تسفي برئيل
أطلقت صفارات الإنذار أمس في مدينة ينبع السعودية الواقعة على شاطئ البحر الأحمر، ما دفع سكانها إلى البحث عن ملجأ. ولكن صاروخ الحوثيين، الذي كان موجهاً لهذه المدينة الساحلية، والذي تبعه إطلاق مسيرة من قبل الحوثيين، تم اعتراضهما بنجاح من قبل بطارية “باتريوت” تابعة لقوات يونانية نشرت في المنطقة في إطار مبادرة للتعاون بين السعودية واليونان. أما الدفاع عن منشآت “أرامكو” النفطية في مدينة جيزان، فكان أقل نجاحاً، حيث تعرض، حسب أفلام فيديو من الموقع، لضربة مباشرة وقوية.
جاء هجوم الحوثيين رداً على قصف سعودي – يمني لمنشآت اتصالات في مدينة الحديدة الساحلية الخاضعة لسيطرة الحوثيين، لكنه تجنب استهداف الميناء نفسه. بدأت هذه الحملة قبل أسبوعين تقريباً عندما قررت حكومة اليمن المعترف بها قصف مدرج مطار العاصمة صنعاء (الخاضعة أيضاً لسيطرة الحوثيين) لمنع طائرة إيرانية كانت تعيد وفداً من المسؤولين الحوثيين الذين شاركوا في جنازة علي خامنئي، من الهبوط هناك. أجبرت الطائرة في نهاية المطاف على الهبوط في مطار الحديدة. في اليوم التالي، هاجم الحوثيون مطار مدينة أبها السعودية، وبعد أسبوع، في 20 تموز، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري في البحر الأحمر على السفن السعودية أو السفن المتوجهة إلى السعودية.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها خرق وقف إطلاق النار الهش بشكل كبير، الموقع بين الحوثيين والسعودية في 2022. تهدد إيران الآن بإعادة فتح ساحة اليمن في إطار حملتها ضد الولايات المتحدة عبر جيرانها العرب، وإضافة مضيق باب المندب كحلقة وصل مكملة لحصارها لمضيق هرمز وإمدادات النفط والغاز العالمية.
يقول الحوثيون إن الحصار الذي فرضوه على الملاحة في البحر الأحمر جزء من سياسة “حصار ضد حصار”، التي أعلنها زعيمهم عبد الملك الحوثي، رداً على الإغلاق الجوي الجزئي لمطار صنعاء.
يقول الحوثيون إن الحصار الذي فرضوه على الملاحة في البحر الأحمر جزء من سياسة “حصار ضد حصار”، التي أعلنها زعيمهم عبد الملك الحوثي، رداً على الإغلاق الجوي الجزئي لمطار صنعاء. ويقولون إن هذا الحصار موجه ضد السعودية فقط، وكأنه أمر جانبي لا صلة له بالحرب بين إيران والولايات المتحدة. والسعودية هي الضحية الرئيسية والمباشرة لهذا الحصار.
بعد إغلاق طريقها لتسويق النفط في الخليج العربي، شغلت السعودية خط أنابيب النفط الذي يربط بين ابقيق في شرق البلاد وبين ينبع، الذي تصدر من خلاله حوالي 4.5 مليون برميل نفط يومياً. سمح منفد ينبع حتى الآن للسعودية بمواصلة تزويد زبائنها في شرق آسيا بالنفط، إضافة إلى تصديره لأوروبا عبر قناة السويس وخط الأنابيب البري المصري الذي يربط شبه جزيرة سيناء بالإسكندرية.
هذا المسار يعاني من بعض القيود، حيث لا يستطيع ناقلات النفط العملاقة العبور في قناة السويس بكامل طاقتها، ولكن هذه المسارات تعتبر بديلاً مناسباً للمسار المغلق في مضيق هرمز. ومع فرض الحوثيين حصاراً على الملاحة في البحر الاحمر، أغلق المسار الجنوبي من ينبع إلى دول آسيا بالفعل. ومع توقف النفط السعودي، ترتفع أسعار النفط في السوق العالمية بشكل كبير، ويتطور النزاع السعودي – الحوثي بسرعة إلى أزمة جيوسياسية، تملي مسار الحرب ضد إيران، ويبدو أنها مرتبطة بقرار ترامب “الاستماع” إلى المقترح الإيراني لاستئناف المفاوضات.
من المهم التذكير أن السعودية تمتعت بفترة هدوء نسبية امتدت من نيسان، عندما وقع على اتفاق التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. رغم أن إيران جددت بعد ذلك هجماتها على دول خليجية أخرى، بقيت السعودية مستبعدة من قائمة أهدافها. جاء هذا بعد أن أبلغ بن سلمان الرئيس الأمريكي في أيار بأنه لن يسمح باستخدام أراضي السعودية لشن هجمات على مضيق هرمز ضمن عملية حرية الملاحة هناك.
رداً على ذلك، هددت الولايات المتحدة بتقليص حضورها العسكري في السعودية، بل وحتى وقف توريد الطائرات الاعتراضية إليها، ولكن الحظر السعودي بقي ساري المفعول. في 18 تموز، هاجمت إيران قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية، وغير معروف من أو ما الذي يقف من وراء قرار تنفيذها. إذا كان هذا تغييراً في الاستراتيجية، فلماذا اكتفت إيران بهجوم واحد؟ أو ربما قررت إيران نقل مهمة مهاجمة السعودية للحوثيين، محققة بذلك هدف تهديد الولايات المتحدة والضغط عليها دون استفزاز السعودية للرد عليها بشكل مباشر.
قال المحلل اليمني حسام ردمان، عضو في معهد صنعاء للدراسات الاستراتيجية، ومقره في مدينة عدن، أن تحركات الحوثيين ضد السعودية تنبع من الصراع على السلطة في داخل النظام في إيران بين من يؤيدون الدبلوماسية وبين كبار الحرس الثوري وأنصارهم في التيار السياسي الراديكالي. ويشير ردمان إلى أنه خلال حرب الـ 12 يوماً في حزيران 2025، امتنعت إيران عن تفعيل دور الحوثيين، وتبنت سياسة علي لاريجاني، مستشار الأمن القومي الذي اعتيل في آذار الماضي، التي تنص على ضرورة استعداد إيران للحرب مع بذل أقصى الجهود في الوقت نفسه، للتوصل إلى حل دبلوماسي، اعتماداً على دعم دول الخليج.
وقد أدت التغييرات السياسية التي شهدتها إيران منذ شباط، لا سيما اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وعلي لاريجاني وأشخاص آخرين، إلى خلق ميزان جديد للقوة، حيث لم يعد موقف مجتبى خامنئي ونفوذه واضحين تماماً. والنتيجة صراع بين ما يسميه “مدرسة الوحيدي” (نسبة لقائد الحرس الثوري أحمد الوحيدي) والشخصيات “البراغماتية” كما يصفها، بمن فيها الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس طاقم المفاوضات محمد قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي.
يبدو أن الوحيدي لا يعارض المفاوضات، لكنه يعتقد أن طهران يمكنها فرض شروطها باستخدام الردع العسكري من خلال الضغط على جيران إيران. في المقابل، يسعى خصومه إلى إحياء مذكرة التفاهم العالقة، لانتزاع المكاسب الاقتصادية المهمة التي تشملها. وحسب ردمان، فإن هذا ليس فقط صراعاً حول كيفية إجراء المفاوضات، بل هو جزء من الصراع لتشكيل ميزان القوة الداخلي في إيران بعد انتهاء الحرب. مع ذلك، يتجاهل هذا التحليل مصالح الحوثيين واعتباراتهم المستقلة، الذين أثبتوا في السابق أنهم غير خاضعين تماماً لتوجيهات إيران أو طلباتها. وتدور صراعات سياسية على السلطة منذ أسابيع في داخل هيكل سيطرة الحوثيين، ما أدى إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن قتل نشطاء بارزين وزعماء قبائل ونشطاء سياسيين. في الوقت نفسه، يشن نظام الحوثيين الذي يعاني من أزمة اقتصادية شديدة، حملة عنيفة ضد جماعات المعارضة المدنية.
هآرتس 26/7/2026