عاموس هرئيل
في الوقت الذي تبدو فيه المؤسسة الأمنية في حالة تأهب قصوى تحسباً لهجوم أمريكي وربما إسرائيلي محتمل على إيران، ظهرت ساحة أخرى كانت تغلي بالتوتر منذ فترة طويلة، وهي الضفة الغربية. قتل إسرائيليان وأربعة فلسطينيين صباح الجمعة في حادثة جنوب غرب نابلس، وثمة خطر واضح لتصاعد التوتر في المنطقة وتشكيل دوامة متواصلة من الهجمات الانتقامية المتبادلة.
سارع نتنياهو، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، إلى إصدار أوامر للجيش الاسرائيلي بشن عملية هجومية واسعة في الضفة الغربية، ووعدا بتقديم الفلسطينيين المسؤولين عن قتل الاسرائيليين – ضابط في المدفعية وعضو في فرقة الطوارئ – للعدالة. مع ذلك، من المهم الإشارة إلى السياق العام الذي تجري فيه الأحداث. اندلع إطلاق النار في قرية تل، التي دخلت إليها مجموعة من المتنزهين الاسرائيليين في رحلة لم تحصل على موافقة مسبقة من الجيش. وقعت الحادثة في منطقة تشهد توترات أصلاً، في بؤرة “حفات جلعاد” الاستيطانية في نهاية الأسبوع الماضي (التي أكد الجيش الإسرائيلي بشكل قاطع أنها لم تكن متعمدة). والكثير من الهجمات التي شنها يهود ضد فلسطينيين.
منظمو الرحلة غير ساذجين. يبدو أنه استفزاز متعمد، جزء من تحرك أوسع يهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى رد فعل خرج عن السيطرة كما يبدو
دخول قرية فلسطينية لا يبرر إطلاق النار على مدنيين إسرائيليين، لكن منظمي الرحلة غير ساذجين. يبدو أنه استفزاز متعمد، جزء من تحرك أوسع يهدف إلى دفع الفلسطينيين إلى رد فعل خرج عن السيطرة كما يبدو. هناك الكثير من الإسرائيليين الذين يسعون إلى تصعيد خطير في الضفة الغربية. وذلك لدافعين: الأول، أملاً في أن يؤدي تصاعد العنف إلى صراع شامل يمكن من إسقاط حكم السلطة الفلسطينية والسيطرة على مساحات واسعة في الضفة الغربية بالقوة. والثاني، خلق حالة طوارئ أمنية قبل الانتخابات في 27 تشرين الأول القادم، في محاولة لإبعاد مسؤولية الحكومة عن الإخفاقات التي أدت إلى مذبحة 7 أكتوبر عن الأجندة السياسية.
بعد حريق “حفات جلعاد” الذي أعقبه فقدان عائلات لبيوتها، وقعت عدة أعمال عنف من قبل المستوطنين في قرى في محيط نابلس. أمس، أصيب مستوطن وجندي في حادثتي طعن في الضفة الغربية، وقتل ثلاثة فلسطينيين يشتبه في تورطهم بعملية الطعن. لم تكن النزهة التي جرت عملية مذبحة مخططاً لها، لكنها وقعت في منطقة مشتعلة أصلاً. لو تم تقديم طلب للقادة في ذلك القطاع لرفضوه. مع ذلك، نظراً للطريقة التي يدير فيها المستوطنون حالياً نشاطات الجيش الاسرائيلي في الضفة الغربية، يصعب الجزم إذا كان ذلك سيحدث.
دخل عشرات المتنزهين، بينهم أطفال، إلى المنطقة الجنوبية في قرية تل قرب المسجد، وخرج عشرات الفلسطينيين لملاقاتهم. اندلع اشتباك عنيف في الموقع، فاستدعى المتنزهون النجدة من بؤرة “حفات جلعاد” القريبة. استولى فلسطيني على سلاح منسق أمن البؤرة، الرائد (احتياط) بنياهو ميلات، وأطلق عليه النار. وفي تبادل إطلاق النار قتل الرائد يوفال عزرا من “هرتسليا”، وهو قائد مدفعية كان إلى الموقع مع قوة تعزيز صغيرة. وأصيب إسرائيلي آخر وقتل أربعة فلسطينيين وأصيب عدد من سكان القرية.
إلى جانب رسائل التعزية التي أصدرها رئيس الحكومة نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، فقد أعلن أنهما أصدرا تعليمات للجيش الإسرائيلي بتنفيذ “عملية واسعة في القرى التي تعتبر بؤراً للإرهاب”، واتخذا خطوات لفصل الحركة وإقامة حواجز، وبالطبع – تسريع شرعنة البؤرة وإقامة بؤر استيطانية جديدة. ولكن ما يغيب عن بال الكثيرين في الرأي العام الإسرائيلي هو أن هذه المزارع تلعب دوراً رئيسياً في هذه الأحداث. فالحكومة الحالية، لا سيما منذ 7 أكتوبر، تحت ذريعة الحرب الإقليمية الدائرة في أعقاب المذبحة، تعمل باستمرار على تغيير الواقع في الضفة الغربية بشكل جذري. وحتى الآن، أقيم 80 بؤرة استيطانية و126 مزرعة، واتخذت قرارات بإقامة 104 مستوطنات أكبر، تم بناء بعضها بالفعل.
هناك جانب آخر لقرارات السياسة وجهود الاستيطان في المنطقة، الذي يدان بين حين وآخر بالتردد، لكنه يدعم عادة بالتلميح، وهو أعمال العنف التي ينفذها من يطلق عليهم اسم “شبيبة التلال” ضد جيرانهم الفلسطينيين. وقد أقر نتنياهو مؤخراً بأن عددهم حوالي 150 شخصاً. في السابق، تحدث عن حوالي “70 شاباً ضائعاً”، العدد الحقيقي أكبر، والأهم أنهم يحصلون على دعم كبير في المستوطنات. هدفهم خلق واقع لا يطاق على الأرض وإجبار التجمعات الفلسطينية المعزولة على مغادرة أماكنها في المنطقة “ب” والمنطقة “ج”، وإخلاء الأراضي للتمكين من المزيد من البناء اليهودي. هذه عملية ممنهجة تؤدي إلى نتائج تراكمية.
حتى قبل بضعة أشهر، رغم ازدياد الهجمات اليهودية، كان هناك انخفاض ملحوظ في الإرهاب الفلسطيني. قال البعض إن الطرق في الضفة الغربية أصبحت أكثر أمناً للإسرائيليين لمجرد أن المستوطنين، بدعم عسكري كبير، بثوا الرعب في قلوب الفلسطينيين. ولكن منذ بضعة أشهر، أصبح واضحاً أن المنطقة تتجه نحو كارثة وشيكة. من الأفضل عدم التكهن، لكن يجدر التذكير بكيفية اندلاع الانتفاضة الأولى والثانية في المناطق الفلسطينية في الأعوام 1987 و2000. هذه المرة هناك دافع سياسي وراء الانفجار. يكفي النظر إلى كيف استفز وزير الأمن القومي بن غفير في الحرم في ذكرى 9 آب (التقويم العبري)، وكيف يدعو منافسه في اليمين المتطرف، سموتريتش، الجيش إلى اتخاذ إجراءات عقابية وانتقامية في القرى المحيطة بنابلس.
يتطلب تصاعد الصراع من الجيش الاسرائيلي تعزيز قواته بشكل كبير. وقد تقرر في هذا الأسبوع نشر كتيبتين نظاميتين أخريين. هناك حالياً 24 كتيبة تنتشر في الضفة الغربية، 10 منها كتائب احتياط، وقد يرتفع عددها
يتطلب تصاعد الصراع من الجيش الاسرائيلي تعزيز قواته بشكل كبير. وقد تقرر في هذا الأسبوع نشر كتيبتين نظاميتين أخريين. هناك حالياً 24 كتيبة تنتشر في الضفة الغربية، 10 منها كتائب احتياط، وقد يرتفع عددها. هذا يحدث في ظل واقع يعاني فيه الجيش الاسرائيلي من نقص في القوات، وعبء كبير على وحدات الاحتياط، وتراجع مستمر في معدل الإبلاغ في كثير من الكتائب. وإذا لم يكن هذا كافياً فإن نشطاء اليمين المتطرف يشنون “رحلات” غير مصرح بها إلى المناطق التي يسيطر عليها الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان وسوريا وفي قطاع غزة، بحجة نيتهم إقامة مستوطنات جديدة هناك، والجيش يقوم بملاحقتهم.
في إطار العملية الجديدة في الضفة الغربية، سيدخل الجنود إلى القرى والبلدات الفلسطينية وسيلحقون بها دماراً كبيراً، ما سيمكن الحكومة من إعلان انتصارات أكثر إدهاشاً في الحرب ضد الإرهاب. وفي الوقت نفسه، سيستغل هذا التصعيد لبناء المزيد من البؤر الاستيطانية والمزارع. ولكن هذه النشاطات لا تجري بمعزل عن الواقع؛ ففي ظل تصاعد هجمات المستوطنين، تم تشكيل لجان للدفاع المدني في حوالي 70 قرية فلسطينية في الضفة الغربية. هذه اللجان في الوقت الحالي لا تستخدم السلاح. ولكن كلما تصاعد التوتر ازداد خطر مشاركة عناصر من تنظيم فتح (الجناح الميداني في حركة فتح) في الصراع. لم يكن الوضع في الضفة الغربية أخطر، وهناك في الحكومة من يعتبر هذا الوضع فرصة سانحة.
هآرتس 26/7/2026