« ظل أمي» صدى الإبداع الشيشاني في قصائد سليمان حاجي


قليلة هي التجارب الإبداعية الشيشانية التي تصل مُترجمة للقارئ المصري، لا سيما الشعر، لذلك تحظى الإبداعات المتوافرة على استحياء باهتمام كبير، كونها تنقل عبر الرواية والقصة والقصيدة ثقافة مُختلفة تتسم بالرصانة والعُمق، وتُبرز مواطن التميز والجمال في النصوص المُختارة بعناية، لتكون همزة الوصل بين ثقافتين مُختلفتين، أو جسراً تعبر عليه مُعطيات ودلالات المعرفة بين الشعوب.
في تجربة خاصة وفريدة صدر عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع في القاهرة، ديوان شعر مُترجم من اللغة الروسية إلى اللغة العربية للشاعر الشيشاني سليمان حاجي أوتاييف، بعنوان»ظل أمي»، عمل على ترجمته محمد نصر الدين الجبالي في نحو 240 صفحة من القطع المتوسط، تضمنت مقدمة عن طبيعة الشعر الشيشاني المُستمد من الأغاني الملحمية والبطولات الشعبية في العصور القديمة، المحفوظة في الذاكرة الجمعية للشعب الشيشاني والمُتداولة والمنقولة عبر الحكايات والأساطير التاريخية الشيقة عن الشجاعة والفداء والاستبسال، كجزء من التقاليد القومية والقيم الروحية والإنسانية العميقة والمُتجذرة في التراث الشيشاني البديع.

ازدهر الأدب الشيشاني في القرن العشرين بصورة واضحة، مُتمثلاً في بعض الأسماء البارزة من الأدباء والشعراء، الذين أهدوا العالم من خلال الترجمات الروسية للقصة والرواية والشعر الكثير من الأعمال الدالة على الثقافة الشيشانية، ووجودها بين الثقافات العالمية. ويُعد سليمان حاجي أوتاييف أحد الشعراء البارزين المضطلعين بالمُحافظة على القيم والمبادئ الاجتماعية، وأصول التربية الدينية القويمة والسلوكيات الإيجابية الرشيدة، وهو بخصوصيته الإبداعية والقيمية، يُعبر عن جُل الثقافة الشيشانية الإنسانية بأبعادها المُنضبطة ومردودها الحضاري، خاصة أن العلاقة بين الإبداع الشيشاني والمبادئ العامة للأخلاق، هي السبيل الوحيد من وجهة نظر الحركة النقدية الشيشانية للارتقاء والوصول إلى العالمية بعيداً عن الإغراءات المادية للعصر الحديث.
في ديوان أوتاييف، وحسب الترجمة الدقيقة لمحمد نصر الدين الجبالي يُذكرنا الشاعر بما يجب أن يكون عليه كل إنسان يمتلك موهبة إبداعية، حيث لا بد من الالتزام بحزمة من القيم والمبادئ والأصول الدينية، لتحقيق الأهداف المنشودة بالمُحافظة على الوطن والدين والأسرة. وبالحديث عن طبيعة الشعر الشيشاني في بداياته يؤكد أوتاييف كما نقل المُترجم أن الشعر ولد كظاهرة روحية، فالشعراء كانوا في نظر مُريديهم أشخاصا مختارين، مُحاطين بهالة من القداسة، فكل ما في الكون، حسب عقيدتهم، كان له روحه وبصره وسمعه وذاكرته، ولم تكن الحيوانات والأشجار والعُشب وحدها من يمتلك هذه الخصائص، بل كانت الأرض والحجارة والنار تمتلك الخصائص ذاتها أيضاً، وكان الشُعراء جزءا من الكون، يعرفون أسرار هذه الأشياء ويُدركون لغتها، وعلى اتصال بها، ومن ثم اكتسبوا الهيبة والتميز وأصبح لهم شأن عظيم، دون غيرهم من الأشخاص العاديين.
هذا التصدير يُبرر في سياقه مكانة الشعر والشعراء في العصور القديمة، فالشاعر يستلهم ذلك المفهوم للتدليل على ريادة الشعر الشيشاني كمكون ثقافي بيئي واجتماعي مهم، بغض النظر عن المُبالغة في تعظيم الصورة البدائية الأولى لمن وهبهم الله نعمة الإبداع الشعري، ليكونوا مُتميزين وبارزين ومرموقين على النحو الموجود في التراث، وتحتشد به الذاكرة.
ومن بين ما يتضمنه ديوان «ظل أمي» قصيدة للشاعر بعنوان «هدية إلى الوطن»، يقول فيها:
أنا لا أستلهم قصائدي من قصص خيالية
أو من أحلام فارغة،
أو من حكايات الآخرين.
بل هي نتاج تفكير
كل ما تراكم في روحي،
تحول إلى شعر موزون
ومن أجل شعبي نسجت هذه الأغاني
هدية للوطن
الآن أنا في هذه الأغاني.
لغتي الأم الشيشانية
لها في عُنقي دين واجب
كتبتُ القصائد بقلبي
حتى تظل مفهومه خالدة لسنين.
هذه القصيدة نموذج من الديوان المُفعم بالكلمات الطيبة والنوايا الحسنة لشاعر يُحب وطنه ويفضله على نفسه، وهي حالة صادقة لا مجال للتشكيك فيها من الناحية العاطفية، لكن ثمة أزمة تبدو واضحة في غياب الإيقاع والموسيقى، وهو ما يستوجب سؤالاً مُلحاً حول دور الترجمة في هذا الغياب.. هل الترجمة نقلت حرفياً الكلمات بغير التدقيق في الجرس والإيقاع.. أم أن تلك طبيعة القصائد تعتمد فقط على ما يُسمى بالوزن الداخلي للقصيدة، من دون عناية كبيرة بالقافية التي تخلق الموسيقى وتمنح القصيدة مذاقها وتأثيرها؟ هناك نماذج مُشابهة في قصيدة النثر لا يعتني أصحابها كثيراً بالقافية، لكن لا يُجافيها بالقطع الوزن والإيقاع، فهذا ما يُميزها عن الكتابة النثرية الخالصة، وإلا كانت مُنبتة الصلة بالشعر من الأساس. وفي قصيدة أخرى بعنوان «الأيام الخوالي» يقول الشاعر أوتاييف: كل شيء يتغير
العالم والزمن والناس
التغيير سمة كل شيء.
وعُمر لا يُقدر بثمن –
يمضي بجنون
في حُزن وقلق واضطراب الروح.
ثُلث عُمري في هذه الدنيا
ثُلث حياتي
قد ولى للأسف
وأصبح في الماضي
منحت أبواي
من لحظات الفرح والسعادة
أقل مما ينبغي..
انتزع الزمن مني قوتي
ذلك بوح آخر تتخلله معان طيبة وجليلة وشعور مُتدفق بالإحساس والرقة والإنسانية، كل ذلك جائز وفي محله تماماً.. لكن تأتي المفردات غنية وثرية بغير ما يُميزها من سمات الشعر وإيقاعه وموسيقاه.. تُرى أهي الترجمة أيضاً سبب مُباشر في فقدان الإحساس بجمال القصيدة؟ أم أن تلك بالفعل طبيعة الشعر الشيشاني؟ يعتمد فقط على المعنى أكثر من اعتماده على الجماليات والصور.. نحن فقط نطرح السؤال.. لكننا نحترم الإبداع أياً كان شكله وطبيعته ومذاقه.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *