منذ إنشاء الكيان الصهيوني عام 1948 على الأراضي الفلسطينية، واحتلال أم الرشراش المصرية (إيلات حالياً) عام 1949 على البحر الأحمر، ارتبط اسم باب المندب في اليمن، بقناة السويس في مصر ارتباطاً وثيقاً، رغم أن المسافة بين المضيق، والقناة، على امتداد البحر الأحمر تصل إلى 1200 ميل بحري (2220 كلم)، تقطعها السفن بين ثلاثة أيام ونصف إلى أربعة أيام، حسب السرعة وحالة الملاحة، إلا أن أي أزمة في الأولى، تلقي ظلالا سلبية سريعة على الثانية، لاعتماد القناة على حصيلة مالية، من رسوم العبور، وصلت في أعلى مدخلاتها عام 2023 إلى 10.25 مليار دولار، تراجعت إلى 3.9 مليار عام 2024، نظراً لتوتر الأحداث بالمنطقة، منذ عملية طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر 2023، وتداعياتها المباشرة على المضيق، حينما دخلت جماعة أنصار الله (الحوثيون)، على خط الإسناد للمقاومة الفلسطينية.
طوال الأعوام الثلاثة الماضية، لم تكن جماعة الحوثي تسيطر على المضيق بشكل مباشر، فمسافة نحو 300 كيلومتر، يقع معظمها تحت سيطرة القوات الحكومية، ما جعل استخدام الصواريخ في استهداف السفن المعنية، خصوصاً الإسرائيلية والأمريكية، حالة ضرورية، قبل أن تتغير الأوضاع على الأرض، خلال الأسبوع الماضي تحديداً، بسيطرة مباشرة على هذه المساحة، في أعقاب عملية عسكرية سريعة، معقدة ومريبة، استولت خلالها على كامل الساحل، بعد أن انهارت القوات الحكومية، إما منسحبة وإما مستسلمة، بكامل آلياتها العسكرية، ما وضع العالم أمام حالة من الدهشة والقلق.
دخول مصر على خط الوساطة، بين السعودية من جهة، وجماعة أنصار الله وإيران من جهة أخرى، أصبح أمراً مهماً لاعتبارات عديدة، أهمها استقرار منطقة البحر الأحمر، ومن ثم أمن الطاقة والتجارة، من خلال حركة مرور السفن بقناة السويس
أصابع الاتهام أشارت إلى دور إحدى الدول، في محاولة منها للضغط على المملكة العربية السعودية، في إطار صراع واضح بالمنطقة، كما أشارت أيضاً إلى الولايات المتحدة، حينما رفض الرئيس دونالد ترامب طلب السعودية بالتدخل، إذعاناً لطلب الحوثيين بعدم التدخل، حسبما أعلن صراحةً، وأشارت أيضاً إلى إيران وحجم الدعم العسكري الذي تقدمه للجماعة الحوثية، بهدف زيادة الضغط على الإدارة الأمريكية في الحرب الدائرة حول مضيق هرمز، إلا أنه في كل الأحوال، أصبح العالم، أمام واقع جديد، يتمثل في يد إيران الطولى على مضيقي هرمز وباب المندب في آن واحد، كنتيجة غير متوقعة لقرار الحرب الأمريكي المتسرع.
وعلى الرغم من صدور تصريحات حوثية على مستوى عالٍ، حرصت على تهدئة المخاوف المصرية من مجريات الأحداث الأخيرة، إلا أن نافخي الكير كثُر، في الداخل المصري وخارجه، ممثلين في عملاء أمريكيين وإسرائيليين، ووسائل إعلام صهيونية، وكتائب إلكترونية خفية ومعلنة، جميعها تحرض صانع القرار في مصر، على ضرورة التدخل العسكري، في مواجهة الحوثيين، وهو أمر لو تعلمون عظيم، بدا أن القيادة المصرية تدركه تماماً، حيث التزمت الصمت، في ضوء أحداث المواجهات الجارية على الأرض، على أكثر من جبهة حالياً، وفي ضوء تاريخ مأساوي مصري على الجبهة اليمنية في ستينيات القرن الماضي.
وهنا تجدر الإشارة، إلى أنه بعد التحدي الإسرائيلي لدول القرن الافريقي وللدول العربية معاً، وفي مقدمتها مصر، بالاعتراف بما تسمى أرض الصومال، كدولة منفصلة عن جمهورية الصومال، في محاولة للحصول على موطئ قدم مهم في البحر الأحمر، جاءت التطورات باليمن، لتمثل رداً مزلزلاً للكيان الصهيوني، الذي اعترف بذلك من خلال تصريحات مسؤوليه، ما يجعل من التطورات اليمنية داعماً مهماً للعالم العربي، في مواجهة العبث الإسرائيلي في المنطقة من جهة، ومن جهة أخرى أصبحنا أمام دلالة أخرى، على أن حل الأزمة اليمنية، ينحصر فقط حول طاولة المفاوضات، وليس في مواجهات داخلية، أو حتى في أحلاف خارجية. وربما كان في الاجتماع الوزاري الخليجي- الإيراني (المؤجل) بمدينة صلالة العمانية، الذي كان مقرراً له الاثنين الماضي، حول مضيق هرمز، ما يؤكد أن قضايا المنطقة عموماً، لا يمكن حسمها عسكرياً، أو حتى بالتدخلات الخارجية، وهو الأمر الذي كان يجب أن نفطن إليه مبكراً، منذ ما قبل إنشاء قواعد عسكرية أجنبية، والإنفاق غير المبرر على استيراد السلاح، والإسناد المتنوع للعدوان الأمريكي، ما كان سبباً في خسائر اقتصادية وتجارية كبيرة، ناهيك من دمار شاسع طال البنية التحتية النفطية وغير النفطية في كل دول المنطقة تقريباً، ووضع المنطقة على شفا جرف هار، مع هروب رؤوس الأموال، إلى غير ذلك، ما يجعل من انعقاد الاجتماع أمراً حتمياً، حتى لو تعددت مرات تأجيله.
أعتقد أن دخول مصر على خط الوساطة، بين السعودية من جهة، وجماعة أنصار الله وإيران من جهة أخرى، أصبح أمراً مهماً لاعتبارات عديدة، أهمها استقرار منطقة البحر الأحمر، ومن ثم أمن الطاقة والتجارة، من خلال حركة مرور السفن بقناة السويس، وما تدره من دخل مهم للدولة المصرية، أيضاً توحيد الجهود أمام الأطماع الإسرائيلية بالمنطقة، وهي التي تتنامى يوماً بعد يوم في ظل غياب عربي مشين، ثم يأتي بعد ذلك الأمر الأكثر أهمية بالنسبة للسعوديين تحديداً، وهو المتعلق بمطالبات يمنية، حوثية وغير حوثية، بأراضٍ يمنية شاسعة، (تمثل نحو ثلث اليمن) تنازل عنها الإمام يحيى حميد الدين، للملك عبدالعزيز آل سعود، بموجب معاهدة الطائف عام 1934. وقد ظل الأمر محل أزمة داخل اليمن، وشد وجذب مع السعودية، إلى أن وقّع الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، عام 2000، على معاهدة جدة لترسيم الحدود بصورة نهائية، استناداً إلى معاهدة الطائف، وهي تقدر بنحو 224 ألف كلم مربع، ممثلة في مناطق جيزان ونجران وعسير، إضافة إلى جزر فرسان وغيرها في البحر الأحمر، بنحو 702 كلم مربع، وهي قضية لو تم فتحها على أي صعيد سياسي أو عسكري، لن تفلح أي جهود وساطة في إغلاقها، ما يجعل من فتح صفحة سلام جديدة في العلاقات السعودية اليمنية، أمرا لا مفر منه.
أعتقد أن خمسة عشر عاماً، من الانطواء السياسي المصري (2011 – 2026) كانت كافية لقراءة أحداث المنطقة والعالم بشكل هادئ ومستفيض، بعد أن أصبحت الأحداث تتسارع في أكثر من اتجاه، وربما على كل الجبهات، خصوصاً على المحاور المصرية، حيث الشرق وما تمثله أطماع قوات الاحتلال الإسرائيلي، والغرب حيث الأزمة الليبية المتفاقمة، والجنوب وما تمثله الحرب في السودان من قلق بالغ، والشمال، حيث أزمات حقول غاز البحر المتوسط ومشاكل ترسيم الحدود البحرية، ناهيك عن التحديات مع إثيوبيا، جراء العزم على إنشاء مزيد من السدود على مجرى النيل، وجميعها أزمات أمن قومي من الدرجة الأولى، إضافة إلى الأزمات الداخلية المصرية، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية، لجاز لنا أن نؤكد أن مصر في حاجة إلى انتفاضة رسمية، أكثر منها شعبية، بإصلاح العديد من المسارات بالداخل والخارج في آن واحد، وذلك بتغيير الوجوه والوجهات معاً، والتعامل مع جديد الأحداث بعقلية مختلفة، تنطلق من حجم مصر ودورها التاريخي في المنطقة، فلا يعقل أبداً ما يجري من إبادة للشعب الفلسطيني، في ظل تراخٍ واضح، ولا يعقل ما يجري من حصار على شعب اليمن، في ظل صمت أكثر وضوحاً، ولا ما يجري على مجرى النيل من دون مبالاة.
كاتب مصري