لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده ميلفين إنغلبي وويليام كريستو، قالا فيه إن سوريا اليوم تواجه سؤالا حيويا، وهو إما الأمن أو العدالة.
وجاء فيه أن أحمد الحمصي هو رجل ينام نوما عميقا، لكن عندما استيقظ الشهر الماضي على نبأ اعتقال أمجد يوسف، ضابط المخابرات السوري الذي قتل مدنيين في مجازر التضامن عام 2013، قفز من فراشه مسرعا وركض إلى الشارع ليجد آخرين يحتفلون بهذا الخبر.
يقول الحمصي، وهو ناشط يبلغ من العمر 33 عاما في لجنة تنسيق التضامن، التي وثقت الفظائع في الحي الدمشقي: “بقينا في الخارج قرابة ثلاثة أو أربعة أيام نحتفل، وأرسل لنا الناس من المناطق المجاورة جمالا وأغناما ومواشي لنذبحها ونوزعها على الناس، لم تتوقف دموع الفرح”.
وبالنسبة للحمصي، وللناس في جميع أنحاء سوريا، كان اعتقال يوسف علامة فارقة في مسيرة سوريا الطويلة نحو تحقيق العدالة لضحايا فظائع نظام الأسد.
كان اعتقال يوسف علامة فارقة في مسيرة سوريا الطويلة نحو تحقيق العدالة لضحايا فظائع نظام الأسد
فقد أصبح فيديو يوسف، وهو يقتل مدنيين معصوبي الأعين، ضمن سلسلة مجازر راح ضحيتها ما لا يقل عن 300 مدني، رمزا لوحشية النظام.
إلا أن فرحة الحمصي تعكرت وتحولت إلى غضب حين شاهد اعترافا يبدو أنه منتزع بالقوة، نشرته وزارة الداخلية السورية يوم الأحد الماضي، حيث ظهر يوسف أمام الكاميرا وهو يقول إنه تصرف بمفرده في قتل المدنيين.
وقال: “بالطبع أغضبنا ولم يعجبني ما قاله، فقد كان هذا تسترا [على آخرين تورطوا]”. وأضاف: “هناك الكثير من المجرمين، ونريد معرفة كل شخص تولى منصبا وكان مسؤولا وقت المجزرة”.
وكشفت تداعيات اعتقال يوسف عن صراع بين رؤيتين متباينتين تماما للعدالة الانتقالية في سوريا، ومعها لمستقبل البلاد.
فمن جهة، يطالب ضحايا فظائع الأسد وضحايا الأطراف الأخرى في الحرب الأهلية الطويلة بإجراءات محاسبة شفافة. مع ذلك، أعطى بعض المسؤولين في الحكومة السورية الجديدة الأولوية للأمن الداخلي، حيث ركزوا على اعتقال بعض أتباع الأسد، بينما عقدوا صفقات مع آخرين باسم الاستقرار.
ونقلت الصحيفة عن علي الجاسم، الباحث في مركز دراسات النزاعات بجامعة أوتريخت: “لقد انتقلنا من العدالة الانتقالية إلى عدالة انتقائية واستعراضية، الفكرة هي اعتقال شخصين، ووضعهما على شاشات التلفزيون، واستخدامهما ككبش فداء”.
وإلى جانب اعتراف يوسف، أشار الجاسم أيضا إلى الجلسة الأولى في محاكمة عاطف نجيب، ابن عم الأسد، الرئيس السابق للأمن السياسي في محافظة درعا، يوم الأحد الماضي. وقد أشاد الجمهور بصورة نجيب وهو جالس في قفص المحكمة، ويواجه أحد المراهقين الذين أشرف على تعذيبهم في بداية الثورة السورية، باعتبارها خطوة أولى نحو العدالة الانتقالية.
ومع ذلك، فإن التركيز الضيق على استعراض معاقبة عدد قليل من “المجرمين” قد يصرف الانتباه عن المحاسبة العادلة على جرائم الماضي، كما صرحت نوشا كباوات، رئيسة برنامج سوريا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية. وأضافت كباوات: “العدالة الانتقالية ليست مجرد عملية عقابية، بل هي إعادة بناء للمجتمع واستعادة الثقة. ورغم أن تحقيق بعض النتائج يعد جزءا من هذه العملية، إلا أنه لا ينبغي أن يطغى على الإنصاف، ويجب معاملة الشعب السوري كشريك لا كمجرد متفرج في عملية إعادة البناء”.
التركيز الضيق على استعراض معاقبة عدد قليل من “المجرمين” قد يصرف الانتباه عن المحاسبة العادلة على جرائم الماضي
وحذر الجاسم، الذي شارك في تأليف تقرير حديث حول صفقات الحكومة مع المقربين السابقين من النظام، مثل محمد حمشو وسامر فوز، من أن إعطاء الأولوية للأمن قد تكون له عواقب وخيمة على مستقبل سوريا على المدى البعيد. وقال: “لا علاقة لهذه الصفقات بالعدالة أو بتجاوز الماضي، بل إنها تهدد بإعادة إنتاج هياكل استبدادية من ذلك الماضي”.
وقد توصلت الحكومة إلى اتفاقيات مصالحة مع تجار الحرب في عهد الأسد مقابل الأصول والمعلومات، فضلا عن توفير الحماية المؤقتة لبعض المسؤولين الأمنيين السابقين مقابل المعلومات الاستخباراتية وكبح جماح التمرد الذي يشنه الموالون للأسد على الساحل السوري.
وقال الجاسم إن فادي صقر، القائد السابق لقوات الدفاع الوطني التابعة لنظام الأسد، كان وسيطا رئيسيا بين الحرس القديم والجديد، وقد ساعد الحكومة في التوسط مع بعض شخصيات النظام، بينما ساهم في اعتقال آخرين. ومع ذلك، يتهم صقر على نطاق واسع بالتورط في عمليات القتل الجماعي للمدنيين في التضامن ومناطق أخرى من دمشق. وقد نفى صقر مسؤوليته عن ذلك.
وأضاف الجاسم: “حتى أولئك الذين يحمون فادي الآن سيقولون لك إنه مجرم، لكنه مفيد لهم. ومنطقهم هو: إذا اعتقلتم فادي، فلن تعتقلوا إلا شخصا واحدا، أما إذا أبقيتموه، فسيدلكم على آخرين كثيرين”.
وتشير الصحيفة إلى أن الحكومة السورية تشهد انقساما داخليا حول نهج العدالة الانتقالية، لكن لا تتمتع جميع الأطراف بنفوذ متساو.
ففي حين تضم الإدارة ناشطين ومحامين وأكاديميين سابقين متخصصين في العدالة الانتقالية، إلا أن صنع القرار بشأن القضايا الأمنية يقع في يد دائرة ضيقة من المقربين للرئيس أحمد الشرع، الذين يفضلون نهجا يركز على الأمن، حسبما يقول محللون.
وقد أثار التعاون بين مسؤولي النظام السابق والحكومة غضب الضحايا، الذين، رغم تفهمهم لضرورة الاستقرار، شعروا بالإحباط جراء غياب الشفافية. وقال الحمصي، الذي التقى مسؤولين سوريين لمناقشة مخاوف عائلات التضامن بشأن دور صقر في الحكومة الجديدة: “لدينا ثقة في الحكومة ولا نريد أن نقول فورا: لا، هذا غير صحيح. لكننا سنطالب بحقوقنا وحقوق جميع العائلات”.
وترى الصحيفة أن هذه الاستراتيجية تهدد بتقويض مصداقية بعض الجهود الشعبية التي بذلتها الحكومة لتعزيز التماسك الاجتماعي. فقد عملت على الحوار بين الطوائف، وجمعت مرتكبي جرائم عهد الأسد لمواجهة ضحاياهم في مناطق شمال سوريا، مثل سلمية وحمص، في محاولة لنزع فتيل التوترات الطائفية هناك. ورغم نجاح هذه العملية في بعض المناطق، إلا أنها غير متكافئة، وأقل في مناطق أخرى من سوريا.
كما أن البنية القانونية للحكومة السورية الوليدة غير مجهزة للتعامل بشكل سليم مع تركة الحرب الأهلية. فقانون العقوبات السوري لا يعرف جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية كمفاهيم قانونية مستقلة، وقد يستغرق الأمر شهورا عديدة قبل أن يقر البرلمان قانونا للعدالة الانتقالية لمعالجة هذه القضايا. ومع ذلك، دفع الضغط الشعبي المتزايد من أجل العدالة بعض قطاعات الحكومة نحو المساءلة.
وكشفت صحيفة “الغارديان” يوم الخميس أن هيئة العدالة الانتقالية تعد ملفا ضد صقر، تتهمه بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ينفيها.
وتتوقع اللجنة أن ترفع دعوى قضائية أوسع نطاقا ضد المتورطين في مجازر التضامن، وليس يوسف وحده. وقالت زهرة البرازي، نائبة رئيس اللجنة، في إشارة إلى اعتقال يوسف مؤخرا: “مجرد الاعتقال ليس عدالة”.
وقام الحمصي، على مدى سنوات، بتوثيق الفظائع في حي التضامن بصمت، وتسلل خلسة لالتقاط الصور وجمع المعلومات سرا. والآن، بعد رحيل الأسد، فهو مصمم على استخدام تلك الأدلة. عندها فقط سيتمكن هو وسكان التضامن الآخرون من المضي قدما في حياتهم. ويقول: “الناس يعودون ويريدون العيش في منازلهم ويريدون إعادة البناء. لكننا نقف هنا ونقول: هذا المكان بأكمله مقبرة جماعية، إنه مليء بالشهداء، ولا يمكنكم البناء بعد، ولا يمكنكم محو مسرح الجريمة”.