطني الديمقراطي بـ74 مقعداً، ثم جبهة المستقبل بـ56 مقعداً، وحركة البناء الوطني بـ40 مقعداً، وقوائم الأحرار بـ33 مقعداً وحزب صوت الشعب بـ16 مقعداً، وهي في مجملها الكتل التي ينتظر منها مساندة الحكومة وبرنامج الرئيس.
وعلى طرف المعارضة، تظهر حركة مجتمع السلم ذات التوجه الإسلامي بـ43 مقعداً كما تحضر جبهة القوى الاشتراكية بـ12 مقعداً، وجبهة العدالة والتنمية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بأربعة مقاعد لكل منهما، وحزب العمال بثلاثة مقاعد، إلى جانب أحزاب أخرى حصلت على تمثيل محدود.
وتمنح هذه الخريطة البرلمانية الأغلبية الرئاسية أفضلية واضحة في حسم رئاسة المجلس وتوزيع مختلف المناصب داخله، مع مراعاة التوازنات بين الأحزاب المشاركة في دعم السلطة التنفيذية، وهو ما يجعل المفاوضات الجارية تتركز أساساً على كيفية تقاسم المسؤوليات داخل مكتب المجلس واللجان الدائمة.
وكانت المحكمة الدستورية قد أعلنت النتائج النهائية في 18 يوليو بعد الفصل في 320 طعناً، قبلت منها 43 طعناً، فيما رفضت بقية الطعون لعدم التأسيس أو لأسباب شكلية. كما مارست المحكمة صلاحياتها في التصحيح التلقائي بعد اكتشاف مخالفات أثرت في نتائج عدد من مكاتب التصويت، ما أدى إلى تعديل توزيع بعض المقاعد في ولايات عدة، من بينها الجزائر العاصمة والبويرة والجلفة وميلة ووهران والشلف.
وأبقت النتائج النهائية نسبة المشاركة الوطنية عند 21.24 بالمئة، وهي النسبة نفسها التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، مع إدخال تعديلات تقنية على بعض الأرقام بعد مراجعة المحاضر والطعون.
وتظهر الإحصاءات المرافقة للنتائج أن المجلس الجديد يضم 126 نائباً تقل أعمارهم عن أربعين سنة، بما يعادل نحو 31 بالمئة من مجموع الأعضاء، فيما بلغ عدد النساء 25 نائبة، أي بنسبة 6.14 بالمئة، في حين يحمل 312 نائباً مستوى جامعياً، بما يمثل أكثر من ثلاثة أرباع أعضاء المجلس.