الخليج العربي أمام أسئلة شائكة!


تطرح التطوّرات المتسارعة في اليمن أسئلة شائكة لا تكتفي بمحاولة استيعاب كيف تمكّن الحوثيون من التقدم بهذه السرعة، أو كيف أخفقت القوات الشرعية اليمنية بهذه الطريقة المخزية. هناك سؤال أوسع وأهم يفترض بدول الخليج العربيّ الإجابة عليه، وهو: ما النظام الأمني الذي يجب أن ينشأ ليكون قادرا على معالجة الأزمة التي أدت إليها التطوّرات الأخيرة في اليمن وإيران.
بدأت، في الأيام القليلة الماضية، تتظهّر مؤشرات تبدو، للوهلة الأولى، منفصلة، لكنّها، في الحقيقة مترابطة. ضمن هذه المؤشرات كان طلب الرياض دعما أمريكيا لمواجهة الخطر الحوثي المتصاعد، وحسب التقارير الإعلامية فإن واشنطن قدّمت ردا غريبا يقول إنها لا تريد التدخّل عسكريا بصورة مباشرة. في وقت متزامن، تقابل مسؤولون أمريكيون مع ممثلين للحوثيين في العاصمة العُمانية مسقط، وحصلوا منهم على تطمينات بعدم استهداف السفن الأمريكية.
الإشارة الأولى المستنتجة من هذه المفارقة هي أن الولايات المتحدة تفصل أمنها عن أمن حليفها. كان الأمر البديهيّ، في السابق، أن يؤدي تهديد حليف رئيسي مثل السعودية إلى النظر إليه بوصفه تهديدا لمنظومة النفوذ الأمريكية نفسها (فلنقارن مثلا بحدث احتلال العراق للكويت)، لكن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في هذه المرة، قامت بتقسيم الأزمة إلى قسمين: حماية المصالح الأمريكية، من جهة، والحرب السعودية- الحوثية، من جهة أخرى، وهو ما عبّر عنه تصريح مسؤول أمريكي لموقع «أكسيوس» أن الأولوية الأمريكية هي لإبقاء البحر الأحمر مفتوحا، وهو تصريح يغفل عمدا مسألة الدفاع عن السعودية، أو حتى عن دور أمريكا الضامن لحرية الملاحة في كافة البحار، وهو أحد العناصر الكبرى لاعتبار الولايات المتحدة «قوة عظمى».
الجانب الأكثر إثارة هو أن واشنطن لم تطلب من الحوثيين التوقف عن مهاجمة السعودية كشرط لحماية تفاهمهم معها، والأغرب من ذلك هو حديث عدة مصادر عن طلب الأمريكيين تحييد السفن الإسرائيلية مع استثناء السفن المرتبطة بالسعودية!
بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية قرأت هذه الوضعية باعتبارها فكرة محتملة لتوسيع التعاون الأمني مع السعودية ثم تحويله سياسيا إلى مسار تطبيع. تستند هذه القراءة إلى واقعة اجتماع رؤساء أركان دول عربية شاركت في اجتماع عسكري مغلق نظمه الجيش الأمريكي في ألمانيا.
جاء الرد على هذه التكهنات عبر تصريح نسبته قناة «كان» الإسرائيلية لمصدر سعودي قال فيه إن السعودية لن تبدي مرونة بشأن التطبيع مع إسرائيل حتى لو قدّمت الدولة العبرية مساعدة في مواجهة الحوثيين.
يرتفع هنا سؤال منطقي: عندما تضيق المظلة الأمريكية هل تدخل إسرائيل من الفراغ؟ والجواب الذي يظهره التصريح المذكور هو أن تدخّل إسرائيل لا يشتري الاعتراف السياسي بها ولا يلغي فلسطين.
تتداخل الدوائر مع حديث باكستان عن «تفعيل» اتفاق مكة بسبب هجمات الحوثيين (وأحدها استهدف مكة نفسها حسب الإعلام السعودي)، وحديث تركيا عن رفض استهداف المملكة من الجنوب (الحوثيين) والشمال (الفصائل العراقية). تزامن هذا مع إعلان استعداد ترامب للقاء قادة دول الخليج الأسبوع المقبل إشارة إلى أن النظام الأمني الذي كان أحد بديهيات المنطقة بدأ يتغيّر من دون أن يظهر بعد النظام الذي سيحل بعده.
من الطبيعي، ضمن هذه السياقات الكثيفة، أن تحاول دول المنطقة توسيع خياراتها فتبحث السعودية عن صيغة دفاعية ممكنة مع باكستان وتركيا، من دون القطيعة مع الحليف الأمريكي، أو حتى رفض الاتصالات مع إسرائيل، أو استبعاد أدوار وساطة تقوم بها عُمان.
يعبّر ما يحصل عن تغيّر في طبيعة القوة نفسها، فما حصل في اليمن يقول إن التغيير المفاجئ في ساحة المعركة حصل عبر طائرات مسيرة وصواريخ واستخدام للذكاء الاصطناعي (الذي استخدم في عمليات خداع وقرصنة سيبرانية وصناعة صواريخ) وهو أمر لم تستطع أن تمنعه الجيوش التقليدية ولا حاملات الطائرات والقواعد الأمريكية الضخمة.
أعطى هذا التغيّر جماعة مسلحة وزنا يتجاوز كثيرا حجم اقتصادها أو الموارد التي تسيطر عليها. أظهر ما حصل فشل الاستعانة بأمريكا، وعدم كفاية أحدث الطائرات ومنظومات الدفاع. توفّر الأموال أيضا لشراء السلاح والتحالفات القبلية والحزبية لم يعوض عن وجود دولة ذات شرعية ومؤسسات قادرة على إنتاج شعور وطني مشترك بوجود قضية تستحق الدفاع عنها. النتيجة هو أن دول المنطقة لم تعد قادرة على بناء أمنها بالأدوات التي استخدمتها خلال العقود الماضية في الوقت الذي يتغيّر فيه العالم وتتغير فيه طبيعة القوة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *