الأمم المتحدة- “القدس العربي”: في إطار إحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، نظّمت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف بالتعاون مع بعثة فلسطين لدى المنظمة الدولية، مساء الأربعاء عرضا للفيلم الفلسطيني المرشح لجائزة الأوسكار “اللي باقي منك”.
وتم العرض أمام قاعة مكتظة تماما وبحضور مخرجة الفيلم والممثلة الرئيسية والكاتبة الفلسطينية الأمريكية شيرين دعيبس، والتي جلست على المسرح مع نائب الممثل الدائم لفلسطين، ماجد بامية، بعد عرض الفيلم للإجابة على أسئلة الجمهور.
يُعدّ فيلم “اللي باقي منك” ثالث أعمال دعيبس الروائية الطويلة، وقد احتلّ مكانة استثنائية في المشهد السينمائي العالمي منذ عرضه الأول في مهرجان صندانس (Sundance) في كانون الثاني/ يناير 2025، قبل أن يُدرَج ضمن القائمة القصيرة لجائزة الأوسكار في فئة أفضل فيلم دولي بترشيح من المملكة الأردنية الهاشمية. يمتدّ السرد على مدى سبعة عقود، من نكبة 1948 حتى عام 2022، متتبّعاً مصير عائلة فلسطينية واحدة من يافا عبر ثلاثة أجيال من الصمود والمواجهات والانكسار.
يفتتح الفيلم بمشهد شديد التوتر: مراهقان يركضان في أزقة الضفة الغربية، ثم يُصاب أحدهما برصاصة خلال احتجاج شعبي. بعد ذلك يتوقف السرد ليتحوّل إلى الأم التي تعود بالمشاهد إلى الجذر، مؤكدةً أن فهم ما جرى لابنها لن يكتمل دون معرفة ما عاشه جدّه في يافا.
تعود الكاميرا إذن إلى عام 1948، إلى حديقة غنّاء في يافا تتدلّى منها أشجار اليوسفي والبرتقال. نرى شريف، الرجل الفلسطيني الوقور، يتجوّل مع ابنه الصغير سليم في المدينة التي يعشقها، يُسمعه أبياتاً من الشعر، ويحكي له عن تجوالهما معاً في شوارعها. غير أن البهجة لا تلبث أن تتصدّع حين تشتدّ وطأة هجمات المستعمرين الجدد الذين يسعون لاحتلال الأرض وطرد السكان.
يرسل شريف أسرته إلى مدينة نابلس حيث توجد عائلة زوجته، مؤثراً البقاء في بيته في يافا إيماناً منه بأن الصمود في البيت وعدم الهجرة ضربٌ من ضروب المقاومة.
ينتهي رهانه بالاعتقال، ليُرسَل مع آخرين إلى العمل القسري في أراضيهم ذاتها التي بدأ المستعمرون يصلحونها لأغراضهم. كانوا يجبرونهم على حفر التراب وهم مُكبَّلون، حتى يُنهكه العطش والتعب والمرض فيفقد وعيه، قبل أن يتم زج الباقين في بيوتهم بسيارات شحن ورميهم وراء الحدود إلى الضفة الغربية فيلتحق شريف في نهاية المطاف بعائلته في نابلس.
ينتقل الفيلم بعدها قفزاً عبر الزمن إلى عام 1978 حيث يصبح الطفل سليم رجلا بالغا متزوجا ولديه طفل يحمل في عروقه دم جدّه وتعاليمه: حبّ الأرض والتمسّك بالجذور. ذلك الجد (الممثل القدير محمد بكري) الذي بات شيخاً أوهنه الزمن، لكن ذاكرته لم تنس شيئا من فلسطين.
تبدو الحياة مستقرة ضمن حدودها القسرية، إلى أن تنهار في لحظة واحدة، حين يخرج سليم مع ابنه لإحضار دواء للجد، فيُفرض حظر التجوّل، ويوقفهما الجنود الإسرائيليون عند غروب الشمس، ويُهينون سليم أمام عيني ولده بأشدّ الطرق إذلالاً، إذ يُرغمونه على ترديد كلمات تمسّ شرف أمه. ولا يجد أمامه سوى الامتثال ليحمي نفسه من القتل أو الاعتقال أمام عيون ابنه.
تُعيد تلك اللحظة تشكيل العلاقة بين الأب والابن، فالطفل الذي كان يرى في أبيه بطلاً يشهد بأمّ عينيه كيف يُصغَّر الرجل ويُهان، فينتقل من الإعجاب إلى الغضب، ومن الغضب تتشكّل لديه هوية مقاومة: يشارك في الاحتجاجات، ويركض في الشوارع، قبل أن تخترقه رصاصة في النهاية. ثم تأتي المعركة الأخيرة: نقله إلى مستشفى متخصص في حيفا بتصريح من قوات الاحتلال الذي يتأخر مراراً، فيما يموت دماغ اليافع ببطء. وحين يُعلن الأطباء وفاته دماغياً، تواجه الأسرة سؤالاً مغايراً تماماً عن القتل والبقاء: يطلب منهم التبرع بأعضائه ولكن بإرادتهم، فيعيشون محنة القرار.
يُعدّ هذا المحور من أكثر مقاطع الفيلم إثارةً للجدل والتأمل في آنٍ واحد، وحين سأل بعض الفلسطينيين كيف يُسمح لهم بمنح أعضاء طفلهم لـ”العدو”، كان جواب الأب: “لا يهمني من تذهب إليه هذه الأعضاء. ما يهمني هو أن يعيش من يتلقّاها”.
المخرجة والكاتبة
شيرين دعيبس مخرجة وكاتبة وممثلة فلسطينية أمريكية اشتُهرت بفيلمَيها السابقَين “أمريكا” (2009) و”ماي إن ذا سمر” (2013)، اللذين فازا بعشرات الجوائز الدولية وعُرضا في مهرجانات صندانس وكان والبندقية. وفي “اللي باقي منك”، تتولى الكتابة والإخراج والتمثيل في آنٍ واحد، في مشروع تمتد جذوره العاطفية إلى قصة والدها الذي نُفي عام 1967.
وفي جلسة الحوار التي أعقبت العرض، أوضحت دعيبس أن الفيلم نبع من الرغبة في توثيق الإرث العاطفي المُدمِّر للنكبة وطريقة انتقاله بين الأجيال، فيما تتراكم على عاتق الجيل الحيّ صدمات الماضي الموروثة وصدمات الحاضر المُكتسبة معاً. وقالت: “والدي نُفي عام 1967، وقضيتُ سنوات أشاهده يُضايَق ويُهان على الحواجز وعند نقاط التفتيش. استقيت من تجربتي ومن تجربته، خاصةً في شخصية الجد التي أدّاها محمد بكري”.
بدأت التفكير في الفيلم عام 2014، لكنها لم تشرع في كتابته إلا عام 2020، إذ أمضت ست سنوات تعيش مع الشخصيات وتبني عالمها. ووصلت إلى فلسطين في مايو 2023 لإطلاق مرحلة ما قبل الإنتاج، وعملت مع طاقم فلسطيني واسع. وقالت: “كانت رحلة شفاء جماعية، كنا نتشارك الذكريات، وكانوا يُغنون النصّ بتفاصيلهم الحقيقية عن انتفاضة أهاليهم وما عاشه أجدادهم في النكبة”.
كان من المقرر أن يبدأ الإنتاج في الحادي والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. لكن ما حدث يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر فرض تغييراً كاملاً في الخطة. اضطرت دعيبس وفريقها إلى الإخلاء فجأةً والتوجّه إلى قبرص ثم الأردن، حيث صُوِّر الجزء الأكبر من الفيلم في مخيمات اللجوء الفلسطينية. وأضافت: “الفيلم نفسه صار لاجئاً. صار يعيش ما يعيشه الفلسطيني: النفي، والانتظار، والشوق إلى العودة”.
سؤال “القدس العربي”
في الجلسة النقاشية، توجّهت “القدس العربي” إلى دعيبس بسؤال جوهري: الفيلم يُظهر تعاملاً فلسطينيا إنسانياً مع “العدو”، لكن العدو رفض أن يبادل الفلسطينيين الإنسانية ذاتها. “فهل تتفقين مع هذه القراءة؟”.
ردّت دعيبس من المفروض أن يكون المنطلق الأساسي “إذا البشر بحاجة إلى أنسنة فستكون فكرةً مضحكة ومأساوية، لأننا بشر أصلاً. الفلسطينيون لم يفقدوا إنسانيتهم، بل كانت موجودة دائماً. وما أفعله هو أنني أُظهر هذه الإنسانية، لا أمنحها”.
وأضافت أنها لا ترغب، كمخرجة، في رسم شخصيات كاريكاتورية، بل تسعى إلى تقديم شخصيات حقيقية بكل تعقيداتها. وقالت: “أردت أن يكون بين الجنود من يستنكر ما يجري في داخله لكنه لا يجرؤ على الكلام. هذا واقعي. رأيته بأمّ عيني”.
أما في نهاية الفيلم، حيث تبلغ المواجهة ذروتها الرمزية، فأكدت أنها أرادت بناء دلالة واضحة: “منحناه الحياة، وهو لا يزال يرفض أن يرانا. هذه هي المشكلة الحقيقية.. إن استنتاجك لموضوع رفض العدو أنسنة الفلسطيني صحيحة”.
عن التوزيع والإتاحة
أشارت دعيبس إلى أن الأفلام الفلسطينية لا تزال تواجه عقبات جوهرية في الوصول إلى كبرى منصات التوزيع الأمريكية، فقد صدر الفيلم في الولايات المتحدة عبر موزّع فلسطيني صغير، وعُرض على نحو ستين شاشة. أما في العالم العربي، فقد عُرض في عدد من الدول، من بينها الأردن ومصر وفلسطين، وهو متاح حالياً للمشاهدة على منصة OSN Plus التي أسهمت في تمويله مبكراً، فضلاً عن Amazon Prime وApple TV للمشتركين في السوق الأمريكية.