كلما تحركت عقارب الساعة، حمل الساسة في أركان حكومة التطرف في إسرائيل في جعبتهم فكرة جديدة ينفذونها على حساب الفلسطينيين، في سباق محموم بات واضحاً أنه المجال الوحيد الذي يحقق لهم الشعبية المطلوبة، كما يعتقدون، وينعش آمالهم في استمرار بقائهم على مقاعد الكنيست والحكومة، إذا ما فازوا مجدداً بالانتخابات.
أمر كهذا، بات يثير مشاعر ومواقف من ينافسونهم، كونهم وهم خارج السلطة، لا يمتلكون القدرة ولا القرار الذي يمتلكه نتنياهو وحكومته، على تحريك الجيش والشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلية، لتنفيذ ما يجول في خواطرهم، أو تقترحه «قرائحهم» الميدانية.
ومع ذلك فإن سيناريوهات الفعل باتت تضيق بالنسبة لهم نتيجة تكرارها ودخولها في مساحات الروتين اليومي، الذي حسب استطلاعات الرأي لم يعد يجلب الأصوات ذاتها ولا التفاعل ذاته على صفحات الإعلام الاجتماعي، فالاقتحامات، والاعتقالات والقصف والتنكيل والتفتيش، وإطلاق اليد للمستوطنين وحرق الممتلكات وقصف قطاع غزة، باتت جميعها وفق تقديراتهم المستندة إلى الذكاء الاصطناعي أقل شعبية مما كانت عليه.
العالم ينشغل بجائزة نوبل للفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد والأدب والسلام، بينما تنشغل حكومة الاحتلال في البحث عن سبل تتفتق معها أفكارها بما يناقض مساعي معظم البشر في تصفير الحروب، ونشر السلام
لذا رأينا خلال الأسبوع الماضي ونرى هذا الأسبوع تصعيداً لوتيرة الإثارة في العمليات العسكرية الإسرائيلية، كالاستعداد لضرب الحوثيين وإيران من جديد، وفتح الملاجئ دونما مبرر، واقتحام قلب وأطراف رام الله من قبل المستوطنين، وإزالة أضرحة الشهداء، والتقاط الصور والأفلام للمستوطنين في قلب رام الله، وإزالة ما تبقى من أحياء مدينة غزة. وعليه فإن نقل التركيز إلى داخل المدن كاقتحام مدينة الخليل، لتتبعه في اليوم الذي يليه مداهمات جمعيات خيرية في قلب رام الله مع كتابة هذه الكلمات، أضحى سيد الموقف. الأمر بات وعلى ما يبدو، عنوان الأيام المقبلة، التركيز على المدن بعدما كان التركيز على المسافر والمضارب والقرى والمخيمات. وعليه بتنا نرى محاولات مستميتة لتسخين الأوضاع، وتحويل مقترحات الذكاء الاصطناعي وغيره من أفكار أصحاب القرائح السوداوية في إسرائيل، للتوسعة عبر تعريض جبهة الهجوم مع التركيز على إكسابها عاملي الإثارة والاختلاف.
لكن الاختلاف مهما ارتبط بأفكار متعددة فإن مصدره واحد، ومنفذوه معروفون، وأدواته مكشوفة، وسيناريوهات متوقعة، وهدفه واضح لمنافسي نتنياهو والساعيين للإطاحة به، قبل أن تكون واضحة للشعب الفلسطيني.
المفارقة أن العالم ينشغل بجائزة نوبل للفيزياء والكيمياء والطب والاقتصاد والأدب والسلام، بينما تنشغل حكومة الاحتلال في البحث عن سبل تتفتق معها أفكارها بما يناقض مساعي معظم البشر في تصفير الحروب، ونشر السلام والرخاء والرفاه، وتعظيم معاني الإنسانية والازدهار. إلى أين ستصل يا ترى «تقليعات» الانتخابات الإسرائيلية حتى ساعة الصفر التي تبدأ معها عملية الاقتراع؟ إلى المزيد من تعقيد المشهد حتماً، وإلى الإطاحة بمصداقية العالم، الذي يقابل الظلم بالصمت والعجز والمراوحة.
إن «تفاتيق» الليل لن تخدم المساحات التي يريدها العالم، وإنما ستزيد من ضحالة المشهد وظلمه وستساهم في دحض قيم العدالة والحرية وترفع قناعة واضحة بأن العالم مقّسم حتى في أوج تطوره التقني، إلى أسياد وعبيد. يقول بن غفير في آخر تصريح له مع كتابة هذه الكلمات: إن أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة والأحزاب العربية، الذين يريدون إقامة دولة فلسطينية، بينما يجلسون في الكنيست الإسرائيلي، هم طابور خامس. لا مكان لهم في الكنيست. موقفي واضح (والكلام لبن غفير من جديد): تفكيك السلطة الفلسطينية، وتعزيز الاستيطان، وفرض السيادة، ودفع الهجرة من قطاع غزة والضفة الغربية. هذه هي السياسة التي سأعمل على تنفيذها بصفتي وزير الدفاع المقبل. لا مزيد من اتفاقيات أوسلو، ولا مزيد من الانسحابات، ولا مزيد من التنازلات. الدولة الفلسطينية «برّا».
فهل نعود لنرى بن غفير وغيره في مساحة القرار؟ ننتظر ونرى.
كاتب فلسطيني